بيان (2): تعد الاقصر من اعظم المتاحف المفتوحة في العالم, فلا يكاد يخلو مكان فيها من اثر من تلك الاثار التي تملأ النفس رهبة لروعتها وجلالها وتنطق بعظمة المصريين القدماء وحضارتهم. اطلق عليها العرب اسم الاقصر اي (مدينة القصور) لكثرة ما شاهدوه فيها من صروح وابنية شامخة, وماتزال المعابد والمقابر والقصور قائمة بها وقد شيدت في صخور الحجر الجيري والجرانيت لتبقى على طول الزمن شاهدة على الرغبة في الخلود, وتحيط بها الاسواق والفنادق الفخمة. على الضفة الشرقية للنيل حيث (مدينة الاحياء) تقف معابد الكرنك والاقصر شامخة تحية لشروق الشمس, وعلى الضفة الغربية يلقي الغروب بظلاله على مدينة الموتى حيث مقابر النبلاء ووادي الملوك ومعبد الملكة حتشبسوت. واليوم تستطيع ان تتجول عبر التاريخ فتشاهد تماثيل لها رؤوس آلهة وحيوانات تحت اعمدة منقوش عليها براعم اللوتس والبردي. على البر الشرقي معابد الكرنك التي عرفت عند المصريين القدماء باسم (اي بوت ـ اي سوت) اي اكثر الاماكن احتراما, وقد بنيت بمقاييس مهيبة, وتبلغ مساحة المكان مئة فدان ويمتد تاريخه على مدى 13 قرنا. تبدأ معابد الكرنك بمدخل مزين بتماثيل الكباش التي تمثل امون رمز الخصوبة والخير, وقد نحت اسفل رؤوس الكباش التي لها وجه الكبش وجسم الاسد تماثيل صغيرة لرمسيس الثاني, وفي الفناء تمثال نفرتيتي (جميلة الجميلات) زوجة رمسيس الثاني وصالة المسلات والتي كانت تحتوي اربع مسلات اثنين منها للملك طحومس الاول والمسلتين الاخريين للملكة حتشبسوت ابنة الملك, والمسلة عبارة عن عمود محدب يصنع من قطعة من الجرانيت الاحمر, وقد بقي منها مسلتان تشير احداهما الى الشمال والاخرى الى الجنوب ما يجمع شمال وجنوب مصر في حب وقداسة الملك, ثم بهو الاعمدة ويتألف من 134 عمودا كان الملك والعائلة الحاكمة والحاشية تجلس على المنصة وتجري في فنائها الاستعراضات احتفالا بالنصر. ومع غروب الشمس وحلول الظلام تقام في معبد الكرنك يوميا عروض الصوت والضوء وهي عروض شيقة تتم باتقان حيث استخدام الكلمات والضوء والموسيقى يحكي خلالها قصة معابد الكرنك الرائعة ويقدم البرنامج باللغات العربية, والانجليزية, والفرنسية, والالمانية, والاسبانية, والايطالية, واليابانية. اما المعبد الجنوبي المكرس لعبادة الآلهة امون يعرف بمعبد الاقصر, ويتألف المعبد بوجه عام من صرح يؤدي الى فناء ثم بهو الاعمدة ومنه الى قدس الاقداس, ويرجع تاريخه الى عهد الملك منحوتب الثالث وقد تعرضت بعض اجزاء المعبد الى الانخفاض نتيجة ارتفاع منسوب المياه الجوفية في منطقة الاعمدة مما استدعى تدخلا عاجلا جرى خلاله فك الاعمدة وحفر الموقع الى عمق معين وسحب المياه الجوفية ثم اعادة تثبيت الاعمدة وفق نظام دقيق تم خلاله اعادة المعبد الى شكله الطبيعي الذي كان عليه سابقا. وفي المعبد صرح لستة تماثيل ومسلات بارتفاع 22 مترا وزنة 220 طنا كتب عليها القاب تتويج الملك والالقاب المجيدة له وهي تعتبر رمزا من رموز الشمس ويوحي الجزء المدبب في القمة الى وجود المعبد وذلك بانعكاس اشعة الشمس منه. وعلى جدران المعبد منحوتات جدارية تحكي قصة رحلة الملك البحرية بين معبد الاقصر والكرنك ومن ثم رحلة العودة. بين معبدي الاقصر والكرنك يقع متحف الاقصر ويضم اثارا من الاقصر والمناطق القريبة منها. المعبد الجنائزي اما على البر الغربي فينتصب تمثالا ممنون, وهما كل ما تبقى من المعبد الجنائزي للملك امنحوتب الثالث احد ملوك الاسرة 18 التي حكمت مصر منذ حوالي 1300 سنة قبل الميلاد, وهو معبد متكامل كان يزين وجهته تمثالا ممنون وكان يصدر من جسم التمثال في العهد الروماني صوت بكاء يشبه بكاء الام على ابنها, الا ان الزلزال الذي ضرب المنطقة في العصر القبطي اتى على المعبد بكامله وبقى منه تمثالا ممنون, وبجوارهما يعبر الطريق المؤدي الى معبد الملكة حتشبسوت والتي تعد المرأة الوحيدة التي حكمت مصر كفرعون, وقد بني منذ حوالي 1500 سنة قبل الميلاد ونسبت الملكة حتشبسوت للاله آمون بعد ان حبكت قصة جنائزية بعد وفاته, وقد قام ببناء المعبد كبير الكهنة سموت وهو مبني على 3 طوابق تحكي قصة نقل المسلات من مكان التصنيع في اسوان الى الاقصر وقصة ولادة الملكة من ابيها الاله آمون حيث نسبت نفسها الى امون لتقنع الشعب بحكم الملكة وليس الملك ويحكي الطابق الثاني قصة سفر البعثات التجارية التي ارسلتها حتشبسوت الى بلاد (بونت) وهي اما الصومال او اليمن, اما الطابق الثالث فتقام عليه الطقوس الدينية وكان يقتصر دخوله على الملكة وكبير الكهنة. وقام طحومس الثالث بعد موت الملكة حتشبسوت بتدمير معظم اجزاء المعبد لأنها اغتصبت العرش وحكمت البلاد بدلا منه وهو من كان يستحق الحكم. وفي موقع لا يبعد كثيرا عن معبد حتشبسوت وسط السلاسل الجبلية في منطقة الاقصر يقع وادي الملوك الذي يتألف من 62 مقبرة مفتوح منها للزيارة حوالي 16 مقبرة, وبه مقابر ملوك الفراعنة من اشهرها مقبرة الملك توت عنخ آمون ومقبرة الملك رمسيس الثاني والتي تعد من اهم المعالم الاثرية في البر الغربي من الاقصر. وتولي هيئة الاثار ترميم المقابر اهمية كبرى ويتم اغلاق بعضها حتى لا تتأثر الالوان الطبيعية التي تحملها الرسومات الجدارية منذ حوالي 1500 سنة قبل الميلاد. واشهر مقبرة في وادي الملكات مقبرة نفرتيتي وتزخر بالنقوش والرسوم الجدارية الحية ذات الالوان الثابتة الزاهية بالرغم من ان الايدي التي ابدعتها صارت ترابا منذ ثلاثة آلاف سنة او اكثر. وتعتبر الاقصر قاعدة نموزجية للانلاق منها في رحلات نهارية الى اسنا وندرة وابيدوس. ويمكن القول ان المهرجان العالمي للاحتفال بالملك توت غنج آمون يعتبر حدثا كبيرا يقام سنويا احتفالا بذكرى اكتشاف مقبرة الملك توت في الرابع من نوفمبر عام ,1922 وقد اوحى بفكرة هذا الاحتفال مناسبة مصرية قديمة هي (عيد الاوبت) الذي كان يقام اثناء موسم فيضان النيل احتفالا بعودة الارتباط السنوي بين ثالوث طيبة المكون من الاله العظيم امون وزوجته موت وابنهما خنسو, اثناء حكم الملك توت عنخ امون نقشت مراسم الاحتفال بالكامل بشكل بارز على عمود الموكب في معبد الاقصر حيث مازال بالامكان مشاهدتها حتى يومنا هذا.