تبادلا نوبات الكرم, أعطاها حقوقها كاملة مع أنها المبادرة بطلب الانفصال, وتركت له الشقة راضية, تعرف أنه لامكان اخر أمامه يلوذ به. كان كريما في عواطفه ومشاعره وماله, قبل ان تدول دولة الهناءة, وتصيبه العادات الغريبة التي أضجرتها منه, وأضعفت قدرتها على الاستمرار, وأوصلتها الى شفا الانفجار. استعادت وجه طفلهما بينما تتهادى سيارة الاجرة في شوارع مزدحمة, بدت المسافة سفرا من بيت أسرتها بالعباسية الى شارع فيصل بالهرم. تيتم طفله اخيرا, ولن يعود يناديه باسمه مجردا رغم زجرها للطفل ووسط بهجته البادية بذلك. اتفقا في هدوء ان يصحب الصغير يوم الخميس. يمر عليه في المدرسة ويقضيان اليوم معا قبل ان يتركه عند مدخل منزل ابويها ويظل واقفا حتى يطمئن على وصوله. تستنطق الصغير ما حدث. تستعيده التفاصيل والمرئيات. أحيانا كان الشوق يغالبها فتطفىء الضوء وتراقبه من خلف خصاصات الشيش عند انصرافه. في الاسابيع الاخيرة لزم الصمت. لم يعد يسعى لرؤية الطفل في موعده المعتاد, ولم يعد يراه احد. بدا الامر محيرا وخاصة بعد انقطاعه عن العمل, ملاحظة جيرانه بأنه لم يعد يظهر خارجا او داخلا من شقته وان عرفوا بوجوده في الداخل من صوت الجلبة التي يحدثها احيانا, واضاءة النوافذ. اخيرا وصلت السيارة الى مقصدها. دلفت الى شقتهما السابقة. أنكرت المكان, وبدا المشهد اشبه بتكوين اسطوري. علب التونة والسردين في كل مكان. أغطية المشروبات الباردة. أقلام ملونة للرسم صالحة وجافة تملأ الارضية بالمئات. علب السجائر الخالية تتناثر فوق الارض واغلبها منضغط بتأثير المشي فوقها. دلفت الى غرفة النوم فبدا الامر صادما. مملكتها القديمة الاثيرة. هنا شهدت اندماجهما وبحثهما عن المستحيل. وهنا ايضا طلبت منه الطلاق, وأعلنت قرارها بالعجز عن الاستمرار معه. لا تنسى عينيه المفتوحتين المشدوهتين, وجبينه المقطب ألما ولسانه المتدلى في بلاهة وهو يستمع الى قرارها. فوق مرآة التواليت رسم صورة كبيرة ملونة لها. نعم ملامحها المتطابقة وشعرها السائب. متى رسم هذه الصورة؟.. فوق السرير تناثرت رسائل بريدية وصور ملونة وخرائط اجنبية للفضاء. بدا من أغلفة الخطابات المكتوبة بالانجليزية اتية من بلاد بعيدة لمحت فوق فرش السرير رسما ما, أبعدت اطر الخطابات والصور المكومة, فظهر وجه طفلها يملأ مساحة الفراش باكمله. سألت نفسها: متى رسم هذه الصور. رفعت رأسها بزاوية منفرجة فوجدت مشهدا مجنونا: رسما لقبة السماء تتناثر فيها النجوم والكواكب والنيازك وسفن الفضاء. تحفة حقيقية مدهشة. متى وكيف رسمها هذا المجنون حدقت في اللوحة ثانية فوجدت صورتها وصورته وصورة طفلهما تحتل ركن السقف بالقرب من كوكب نائى لعله نبتون او بلوتو. بدا وجه الصغير يتوسط وجهيهما ويشخصون نحو الكوكب ماذا قصد, وأي رسالة يشى بها المشهد بأسره. فوق الارض كانت العلب الفارغة والأقلام الفارغة تغطي السجاد ايضا. مترنحة سارت الى الحمام. مرت بالمطبخ فباغتها مشهد آخر. كانت أكوام الكتب تسد مسام المكان, وفيما عدا موضعي موقد البوتجاز والثلاجة والذي يوصل اليهما ممر صغير لا يتسع لمرور طفل. كان يبتلع كميات هائلة من الشاي والقهوة. قليل الطعام كثيرا ما كانت تعنفه على ادمانه لهما, وغالبا ما كانت تستسلم لرغبته وتعدله فنجانه وعادة تقاسمه احتساء الشاي بالنعناع. متى جاء بهذه الكتب كلها؟ اللعنة على كتب العالم. تستعيد المآساة بأسرها. تزاملا وتحابا في كلية الحقوق بدآ بداية متواضعة سرعان ما نجحا تدريجيا ان يستكملا ما ينقصهما. اتفقا على تفرغها للمنزل وشجعه اعفاؤه من الخدمة العسكرية لكونه الابن الوحيد على التفرغ للعمل. ساعده قريب لها مهم على ايجاد وظيفة له محققا بادارة قانونية بإحدى المصالح الحكومية. جاء الصغير بنسماته المنعشة ليفتح مسارا جديدا في رحلة الحياة. لا تعرف بالضبط متى آذنت التعاسة لريح السموم بالهبوب, ومتى سكنته هوايته الغريبة ابدى اهتماما مفاجئا بعلوم الفضاء. وبدأت الكتب الخاصة بالكون وعلوم الفضاء تترى. في البداية لم يكن في الامر ما يزعج, ولكن انهماكه في القراءة, واعتذاره من الارتباطات الاجتماعية المختلفة ضايقها. بدأت نقوده تتبخر, وشقت الكتب طريقها نحو غرفة الصغير, اتى بالنجار ليجهز مكتبة بالشرفة, وأخرى بغرفة الطفل وثالثة في غرفة المعيشة. يحدثها في حماس عن سكان الكواكب الاخرى. اولئك الذين يجيئون ويذهبون دون ان ننتبه. ويؤمن بقوة عن ضرورة سفرنا اليهم للتعلم من تقدمهم العلمي. بدأت مساحة شقتهما تتقلص. وفي وقت الطعام يبدو تائها, وفي أوقات الاختلاء يبدو شاردا, فتحاول جذبه الى عالمها فتفشل, يبدو في لحظات المتعة المدهشة مشدودا الى عوالم بعيدة وآفاق خفية, وبدأت تتململ وتيأس من اغرائه بلعبة الصيد القديمة لعبة الانثى والرجل. تحول الامر من هواية الى كارثة وهي ترى دعائم حياتهما تتهاوى, وحبيبها القديم أضحى رجلا مجذوبا بسكنى الفضاء والاتصال بمخلوقات ذكية. فاض بها, وسكنتها رغبة طاغية في التخلص من هذه الكتب التي ضاق المسكن بها وأسرتها فكرة نزقة. استدعت بائع الاشياء القديمة وطلبت منه حمل هذه الكتب وأخذها بالمجان. عندما عاد وعرف جن جنونه. رأت انسانا آخر انكرته. مادت الارض تحت قدميها. تثاقلت الشمس فوق رأسها, وضربها. نعم, بكائن غريب ينتمي للعصور السحيقة قبل أنسنة الانسان, ولولا ان احتمت بغرفتها لافترسها, ونجح في إعادة كتبه من البائع المتجول, سار نهر حياتهما متعكرا من يومها حتى تفجر الطوفان, وحطم النهر السدود, واقتحم في طريقة تحصيناتها النفسية معلنا انتهاء حياتهما الزوجية, وآذن للرحيل بالمثول. لا يذكر كيف غلبه عشق الفضاء, والانشغال بسقف الكون. منذ اصبح مشدودا الى الملكوت لم يعد يهتم بشىء مثل الفضاء, وأجسامه, ومداراته, وكائناته الغريبة. اكان ديموكريتوس هو جدك الاول: أول من نادى بأن الكون لا نهائي. ها هو ملكوت الرب متسع اتساعا منسحقا لا يمكن تخيله. تضم مجرتنا مئة الف مليون نجم, وما الشمس الا نجم صغير متواضع فيها. تدور مجرتنا حول محورها دورة كل 250 مليون سنة, فأين تكون رفاتك يا رجل عند اكتمال الدورة؟ ينشغل بمصير النجوم, فمشكلة النجم الحفاظ على التوازن الدقيق بين ضغطه الداخلي الناتج عن تفاعلاته النووية وبين قوى الجاذبية, لو يعرف جزء بسيط من هذه النجوم طريقه الى كل بلدان المستعمرين والصهاينة والأشرار في عالمنا, لغدت الارض فردوسا مقيما. يحدثها باحترام عن النيازك, ويصفها بأنها بذور الحياة على ارضنا عن طريق البكتريا التي حملتها معها. يسألها مستنكرا: هل خلق الله الكون من أجلنا وحدنا؟. لا نفهم, يستطرد في حماس محدثها عن الاف النجوم المماثلة واقربها يبعد بعشرات السنوات الضوئية, فلماذا لا يكون هناك عشرات الالاف من الحضارات المتقدمة في مجرة التبانة وحدها. يحدث زملاءه في العمل عن الهسيس المستمر الصادر من مركز المجرة ومصدره مادة مجهولة خارج الهالة المحيطة بالمجرة بتردد 4 مليارات ذبذبة في الثانية, ونشأت مع الانفجار العظيم. تطارده هواجسه وتأملاته. تضحك كلما تذكرت الموقف. كانت تضمهما حميمية الفراش, وسخى بعواطفه معها حتى ذابت وكانت انغام الموسيقى الهادئة تتردد في المكان من المسجل, قبل ان يبوح بسره الدفين. في لحظة التوهج رفع رأسه وخاطبها في جدية واجبة: أتعرفين, نحن نبعد اكثر من 20 الف مليون سنة ضوئية عن مركز الانفجار العظيم لأننا في طرف الكون. كان انفجارا في كل اتجاه, وفي كل مكان في المركز, وحول المركز, وانفجارا للفضاء نفسه, وبعدها ولدت مجرتنا نظرت اليه لحظتها في دهشة واستياء. لم يكن الرجل طبيعيا وهو يشيح بيديه ويومىء برأسه ناسيا عريه وعريها. لملمت شتاتها ودفعته بعيدا مستاءة وغاضبة. وبمجرد ان اعتدل ونظر اليهما مستفهما انفجرت في ضحك هستيري. تبرق عينيه العسليتين في توهج. يرفع رأسه اثناء استغراقه في الطعام ويسألها: هل يشاهد سكان المجرة المسلسلات السخيفة مثلنا, ويزحفون في الصيف الى المصايف, ويتزاحمون في عربات مترو الانفاق, ويرددون الاكاذيب واخبار الفضائح بشغف؟. اعتادت جنونه وشروده في عالمه. يضع فيشة الهاتف في بريزة الكهرباء, ويضع فرشاة الحلاقة في كوب الشاي لتنظيفها من الصابون, ويفتح باب الشقة بملابسه الداخلية قبل ان تنبهه. بدأت تخاف على الصغير منه ومن شروده الدائم. تدريجيا تحولا من بؤرة اهتمامه والذي أصبح حلما واحدا: ان يؤلف كتابا غير مسبوق عن الفضاء وسكان الكواكب الاخرى. صارحها مرة بحزنه, وهو يحتسي الحساء اثناء الغداء: ستلتحم مجرة اندروميدا بمجرتنا خلال بضعة ملايين من السنين وتصبحان مجرة واحدة, ليتني كنت احيا وقتها لأشهد الحدث العظيم. ويوم حزنت لهزيمة فريق الزمالك للكرة في نهائي الكأس هون عليها بقوله: النجوم العملاقة نفسها تنفجر في ست ساعات في فورة جنونية متحولة الى نجم سوبر نوفا, فهوني عليك. احدثك عن الكرة يا رجل وليس عن الفضاء, فمتى تنداح الغمة؟ كان لزاما ان توقف طوفان جنونه. فشل الاهل والأصدقاء في التوسط والبحث عن حل وسط. وعندما يعدهم بالتوقف عن شراء الكتب الجديدة والاهتمام بأسرته يغالبه المرض ويعزف عن الطعام ويعي مستسلما في الفراش. تنظر الى تلال الكتب التي ملأت جدران الشقة وسدت الحركة فيها: ــ أي كتاب عبقري ستؤلفه غير عشرات الكتب هذه التي سبقوك اليها. يجيب بثقة وهدوء: ــ لا تصور محدد لديهم عن سكان الفضاء الاخرين. سيجيئون قريبا وسنذهب اليهم. انهم يخشون الحديث عن وجود كائنات غيرنا اكثر تقدما.. يجتاز المحنة, ويعود الى سيرته الاولى. تتدفق المياه في مجرى النيل من الجنوب الى الشمال في كل لحظة, وتمر في بلادنا سحابات الغلاء والفضائح والفساد, ولا يظهر كتابه المزعوم ولا يتقدم خطوة واحدة فيه. انصرف اصدقاؤه عنه, وبدا الاقارب يشعرون بالحرج في وجوده لاستغراقه الدائم في أفكاره, وشكا الصغير من عدم اهتمامه به. الغريب ان لعب الصغير التي يشتريها له اقتصرت على الطائرات وسفن الفضاء, وفي أوقات بشوره كان يدندن بمقطع واحد من اغنية ام كلثوم (اقبل الليل) (او اه يا ليل. طار بي سهري وسألتني النجوم عن خبري). تأخر البواب ذات مرة في احضار صحف الصباح فخرج عن هدوئه وصرخ فيه وسط دهشة الرجل. ــ فوضى.. استهتار.. كل شيء بحساب وفي موعده ياجاهل. تصور درجة حرارة الشمس 5800 درجة مئوية لو زادت نصف درجة لاحترقنا, ولو اقترب القمر قليلا لاشتد المد والجزر وغطت المياه القارات. وأخذ الرجل يتمتم بكلمات غير مفهومة وهو يستمع الى صراخه وعباراته بمسيرة الفهم في الاسابيع الاخيرة قبل ان تنفجر وتهرب بالصغير من جنونه اعترفت له. ــ لن احتمل المزيد, تخنقني رائحة الكتب التي تملأ الهواء. وعندما بدأ يتردد على مكتبات السفارات الاجنبية ويستعير كتبا بلغات لا يتقنها كالايطالية والاسبانية, ولم تعد تراه الا في السهرة حسمت امرها, وقررت القفز من سفينة مرتطمة بالصخور لا محالة. لم يستوعب ما يحدث, وبدا مصدوما. تعرف هيامه بها ومنذ سنوات الدراسة الاولى وحتى الان, ولكن يجب ان يبقى انف احدنا خارج الماء والا فسيضيع الجميع. اما الذي فشلت فيه حقا فهو انتزاع طفلهما من تخومه, فكان الطفل متعلقا به بشدة, وبدا الامر صعبا لكليهما وبدا الولد أشبه بأبيه عنها. متى امتلك حكمة سليمان ياصغيري لأبسط لك الموقف, وتمنع راحة الصفح. أخيرا دخلت الحمام حيث وجدوه ميتا. جاءت النهاية في الوضع الذي كان يألفه. لم يكن يحب الخروج, وفي أيام القيظ كانت يملأ البانيو بالماء ويتمدد فيه بالساعات احيانا, يضع على مائدة صغيرة خارج البانيو فنجان الشاي والمسجل والصحف, عندما تعد له فنجانا جديدا كانت تضبطه احيانا مستغرقا في النوم, وعندما تؤنبه يقول لها: كان تشرشل مغرما بالبقاء في هذا الوضع بالساعات الطوال.. رائحة العفن كان تملأ المكان. ترك الجيران الوضع كما هو, ولكن غطو الجثة العارية بملاءة. كان المكان غريبا اشبه بفيلم من أفلام الخيال العلمي. يضع على رأسه قبعة الصغير الذي نسيها في الشقة. زحفت الكتب الى الحمام. عشرات اقنية الزبادي الفارغة كانت منثورة على الارض في فوضى. خريطة كبيرة للمجموعة الشمسية تغطي جدار الحمام المقابل للبانيو بدت الخطوط والاشارات والنقاط داخل الخريطة غريبة. من اين حصل عليها؟ تميز المريخ والمشتري وقمرنا وكرتنا, لكن لم تتعرف على الأجسام الاخرى رفعت عينيها الى السقف قرأت صورة غريبة لكائن فضائي مقزز ازرق اللون مرسوم بامتداد السقف. مدت يدها الى المسجل اخرجت الشريط الذي كان يديره, كادت تبتسم (أقبل الليل) لام كلثوم وفنجان الشاي في موضعه مغطى بعفن في قاعه. رزمة من الاوراق بخط يده. فوق الغلاف خط كلمة واحدة (هناك) يبدو انه انجز حلمه المؤجل وبدأ في تأليف كتابه الموعود حاولت ان تخمن المقصود من عنوان كتابه (هناك)! غطت انفها جيدا. لملمت شجاعتها دفعت بمخاوفها وفعلتها. رفعت المرآة من فوق وجهه. لم تكن صفحة وجهه المنبسط المسالم التي الفتها. بدا وجهه متعبا ووجنتيه منكمشتين كأنه يتألم او يغالب اعلان المه. التقينا اخيرا, ولكن ستصير وحدك من جديد. سأنطوي على حسرتي وطفلنا. وسيبدو سقف الكون بعيدا, ابعد مما تخيلت ياصاحبي. يبدو ان القلب توقف فجأة وخاصة ان القلم كان طافيا فوق الماء بجواره. لا تعرف ما الذي حدث بالضبط, ولكن يده اليسرى الممدودة خارج البانيو نافرة من تحت الملاءة كشفت عن دبلتها الفضية كما تعود. ضاقت بك الدنيا, واتسع لك الخلاء اخيرا بعد موتك. اكنت أنت على حق, وأنا الم اختزن رصيد المدنية من البغاء والانانية. تفر منا لتتحرر. تنطلق من دائرتنا الضيقة وعالمنا المستغلق الى ملكوتك العلوي باحثا عن اجابات ويقين, محاولا ان تلمس سقف العالم. تضاءلت وانكمشت حتى خلت نفسها تندغم. شطرها شعور مركب من الحسرة والاسف ومدت يديها فاذ بها تقبض على الفراغ. الانسجام كان عنيفا, والدوامة التي جذبتها قاسية كانت, وعندما كانت تقترب بجسدها من الارض بصرختها المدوية تشبث بالمائدة الصغيرة التي تناثرت محتوياتها, وتوزعت الاوراق فوق مياه البانيو وفوق الارض, ولكن صفحة الغلاف سقطت فوق صدرها بعد ان ارتطمت بالارض مطلقة صرخة ذبيحة, وفي وسط الصفحة كان العنوان واضحا (هناك).