بيان (2): دأب العلماء في مختلف انحاء العالم منذ قرابة القرن على استخدام مخلوق صغير لتثوير معرفتنا بعلم الوراثة. لقد درست ذبابة الفاكهة, التي يعتبرها العديد من المزارعين حشرة مضيفة, في مئات المختبرات وهي الآن تساعد في ابحاث عن امراض متنوعة من السرطان حتى داء الزهايمر. ولم تحظ ذبابة الفاكهة ابداً بالاهتمام الذي تستحقه عن دورها الكبير في الابحاث العلمية. وحتى نشر مجمل بيانات جينوم الذبابة في شهر مارس الماضي, فإنه لم يلق اهتماماً كبيراً من قبل عامة الناس. وعن ذلك الانجاز يقول توماس كورنبرج عالم الاحياء في جامعة كاليفورنيا الذي تخصص في دراسة تطور ذبابة الفاكهة المعروفة علمياً باسم ( دروسوفيلا ميلانوجاستر): (ان فك شيفرة مورثات ذبابة الفاكهة يمثل نهاية عقد من البحث في علم الجينات ويعلن عن ولادة مرحلة جديدة من الاستكشاف والبحث). والان يستخدم العلماء في انحاء العالم بيانات جينوم ذبابة دروسوفيلا لدراسة كيفية تموت الخلايا وكيفية تتطور الاعصاب بطريقة تتيح لها نقل المعلومات وكيف تبدأ وتطور الاورام السرطانية وكيف يتم اصلاح سلاسل الـ (د.ن.أ) داخل الخلايا. وتتميز ذبابة الفاكهة التي لا يتجاوز طولها بضعة ملليمترات بعينين عملاقتين حمراوين بحجم رأسها تقريباً. ولها ثلاثة ازواج من الارجل ودرع دقيق من الكيتين (مادة قرنية) يغطي جسمها وزوج من الاجنحة الشفافة الملونة. ورغم كونها كائناً معقداً نسبياً, فانها تعيش حياة قصيرة ومملة, تبدأ عندما تضع الانثى بيوضها على سطح فاكهة فاسدة. وبعد يوم واحد تفقس هذه البيوض منتجة يرقات بالغة الصغر تنمو بسرعة متغذية على كائنات الخميرة والفطريات التي تنمو في الفاكهة. وتطرح اليرقة إهابها لتصبح خادرة ثم يتغير جسمها جذرياً وينمو لها جناحان, وبعد ذلك تستهل الذبابة حياة هوائية وجيزة. وتكسو جسمها صفوف حساسة من الشعر الذي تستخدمه لاستكشاف اي شيء على تماس معها من تيار الهواء الى جزيئات الخميرة. وتسعى الدروسوفيلا بكل ما اوتيت من طاقة وراء الطعام والجنس قبل ان تموت في غضون بضعة ايام فقط. وهناك ثلاثة اسباب رئيسية تجعل ذبابة الفاكهة مفيدة للغاية للعلماء, اولاً انها صغيرة الحجم بحيث يمكن حفظ الآلاف منها في انبوب واحد يوضع الغذاء في قعره وتغلق فوهته بقطعة قطن. وثانياً انها تتكاثر بسرعة لان متوسط حياتها لا يتعدى الاسبوعين. ثالثاً ان ذبابة الفاكهة خضعت لدراسات كثيرة جداً من سنين طويلة لدرجة ان تفاصيل المعلومات المتوفرة عنها يمكن ان تملأ عدة موسوعات. وهذا الكم الهائل من المعلومات والمعرفة يعطي العلماء انطلاقة مريحة وقوية في اي بحث جديد. ظلت ذبابة دروسوفيلا منذ اوائل القرن الماضي الاداة الرئيسية للدراسات العلمية التي تبحث في كيفية تشفير تفاصيل مظهر وشخصية كل كائن حي على وجه الخليقة داخل جيناته. ويوجد في جسم ذبابة الفاكهة 13601 جينة في حين يتراوح عدد جينات الانسان بين 80 الف و100 الف جينة لكن 60 بالمئة على الاقل من جينات الذبابة يمكن ان توجد ايضاً في البشر بما في ذلك الجينات المتعلقة بالحالات الطبية مثل امراض الكلى والسرطان وداء الزهايمر. ومالا يقل عن 70 بالمئة من الجينات البشرية المسببة للسرطان يمكن ان توجد ايضاً في ذباب الفاكهة. ومع ان بعض جيناتنا المتعلقة بمرض الزهايمر وداء باركنسون موجودة ايضاً في الدروسوفيلا الا ان هذه الذبابة لا تعاني من المرض. ويأمل العلماء انهم اذا استطاعوا فهم سبب ذلك, قد يتمكنوا من مساعدة الاشخاص الذين يعانون من الامراض المستعصية. وحتى الاختلافات بين البشر وذباب الفاكهة تساعد الباحثين ايضاً. فعلى سبيل المثال ان ذبابة الفاكهة ليست لها رئتان وهي تستعيض عنهما بامتصاص الاكسجين عبر ثقوب في جسمها. وقد طورت الذبابة الصغيرة نوعاً خاصاً من الهيموجلوبين غير معرض للاصابة بالعديد من الامراض التي تصيب البشر. ويأمل العلماء انهم بتحديد سبب تمتع هيموجلوبين ذبابة الفاكهة بهذه المرونة والقدرة على التكيف, قد يتوصلون الى اكتشاف سبب انتقال اضطرابات الدم بالوراثة الى بعض الاشخاص. ويأمل علماء آخرون باستخدام ذبابة الفاكهة لفتح اقفال الباب المؤدي الى قلب المرأة. فالدكتور ستيفن جودوين, عالم الوراثة في جامعة جلاسجو عكف على دراسة انماط واساليب التودد والتلاطف عند هذا النوع من الذباب, املاً في تحديد العوامل التي تحدث القبول او الرفض عند الانثى. حيث يقول جودوين: رغم الاختلاف الكبير بين البشر والذباب, فقد اثبتت الابحاث وجود تشابه جيني بين الانسان والكائنات البسيطة. ونحن ندرس ذباب الفاكهة املاً في ان نفهم سلوكه الجنسي والجينات المسئولة عن جذب الجنسين الى بعضهما. وربما نستطيع ان نقدر هذه النتائج استقرائياً لنسحب بعض جوانبها على الكائنات الاكثر تطوراً وحتى البشر.