بيان (2): مازال حرف (الميم) يحاول في بطولة واستماتة المحافظة على ارضه وموقعه في (الاعلام), فغارات حرف النون لاحتلال ارض (الميم) لا تنقطع, ورغم مقاومة (الميم) الباسلة الا ان، (النون) تمكن من احتلال مساحات لا يستهان بها من مواقع, واستطاع (الاعلان) بالنون طرد (الاعلام) بالميم بعد ان اغتصب العديد من مواقعه, فمشكلة (الاعلام) انه مكلف ولا يجد من يعينه او يدعمه, اما (الاعلان) ففلوسه حاضرة وجاهزة وبالملايين, وامام هذه الملايين يفسح له المجال وتفتح له الابواب, ويقال للاعلام بأدب شديد (عن اذنك... ما نعطلكش)..!! وزمان.. هاج الناس وماجوا عندما احتلت الاعلانات مساحات واسعة من اشرطة الفيديو وافسدت عليهم استمتاعهم بمشاهدة الافلام والمسرحيات المسجلة عليها, وجرت محاولات ومحاولات للحد من نشاطات الاعلان على هذه الاشرطة, ولكن النتيجة الوحيدة لهذه المحاولات كانت غزواً اكبر واوسع للقنوات التلفزيونية, واصبح الاعلان يخرج لسانه للمشاهدين لها بين كل مشهد وآخر على شاشة التلفزيون, واصبح الاعلان يخرج لسانه للمشاهدين لها بين كل مشهد وآخر على شاشة التلفزيون, ورغم احتجاج المشاهدين وكتابات النقاد وصيحات الفنانين, الا ان (الاعلان) استمر في تقدمه, واستمر في احتلال المزيد من مواقع (الاعلام), حتى بات من المتوقع ان تحل اشارة (فقرة اعلامية) محل اشارة (فقرة اعلانية) التي تعودنا مشاهدتها إيذانا بقدوم هجمة اعلانية, وليس ببعيد ان يأتي اليوم الذي تصبح فيه برامج التلفزيون كلها برامج اعلانية تتخللها نشرة اخبار موجزة, او عمل درامي يجري تقطيعه وتوزيعه على مساحات واسعة من الاعلانات, والذي لا يعجبه الحال عليه ان يشرب من اقرب بحر اليه..! اما القشة التي قصمت ظهر (الاعلام) وليس (البعير) فقط, فهي التسلل الاخير والخطير للاعلان الى آخر معاقل الاعلام واخطرها, والذي كان الى عهد قريب منطقة محظور على الاعلان الاقتراب منها وليس فقط الدخول اليها, ذلك العقل الذي يحمل قبل غيره مفهوم الاعلام الحقيقي, انه معقل الاخبار, ما يتبعه من برامج سياسية وحوارية, في هدوء و(على خوانة) فوجىء المشاهدون المشدودون الى نشرة الاخبار في بعض الفضائيات باعلان يزيح مذيع او مذيعة النشرة جانباً ويبدأ في اذاعة نشراته الخاصة.. والخاصة جداً, حتى يفرغ كل ما عنده, وعندئذ لا يرى مانعاً من السماح لمقدمي النشرة بالعودة لاستكمال عرض الاخبار او التحليلات, وهم يقدرون له (للاعلان) ولا شك تلك المكرمة..!! وشيئاً فشيئاً.. استشرى الخلط الاعلامي ــ الاعلاني, وساحت الامور فاختلط الحابل الاعلامي بالنابل الاعلاني, واصبح مسحوق الغسيل مزيل البقع يطل برأسه بين اروقة الامم المتحدة, ولم يعد المشاهد يدرك الفرق بين الصراصير التي يراها في اعلان مبيد الحشرات وبين جنود اسرائيل وهم يحاولون الاختباء هرباً من مبيد الاحتلال, وبدأت منافسة قوية بين مذيعات النشرات وبين فتيات الاعلانات, وان كانت هذه المنافسة تحسم غالباً لصالح فاتنات الاعلان على حساب مثقفات الاعلام!! لست ادري بماذا يبرر اصحاب القنوات الفضائية غزو (زيت الذرة) لاخبار الانتفاضة, واقتحام معجون الاسنان لاجتماعات الوزراء ولقاءات المسئولين, واستفزاز اعلانات البرجر والجبنة السريعة الدهن لمشاهد ضحايا السيول والمجاعات, ولا استطيع ان اتصور انه من اجل حفنة دولارات نخلط بين الحرب والاكل, وبين اخبار الكوارث واخبار الكريمات المنعمة للبشرة, وبين اقوال الصحف واقوال مستخدمي الشامبو مزيل القشرة.., اللهم الا اذا كان المعلنون قد ادركوا بذكائهم او باستطلاعات الرأي ان المشاهدين قد ملوا البرامج المستهلكة.. وسئموا مشاهدة الفيلم للمرة التاسعة والتسعين.. وقرفوا من اغاني الفيديو كليب الهابطة, فهربوا الى نشرات الاخبار رغم اخبارها المحبطة وكوارثها التي لا تنقطع يوماً بعد يوم, ورأوا (المشاهدون) انها ارحم واخف وطأة من تلك البرامج والافلام والاغاني, ومن هنا بدأ الزحف الاعلاني على نشرات الاخبار لاصطياد المشاهدين الذين هربوا اليها..! السؤال الذي اصبح يحيرني ويحير معي آلاف المشاهدين عند مشاهدة اي خبر في اي نشرة للانباء... هو: (هل ما يعرض امامي على الشاشة الآن... خبر.. ام اعلان؟), فقد اختلطت الدعاية السياسية بالدعاية الاعلانية, واصبح الترويج للساسة والسياسات لا يختلف كثيراً عن الترويج للشامبو والحفاضات, اللهم الا في اسلوب التقديم, فالذين يقدمون الاعلانات السياسية جادون مكشرون اما (اللذات) يقدمن الاعلانات التجارية ففاتنات مبتسمات.., فأهلاً ويا هلا بالاعلانات..!