بيان (2): على مر العصور طرح الكتاب والفلاسفة والساسة ورجال الشارع على أنفسهم هذا السؤال: ما هي الدروس التي يمكن الاستفادة منها من نجاحات من سبقونا واخفاقاتهم في التعامل مع هذا الشيء الغامض والرهيب, الجميل والباطش, البديع والقاتل الذي اسمه السلطة؟ على الرغم من ان أدبيات تمتد على مدة ثلاثة آلاف عام قد عالجت ظاهرة السلطة, فإن الخيوط المعتادة تتكرر والأفكار تعاد ومع ذلك فإن بعض هذه الأعمال قد أصاب جوهر ظاهرة السلطة الملتف بالغموض. وكتاب (قواعد السلطة الثماني والأربعون) لروبرت جرين هو من بين المحاور المهمة في مسيرة المحاولات التي بذلت لحل أسرار هذه الظاهرة وفك مغاليقها, حيث يتعامل معها بجرأة إلى حد التصدي لنحو 48 قاعدة للتعامل معها. والمؤلف روبرت جرين دارس متخصص للأدبيات الكلاسيكية, عمل محررا لمجلات شهيرة مثل مجلة (اسكواير). وتحول بعد ذلك إلى كتابة الأعمال المسرحية, ويعيش الآن في مدينة لوس أنجلوس بالولايات المتحدة. لا ريب في ان احساس المرء بعدم امتلاكه لأي سلطة على الناس المحيطين به والاحداث التي تدور من حوله هو احساس لا يطاق البتة, اذ حينما يشعر احدنا بأنه انسان لا حول له ولا قوة فإنه لابد وان يكون بائساً لا احد منا تقريباً ليست لديه الرغبة في السلطة والنفوذ, بل ان الجميع يريدون المزيد منها غير ان ذلك لا يلغي ابداً حقيقة ان ظهور المرء في مظهر المتعطش جداً للسلطة في عالم اليوم سيكون امراً خطراً عليه, قبل اي انسان آخر, لهذا يؤكد اهل الاختصاص انه لابد للسعي وراء السلطة ان يكون جهداً تغطيه اللباقة وحسن الحيلة وقد يبتعد عن الوضوح بهذا القدر او ذاك وعلينا ان نظهر بمظهر الاعتدال والانصاف لكل ذلك نحتاج لأن نكون مهذبين رقيقين, متعاطفين لكن ماكرين, ديمقراطيين لكن مراوغين, حسبما يرى اهل الاختصاص اولئك, وليكن كلامنا خفيفاً عليهم. بهذه الكلمات يفتتح روبرت جرين كتابه قواعد السلطة الثماني والاربعون الماثل بين ايدينا واول ما يمكن ان يخطر ببال احدنا حين يقرأ هذا العنوان, هو انه انتاج جديد او سيناريو معدل لكتاب (الامير) الذي وضعه رائد علم التكتيك نيقولو مكيافيللي الايطالي لكن مثل هذا الزعم الاولي يضلل صاحبه صحيح ان جرين في طريقة تحريره لكتابه قد شابه مكيافيللي الا ان (قواعد السلطة الثماني والاربعون) يعتبر عملية تقطير متعمقة لثلاثة الاف عام من تاريخ السلطة والسعي وراءها. في كتابه هذا يقدم لنا جرين اساساً نظرياً وبحثاً علمياً دقيقاً في فلسفات مفكرين كبار, مثل مكيافيللي وصن تزو وكارل فون كلاوزفيتز ويغوص بنا في التركات الفكرية والسياسية لرجال دولة وعسكريين ودبلوماسيين وعرابين وافاقين ممن سيطر عليهم هاجس امتلاك السلطة, او مارسوها, او كانوا ضحايا لها. يد الحديد وقفاز المخمل لتوضيح هذه اللعبة من الازدواجية المستمرة, يقول جرين انها تشبه اكثر من اي شيء آخر حركية السلطة تلك التي كانت اساس عالم المؤامرات الذي ساد الاوساط الارستقراطية القديمة داخل البلاط فطوال التاريخ كان البلاط يتمحور حول الشخص الذي يمتلك السلطة سواء أكان ملكاً او ملكة او امبراطوراً او زعيماً. أما اعضاء البلاط الذين يسمون عادة بالحاشية فكانوا عادة في موقف حساس ودقيق, اذ من جانب كان عليهم طاعة ومداهنة سادتهم, ولكن من جانب آخر ان بدا ظاهراً انهم يفرطون في تملق هؤلاء السادة بهدف الحصول على الحظوة عندهم من دون الغير فإن باقي رجال الحاشية سيزعجهم ذلك, ويبدأون بحبك المؤامرات ضدهم. اذن فمحاولات اكتساب الحظوة عند السادة يجب ان تكتسي حلة كيسة ولطيفة بعيدة عن الفجاجة لكن حتى اولئك المداهنين الخبيرين في الحاشية يظلون مضطرين لحماية انفسهم من رفاقهم في البلاط الذين لابد وان يستمروا دائماً وابداً في التآمر عليهم للدفع بهم الى الهامش وابعادهم عن المركز الذي هو صاحب السلطة. وبالتزامن مع ذلك كان يفترض بالبلاط دوماً ان يمثل صفوة التمدن واللباقة فالعنف والتكتيكات المفضوحة كانت تثير استياء الآخرين وهكذا فإن على الحاشية ان تناور بصمت وتكتم ضد اي فرد فيها يلجأ لاستخدام القوة وبالتالي فإن هذه هي معضلة الحاشية: في الوقت الذي يتوجب على الفرد ان يبلغ اقصى درجات التأنق واللباقة, عليه ايضاً ان يبتز خصمه في الحصافة, وان يطيح به جانباً بأكثر الطرق نعومة. ليس هذا فحسب, بل ان على عضو الحاشية ان يتعلم, مع الوقت, اذا اراد النجاح في البقاء في البلاط, وقريباً من المركز, ان يقوم بكل تحركاته بشكل غير مباشر, اي اذا اراد ان يطعن خصما فعليه ان يفعل ذلك بيد تكتسي قفازاً مخملياً وبوجه ترتسم عليه ارق الابتسامات, وبدلاً من اللجوء للاكراه او الخيانة الساخرة, فإن رجل البطانة الناجح يوظف الاغراء والاغواء والخداع والسبل اللزجة ويخطط دوماً عدة خطوات مقدماً للأمام والخلاصة ان الحياة في البلاط كانت لعبة سرمدية لا نهاية لها تتطلب اليقظة الدائمة والتفكير التكتيكي البارع وبمعنى آخر كانت حرباً تكتسي ثوب التمدن. لا يتردد جرين في التأكيد على اننا اليوم نواجه مفارقة مشابهة لتلك التي واجهها اعضاء البلاط في اي مكان فاليوم كل شيء يجب ان يبدو متمدناً ولائقاً, ديمقراطياً, وجميلاً لكننا اذا التزمنا بهذه المتطلبات التزاماً قوياً من دون حياد عنها واتبعنا قواعدها حرفياً فسنجد أنفسنا وقد سحقتنا اقدام من حولنا ممن لم يتسموا بتلك الحماقة الشديدة مثلنا. ويستشهد جرين بقول نيقولو مكيافيللي, دبلوماسي النهضة الشهير الذي كان ايضاً من بين رواد القصور والمحيطين بالزعماء: (ان اي انسان يحاول ان يكون طيباً على الدوام محكوم عليه ان يكون مصيره الهلاك بين ذلك العدد الهائل من غير الخيرين لقد زعم البلاط في الماضي انه اوج الرقي والرفعة, لكن تحت ذلك السطح المتألق كان هناك مرجل من الدوافع السوداء, قوامها الطمع والحسد والشهوة والحقد, يجيش ويغلي. وفي المقابل يزعم عالمنا اليوم انه ذروة العدل, لكن الدوافع القبيحة ذاتها لا تزال تتحرك داخلنا, كما كانت ابداً اللعبة لا تزال هي عينها بشكل مباشر ويجب على المرء ان يبدو بمظهر من يحترم هذه الجماليات, لكن غير مباشر, وما لم يكن احمق, طبعاً, فإنه سيتعلم وبسرعة ان يكون حصيفاً, وان ينفذ نصيحة نابليون بأن يضع يده الحديدية دوماً داخل قفاز مخملي. شأن رواد قصور الماضي واذا تعلم هذا الاحد كيف يتقن فنون المواربة, وتعلم كيف يغوي ويفتن ويخدع ويتفوق في مناورته ناعمة الملمس على خصومه, فإنه سيتسنم اعلى درجات السلطة وحينها فقط يمكن للمرء ان يجعل الآخرين ينحنون امام رغباته من دون ان يعوا ما يفعل او يفعلون حقاً. واذا لم يعوا ذلك فإن احداً منهم لن يستاء او يقاوم. (قواعد السلطة الثماني والاربعون) كتاب محرر بطريقة فريدة فهو مطبوع باللونين الاحمر والاسود وقد اختار المؤلف اللون الاحمر, ليطبع به على هامش كل صفحة مقولات وقصصا واقوالاً مأثورة اختارها دليلاً او توضيحاً لكل فكرة من افكار كتابه وعلى سبيل المثال ولتوضيح ما ذكرناه فيما سبق يورد جرين على هامش الصفحة هذه الكلمات للورد تشيستر فيلد الذي عاش بين عامي 1694-1773: (ان البلاطات وهي بلاريب اماكن التأدب والتربية المهذبة حينما لا تكون كذلك, فإنها تصبح اماكن الذبح والخراب اذ ان من يبتسمون ويعانقون بعضهم تراهم وهم يتبادلون الطعنات ان لم يقف التهذيب حائلاً دون ذلك...). مظاهر اللعبة بعض الناس يعتبر ممارسة ألعاب السلطة عمداً امراً سيئاً وغير اجتماعي وعادة عفى عليها الزمن, ويعتقد هؤلاء انهم قادرون على تجنب هذه الألعاب بتبني سلوك لا علاقة له بالسلطة لكن النصيحة التي يقدمها جرين فيما يتعلق بمثل هؤلاء هي ان نحذر منهم, لأنهم لبرهة وفيما هم يعبرون صراحة عن مثل هذه الآراء, فإنهم يكونون على الأغلب من بين اكثر اللاعبين تعوداً على ممارسة العاب بسيطة ومثل هؤلاء يوظفون استراتيجيات تموه بذكاء طبيعة التلاعب الذي يمارسونه ومثل هذا النمط غالباً ما يعرضون على سبيل المثال ضعفهم وافتقارهم للسلطة وكأنها نوع من الفضيحة الاخلاقية لكن العوز الحقيقي للسلطة لا يقوم باستعراض ضعفه علناً لكسب التعاطف من دون ان يكون وراء ذلك دافع المصلحة الذاتية واستعراض المرء بضعفه هو فعلياً واستراتيجياً شديدة الفاعلية وتتمتع بالخداع والرقة في خضم لعبة السلطة وهذا ما يستفيض جرين في تفصيله حين حديثه عن قاعدته رقم 22 للسلطة الا وهي: تكتيك الاستسلام. ومن بين الاستراتيجيات الاخرى للمحجمين المزعومين عن اللعب المطالبة بالمساواة في كل ميدان من ميادين الحياة فالكل يجب ان يحصل على المعاملة ذاتها مهما كان موقعه وقوته لكن اذا حاول احدنا, بهدف تجنب الظهور بمظهر لاعب السلطة, ان يعامل الجميع بمساواة ومن دون تمييز فإنه سيواجه معضلة هي ان بعض الناس يقومون ببعض الامور على نحو افضل بكثير من الآخرين ومحاولة معاملة الجميع على السواء يعني تجاهل التباين بينهم ورفع من شأن الأقل مهارة وجور على اولئك الأكثر تميزاً وتفوقاً وهذا يعني مرة اخرى ان الكثيرين ممن يتصرفون على هذا النحو انما يكونون في الحقيقة يوظفون استراتيجيا اخرى من استراتيجيات السلطة الا وهي اعادة توزيع المكاسب على الناس بالطريقة التي يحددونها هم. مع ذلك فإن الشرف المطلق والاستقامة الكاملة في التعامل طريقة اخرى لتجنب لعبة السلطة باعتبار ان التقنيات الرئيسية التي يتبعها اللاهثون وراء السلطة هي الخداع والتكتم لكن ان يكون المرء شريفاً بالكامل يعني بشكل حتمي اغضاب واهانة العديدين الذين سيعمد بعضهم لتعمد ايذائه رداً على ذلك اذ ان لا احد سيرى في هذا التصرف الشريف موضوعية كاملة بعيدة كل البعد عن الدوافع الشخصية وهؤلاء سيكونون محقين في رأيهم اذ ان توظيف التعامل الشريف هو في واقع الامر احدى استراتيجيات السلطة, الهدف منها اقناع الناس بنبل ممارسها وطيبة قلبه وطبيعته الخالية من الأنانية, اي انها نوع من الاقناع او لنقل شكلاً رؤوماً من القوة الجبرية. واخيراً, قد يحاول من يزعمون انهم ليسوا من اللاعبين افتعال جو من البراءة يحيطون به انفسهم ليقيهم اتهام الآخرين بأنهم ساعون للسلطة لكن النصيحة التي يقدمها جرين لك هي ان تحذر هؤلاء ايضاً, لأن مظهر البراءة والطبيعة الفطرية قد تكون وسيلة فعالة من وسائل الخداع وهي الوسيلة التي يسترسل مؤلفنا في شرحها في الفصل الذي افرده للقاعدة 21 من قواعد السلطة وهي: اظهر اقل ذكاء مما أنت. وحتى الساذج الحقيقي ليس خالياً من شوائب الرغبة بالسلطة اذ ان الطفل قد يكون ساذجاً في نواح عديدة, لكنه غالباً يتصرف بدافع رغبة اساسية تحدوه لاكتساب نوع من السيطرة على الأشياء والأشخاص من حوله والطفل يعاني كثيراً لفقدانه الحيلة في عالم البالغين ويلجأ لكل وسيلة تعرض له ليحقق رغباته والاشخاص المتسمون بالبراءة حقاً قد يكونون يلعبون لعبة السلطة وغالباً ما يكونون كفوئين على نحو رهيب في هذه اللعبة باعتبار انهم لا يتعثرون بعقبة المقاومة التي يثيرها كون المرء لاعباً واضحاً اذن ضع نصب عينيك دوماً ان اصحاب عروض البراءة هم آخر البريئين في واقع الحال. يقول جرين انه يمكنك التعرف على هؤلاء الزاعمين عدم الرغبة باللعب من الطريقة التي يتشدقون بها بسماتهم الأخلاقية وورعهم واحساسهم المتميز بالعدالة. ولأننا كلنا من الراغبين بالسلطة ولأن كل افعالنا تقريباً موجهة نحو اكتسابها, فإن ما يفعله من يدعي عدم اللعب هو ذر الرماد في العيون للفت اذهاننا بعيداً عن ألعابهم عبر هالة التفوق الأخلاقي التي يبقونها حولهم لكن اذا ما راقبتهم عن قرب فسترى انهم غالباً الاكثر براعة في التلاعب غير المباشر حتى لو كان بعضهم يفعل ذلك عن غير وعي بفعله وهؤلاء يبدون ازدراء كبيراً للتكتيكات التي يمارسونها يومياً. فن أم علم؟ اذن ما دام العالم من حولنا هو بلاط عملاق للمؤامرات, وما دمنا متورطين فيه فعبثاً نحاول اعتزال اللعب وكل ما ستثمره مثل هذه المحاولة هو تجريدك من اي سلطة وعوز القوة سيجعلك بائساً لا مفر, وبدلاً من ان تصارع ضد ما هو حتمي وبدلاً من ان تجادل وتئن وتشعر بالذنب, من الأفضل لك ان تتفوق في مهارات اللعب. ليس هذا فحسب, بل كلما اتقنت التعامل مع السلطة, اصبحت صديقاً او عاشقاً او زوجاً افضل مما كنت. وبتطبيقك للقاعدة 24 التي يوردها تمرين في كتابه وهي ان تكون المجامل الكامل فإنك ستتعلم كيف تجعل الآخرين سعداء اكثر بأنفسهم وبالتالي تصبح مصدراً لسعادتهم حينها سيصحبون هم اكثر اعتماداً عليك ورغبة في وجودك وما يريده جرين من قارئه هو اتقان قواعده الثماني والأربعين ليوفر على الآخرين الآلام التي تنجم عن سوء اللعب بالسلطة اي ان يصبح قارئه قادراً على اللعب بالنار من دون ان يحرق اصابعه او اصابع الآخرين فإذا كانت لعبة السلطة امراً لا مفر منه فالأفضل ان يكون المرء متفنناً في هذه اللعبة بدلاً من ان يكون منكراً لها او متخطباً بها. في كتابه هذا يقدم لنا جرين 48 قاعدة يرى انها ضرورية حتى يتمكن المرء من امتلاك السلطة في محيطه وبالتالي فإن كتابه مقسم الى 48 فصلاً تسبقها المقدمة يستعرض فيها فصلاً بعد آخر قواعده هذه بالترتيب الذي وضعه هو لها واحدة بعد الاخرى وكل فصل معنون بالقاعدة نفسها وضمن كل فصل وضع جرين مخططاً تحريرياً يتكرر مع كل قاعدة اخرى. يبدأ هذا المخطط بصيغة القاعدة يتلوها نص صغير من عدة جمل يلخص مضمونها, بعد ذلك تأتي فقرة (خرق القاعدة) والتي يضرب فيها المؤلف مثالاً تاريخياً عن ابرز من لم يهدهم تفكيرهم للالتزام بهذه القاعدة تحديداً والثمن الذي دفعوه لذلك وتحت هذا العنوان هناك عنوان فرعي آخر هو التفسير والذي يورد تحته المؤلف تفسيره للظروف التي احاطت بهذا المثال التاريخي والتفاصيل العلمية لحيثيات النتيجة بشكل يجعل القارئ قادراً على استيعاب الحالي. وبعد هذا المثال السلبي يأتي دور الفقرة التالية في المخطط الا وهي (الالتزام بالقاعدة) والتي يورد فيها الكاتب مثالاً تاريخياً لكن حول شخصية التزمت بهذه القاعدة وما الذي عاد به هذا الالتزام على صاحبه من نفوذ وشأن الفقرة الاولى يتلو العرض التاريخي للمثال التفسير الذي يقدمه المؤلف للحالة. اما الجزء التالي في المخطط الذي تكرر في كل فصل فهو (مفاتيح السلطة) والذي يتوجه في الكاتب ليخاطب القارئ مباشرة وكأنه محاضر في قاعة درس اكاديمية ليعطيه نصائحه حول كيفية تطبيق هذه القاعدة ويشير اليه بالبنان مباشرة الى المطبات التي يجب عليه الانتباه اليها ليزيل عن القارئ اي لبس قد يكون عرض له نتيجة حماسه للقاعدة او قصور فهمه عما ورد في المثالين الايجابي والسلبي ويختم الكاتب هذه الفقرة دوماً بنص قصير من جملتين او ثلاث يرسم له فيها صورة تختصر بشكل رمزي فحوى القاعدة بشكل يفهمه اللبيب. اما ختام مخطط كل فصل فهو فقرة (الاستثناء) وفيها يعرض المؤلف الحالات التي يجب او يفضل او يمكن عدم الالتزام بهذه القاعدة التي خصص الفصل لها ويشرح للقارئ الأسباب التي توجب أو تتيح تجاوزها. وبطبيعة الحال, يؤكد جرين على ان لعبة السلطة تتطلب طريقة خاصة في النظر الى العالم, او تحويلاً للمناظير التي نرى فيها هذا العالم. والامر يحتاج الى سنوات من الممارسة والمحاولة لأن معظم هذه اللعبة قد لا يسير سيراً عفوياً ومن يريد الاتقان يحتاج لمهارات اساسية وما ان يتقن هذه المهارات يصبح حينها اقدر على تطبيق قواعد السلطة بسلاسة اكثر. احذر الغضب اهم هذه المهارات والأساس الحاسم لها هو المقدرة على ضبط العواطف اذ ان التعامل العاطفي مع اي حالة راهنة هو الحاجز الفرد الاكبر امام امتلاك السلطة وهو الخطأ الذي سيكلف المرء قطعاً ثمناً باهظاً واكبر بكثير من اي مكسب قد يحققه عبر ارضاء مؤقت لنفسه بالافصاح عن مشاعره ان العواطف تجمع الغيوم في سماء العقل وان لم يتمكن المرء من النظر الى الحالة في جو صاف, لن يتمكن من الاستعداد لها وان يرد عليها بأي درجة من التحكم والسيطرة على الوضع. ومن بين العواطف المسببة للضعف التي يعرضها جرين في (القواعد الثماني والأربعين للسلطة) يشدد على أن الغضب هو اكثر الاستجابات الهدامة التي يرد بها الانسان على حالته التي هو فيها لأن الغضب هو اكثر الغيوم التي تعكر صفو الرؤية قتامة هذا اضافة الى انه يقلل من سيطرة الانسان على حالته لأنه ببساطة يزيد من اصرار خصمه على التمسك بموقفه والتشدد واذا ما اردت ان تدمر عدوك فالأفضل لك ان تجرده من احترازه عبر تظاهرك بالود بدلاً من اظهارك لغضبك. والسلطة تحتاج للأقنعة ايضاً للتلاعب بالمظهر فاحرص على تعلم كيف ترتدي اكبر عدد ممكن من هذه الاقنعة وان تبقى بحوزتك كيساً مليئاً بها يصحبك اينما ذهبت, والكلام للمؤلف طبعاً الذي يقول ان الخداع والأقنعة يجب الا ننظر لها بازدراء وكأنها شيء لا أخلاقي او قبيح اذ ان كل التفاعلات بين البشر تحتاج قدراً من الخداع يزيد او ينقص حسب الحلة, وفي بعض الاحوال تكون مقدرتنا على الكذب والخداع هي, يفرق بيننا كبشر والحيوانات ولنتذكر انه في كل اساطير الاغريق وابيات مهابهاراتا الهند ملحمة وجلجامش التي انتجها سكان سواحل المتوسط الشرقية كانت اهم ميزات الارباب والربات هي مقدرتهم على توظيف فنون الحيل فالخداع هو فن متطور جداً من فنون التمدن واكثر اسلحة لعبة السلطة مضاء. واذا ما كان الخداع هو امضى سلاح فإن الصبر هو اقسى درع تحتمي به ايضاً اذ ان الصبر هو صمام الأمان الذي يمنعك من ارتكاب اي حماقة وشأن السيطرة على العواطف فإن الصبر ايضاً هو مهارة تأتي بالتدريب والتمرين فالأمر في نهاية لعبة تحتاج للاتقان. ان نصف امتلاكك لزمام السلطة يأتي نتاجاً لما تفعله ومالا تسمح لنفسك بالانجرار لفعله وللامساك بناصية هذه المهارة, يطلب جرين من قارئه ان يتعلم كيف يحكم على الأمور وفق ما ستكلفه ولا يجد اوضح من مقولة لنيتشه لتبيان هذه النقطة وفيها يقول: (ان قيمة الأشياء تكمن احياناً لا فيما نحقق بامتلاكها, بل فيما ندفعه لامتلاكها في تكلفتها علينا). والسلطة في نهاية الامر هي لعبة اجتماعية اذاً لنتعلمها ونتقنها لابد من امتلاك المقدرة على دراسة وفهم الناس, كما يقول المفكر وربيب القصور في القرن السابع عشر بالتزار جراسيان: (الكثير من الناس يمضي وقته في دراسة صفات الحيوان والنبات, كم هو اهم يا ترى ان ندرس اولئك الناس الذين لابد ان نعيش معهم وتموت بينهم!) اذاً لتكون لاعب سلطة محترفاً مطلوب منك ان تصبح خبيراً نفسانياً قادراً على التعرف على دوافع البشر ونفض الغبار الذي يخفي تحته طبيعة افعالهم. روبرت جرين يريد من قارئه ان يجعل (قواعد السلطة الثماني والاربعون) دليلاً ارشادياً له في فنون المواربة وقواعده التي اوردها فيه تضرب جذورها في كتابات رجالات درسوا لعبة السلطة وكانوا ائمة لها في زمانهم وعلى الرغم من امتداد هذه الكتابات التي ينهل منها الكتاب على ثلاثة آلاف سنة ومن اقصى الشرق الى اقصى الغرب هناك خيط ناظم لها يشكل محور الصورة العامة لجوهر السلطة التي لم يسبق لعمل آخر ان احاط بها بهذا التخصص عمقاً وشمولاً مثل كتابنا هذا. ولاخراج كتابه الى النور قطر جرين الارث الفكري والثقافي والسياسي والعسكري وغيره الذي تركه استراتيجيون مثل صن تزو او كلاوزفيتز ورجال دولة مثل بسمارك وتاليران وبطانة ملوك مثل كاستيليوني وجراسيان واعلام الاغواء مثل نينون دولنكلو وكازانوفا. والجميل في هذا الكتاب هو امكانية الدخول اليه من اي فصل اردت اذ ليس من الضروري البدء بالفصل الاول ثم التالي وهكذا اذ ان كل فصل لايمت لسابقه او لاحقه الا في انه جزء من منظومة يمكن التعرف على اي فرد من افرادها بأي ترتيب ولمجرد التسلية وليس الدرس. وفي مقابل هذه الميزة, يحذر جرين اولئك الذين يستخدمون هذا الكتاب لهذا الغرض الاخير: اذ قد يكون من الافضل لهم الاحجام عن الاقدام على قراءته حسب قوله اذ ان السلطة هي ذاتها موضوع خداع ومغو بطريقته الخاصة انها كالمتاهة التي تستغرق ذهن المرء في حل عقدها التي لا نهاية لها, لتعي وبسرعة كم هو ضياع لذيذ ذلك الذي علقت في متاهته وبمعنى آخر لن يكون مثل هذا الموضوع ممتعاً, الا اذا اخذه متذوقه مأخذ الجد. متى تزداد تألقاً؟ اولى القواعد التي يوردها جرين في كتابه هي: (لا تتألق اكثر من رئيسك) وخلاصة الحكمة في هذه القاعدة هي كما يذكرها المؤلف كالآتي: (دائماً اجعل اولئك الذين يعلونك في سلم السلطة يشعرون بأرضية هذا التفوق وفي سياق تنفيذ رغبتك باسعادهم وترك انطباع طيب لديهم, لا تشتط في استعراض مواهبك والا فإنك ستبوء بالعكس اي ان تبث فيهم الخوف وعدم الاطمئنان من جانبك اجعل رؤساءك دوماً يبدون اذكى مما هم عليه لتحقق اعلى درجات السلطة). وفي مثاله على خرق هذه القاعدة يورد جرين قصة نيكولا فوكيه وزير مالية لويس الرابع عشر ملك فرنسا في سنوات حكمه الاولى وفوكيه هذا كان رجلاً مبذراً, يعشق الحفلات الباذخة والنساء الجميلات والشعر كما كان يحب المال ايضاً لأنه يمكنه من اشباع رغباته هذه وبلغ قرب فوكيه من لويس الرابع عشر حداً جعله يتوقع انه سيصبح رئيساً للوزراء بعد وفاة جول مازاران عام 1661 لكن بدلاً من ذلك قام الملك بالغاء منصب رئيس الوزراء نهائياً. هذه الخطوة وغيرها من المؤشرات دفعت فوكيه للشك بأنه يفقد حظوته عند الملك ما هو الحل اذن؟ كان الحل الذي ارتآه فوكيه هو اقامة حفلة على شرف لويس الرابع عشر لم يشهد العالم بأسره مثيلا لها وبلغ من بذخ تلك الحفلة ان فوكيه حرص على دعوة اشهر مفكري اوروبا اليها بل ان موليير كتب مسرحية خاصة بهذه الحفلة التي انتهت بعرض مسرحي قدمه مع فرقته امام الملك والمناسبة التي اختارها فوكيه ذريعة لهذه الحفلة هي افتتاح قصره الجديد الذي كان قد انتهى من بنائه. لكن ماذا كانت النتيجة يا ترى؟ في اليوم التالي توجه حراس لويس الرابع عشر لاعتقال فوكيه, قبل تقديمه للمحاكمة بتهمة الاختلاس, ثم ادانته وارساله الى اكثر سجون فرنسا وحشة في اعالي جبال البيرينيه, ليمضي فيه السنوات العشرين الاخيرة التي تبقت من عمره. وفي تفسيره لهذا المثال يقول جرين ان لويس الرابع عشر هو ملك وابن ملك ورجل فخور ومتغطرس جداً يريد ان يكون المركز الذي تنشد له الاذهان دوماً ولم يكن مثل هذا الشخص ليقبل بأن يتفوق عليه رجل آخر بالبذخ, خصوصاً اذا كان هذا الشخص وزيراً في بلاطه الامر الذي جعله يشعر بعدم الاطمئنان, وبالتالي يقرر التخلص من مصدر القلق هذا. وفي المقابل, يورد جرين العالم الفلكي الايطالي جاليليو جاليلي مثالاً للالتزام بهذه القاعدة ففي اوائل العقد الاول من القرن السابع عشر وجد الفلكي والرياضي الشهير نفسه في موقف حرج فهو يعتمد على كرم الحكام لدعم ابحاثه, وهذا شأن علماء بقية على النهضة كان يعطي شرف اكتشافاته واختراعاته احياناً لرعاته وعلى سبيل المثال اهدى بوصلة عسكرية ابتكرها الى دوق كونزاجا ثم اهدى كتاباً ألفه حول استخدام البوصلة الى آل ميديتشي. وكان الطرفان ممتنين له وهكذا استمر جاليليو في العثور على طلاب يعلمهم ومهما كان اكتشافه عظيماً كان العطية دوماً عبارة عن هدايا وليس نقداً وهذا ما جعل حياته في حالة دائمة من عدم الاستقرار والاعتماد على الغير فكيف استطاع تغيير ذلك؟ الحل كان في استراتيجية جديدة بدأ جاليليو تطبيقها عام 1610 حينما اكتشف اقمار المشتري اذ بدلاً من توزيع شرف اكتشافه بين رعاته, اي اعطاء تلسكوب لزيد وكتاب لعمر وهكذا, قرر ان يركز بشكل كامل على آل مديتشي واختار هذه العائلة الحاكمة لسبب بسيط ان مؤسسها كان قد اختار المشتري رمزاً لعائلته. وهكذا حول جاليليو اكتشافه هذا إلى حدث عالمي يشرف عظمة مديتشي وبعد اكتشافه هذا مباشرة اعلن على الملأ ان (النجوم اللامعة (اقمار المشتري) قد عرضت نفسها في السماء امام تلسكوبه في وقت تتويج كوزيمو الثاني الذي كان كبير العائلة حينها وان الاقمار الاربعة تمثل كوزيمو الثاني وابناءه الثلاثة وان هذه الاقمار الاربعة تدور حول المشتري وهو كوزيمو الاول مؤسس العائلة وفجأة اصبحت السماء وكأنها تحب آل ميديتشي, على نحو يتجاوز المصادفة البسيطة. وفي العام نفسه اصبح جاليليو الفيلسوف الرسمي لبلاط كوزيمو الثاني وعالم الرياضيات المعتمد فيه بمرتب كامل, جار, لا يتوقف وبالنسبة لعالم كان ذلك بمثابة انقلاب كبير, غير مسبوق فقد انتهت ايام الوقوف بباب الراعي طلباً للمال. بعد ذلك يسهب جرين في تفصيله للتكتيكات والضوابط المتبعة في سياق الالتزام بهذه القاعدة لينتهي الى صورة مأخوذة من الادب العالمي تلخص الفكرة الرئيسية وفيها: (النجوم في السماء. لا يمكن ان تكون هناك سوى شمس واحدة في كل وقت لا تحاول التعتيم على ضوء الشمس والا ستصبح منافساً للمعانها؟ بدلاً من ذلك اخب في السماء واعثر على طريقة لتعزيز كثافة نجم الرئيس). اما الاستثناءات لهذه القاعدة فموجودة يقول جرين: اذا كان رئيسك نجماً يهوي: فلا تخش ان تتألق اكثر منه! ولا تكن رحيماً معه فرئيسك لم يكن كذلك وهو يرتقي سلم السلطة! حجم قوته! اذا كان ضعيفاً فعجل بسقوطه من دون هوادة بزه وتفوق عليه وادفع به الى الهامش في كل مناسبة.