بيان (2): المبنى الرخامي البني الضخم المقام على ربوة صناعية, والمحاط بالنافورات والأعمدة, يشبه القلعة التي تشرف على الغابات المحيطة. وما هذا سوى إحدى منشآت المجمع الإداري الجديد الواقع على بعد 80 كلم شمال ، العاصمة الماليزية كوالا لمبور, الذي سيأوي الإدارات الحكومية المختلفة, والذي يمثل درة تاج مدينة المستقبل التي تعكس طموحات هذه الدولة الآسيوية ذات العشرين مليون نسمة. وبالقرب من المجمع تبرز هضبة مخصصة للجيش بمختلف فروعه, وأمامها لافتة تقول (مرحبا برئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد). وعلى مسافة غير بعيدة, يقبع مسجد ضخم بني على الطراز الفارسي المغولي, في مواجهة المنطقة السكنية المخصصة لسكن الموظفين والدبلوماسيين وكبار رجال الدولة. فيما تضفي البحيرة المحاطة بأشجار جوز الهند لمسة جمالية راقية على الموقع الجديد, في تناقض مع منظر الرافعات وأجهزة الحفر التي لا تكف عن إصدار أصوات مزعجة. برغم كل هذه المظاهر, مازالت (بوتراجايا) عاصمة جديدة على الورق, بعدما قرر رئيس الوزراء الماليزي العام الماضي نقل مقر إدارته إلى هذه المدينة في إشارة (متعمدة) تؤكد أن ماليزيا قد أدارت ظهرها للماضي ممثلا في العاصمة القديمة كوالا لمبور التي تذكر هذا الشعب الطموح بعهد الاستعمار البريطاني. بوتراجايا ليست مجرد مشروع معماري جريء يذكرنا بالعاصمة البرازيلية الفريدة برازيليا, وليست مجرد حلم وردي تبناه شخص واحد ذو حيثية وسلطة مطلقة اسمه د. داتوسك سري مهاتير بن محمد (رئيس الوزراء) الذي يصفه بعض النقاد بأنه نسخة آسيوية من ديكتاتور رومانيا الراحل نيكولاي شاوشيسكو. في الحقيقة, بناء عاصمة إدارية جديدة في ماليزيا هو جزء من مشروع أوسع يتضمن إقامة ما أُطلق عليه رواق الملتميديا Multimedia Corridor, مدينة صناعية حديثة تسمى سايبرجايا Cyberjaya تستهدف استقطاب أبرز شركات التكنولوجيا في العالم. ويضم المشروع أيضا مطارا جديدا على أحدث طراز, وأبراج كوالالمبور الشهيرة. وأهم ــ بل ربما وأطرف ــ ما في الموضوع هو ان هذه العاصمة المستقبلية التي أنشئت من لا شيء في قلب الأدغال, هي نتيجة ملموسة للخطة التي وضعها مهاتير محمد بعناية ومهارة لتحويل ماليزيا إلى دولة متقدمة بحلول 2020 مراهنا على الثورة الاتصالية. ويرتبط بهذا الرهان (المصيري) حقيقة تكرست على مدى الأعوام العشرين الماضية, ألا وهي أن هذا البلد الآسيوي (أحد نمور جنوب شرق آسيا) يعتمد بشدة على البعد الصناعي. وهذا البعد يعتمد بدوره على الاستثمارات الأجنبية التي تستفيد من أجور العمالة المنخفضة ومزايا الإعفاءات الضريبية المغرية. أما الهدف المعلن من قبل السلطات الماليزية فيتمثل في جعل المدينة الجديدة مركزا لنوع جديد من الإدارة الحكومية. إذ تم تدريب موظفي الدولة على العمل في مكاتب حديثة بدون أوراق وملفات, كما أقيمت المجمعات الرياضية والمراكز الثقافية لراحة ورفاهية الصفوة. وسينتهي العمل قريبا في المراكز التجارية لكي تكتمل صورة العاصمة الحديثة المعتمدة على ذاتها, الخالية من مشكلات الارتباك المروري الذي هو سمة مميزة للحياة في كوالا لمبور. ويركز خصوم رئيس الوزراء الماليزي -وما أكثرهم- على انتقاد طموحه الزائد والتسرع في بناء العاصمة الجديدة, زاعمين أن مبانيها قد تتعرض لخطر التهدم متأثرة بالرطوبة المرتفعة في الغابات الاستوائية. والمؤكد أن د. مهاتير ــ المعروف بعناده ومثابرته ــ يعتبر نجاح المشروعين الحضاريين, بوتراجايا وسايبرجايا, تحديا شخصيا عليه أن يحسمه. وعن ذلك يقول أحد الدبلوماسيين الغربيين في ماليزيا (لا شك أن مهاتير مقتنع بأهمية أن يضع بلاده على أولى درجات المستقبل قبل أن يترك السلطة. وهو يراهن في خطاه السريعة على أن خليفته لن يستطيع إلا ان يستكمل ما بدأه هو). وفي جميع خطبه العامة وحواراته الصحفية, يصر الزعيم الماليزي (الطبيب الذي يبلغ من العمر الآن 74 عاما بعد 20 عاما قضاها في السلطة) على أن من الضروري لبلاده التقدم إلى الأمام, مهما كانت التكلفة. حتى لو كانت المشروعات الأخرى التي تتبناها الدول الآسيوية المجاورة تشكل منافسا صعبا لمشروعاته التكنولوجية مثل سايبرجايا. ويستطرد الدبلوماسي الغربي موضحا (مهاتير يعلم أن سنغافورة وتايلاند وحتى الهند تسعى جاهدة لكسب الريادة الإقليمية في مجال تكنولوجيا الاتصالات. ومن ثم يفعل هذا السياسي المخضرم كل ما بوسعه لإبقاء ماليزيا في المقدمة, حتى وإن كان ذلك على حساب الغالبية الريفية من الشعب التي لا تهتم بأي شيء في الدنيا أكثر من اهتمامها بمحصول الأرز في العام المقبل). ومع ذلك يبدو الماليزيون الريفيون ــ من سكان الـ (كامبونج) أو الأحياء الشعبية الصغيرة ــ مستمتعين بزيارة عاصمة المستقبل, التي يتوجهون إليها غالبا في جماعات ليلتقطوا الصور التذكارية أمام المسجد الكبير أو قبالة المقر الجديد لرئيس الوزراء. لكن الإعجاب لا يعني دائما التأييد. ففي الانتخابات التشريعية الأخيرة, بعث الناخبون الماليزيون برسالة واضحة إلى رئيس الحكومة عبر التصويت لعدد أكبر من المتوقع من مرشحي الحزب الإسلامي PAS الذي تتنافى شعاراته بحدة مع طموحات وأفكار مهاتير التكنولوجية والانفتاحية. وبفضل هؤلاء الناخبين, أصبح الحزب الإسلامي القوة المعارضة الرئيسية داخل البرلمان الماليزي التي تكتسب ــ يوما بعد آخر ــ دعما هادئا من قبل الملايين الذين يشعرون بمرارة إزاء الثراء المفاجئ الذي أصاب أصدقاء وأقارب رئيس الوزراء. يقول المحلل السياسي الماليزي البارز عبد الرزاق باغيندا (لقد أصيب هذا البلد مؤخرا بنوع من الانقسامات الاجتماعية الخطيرة. فمن جهة, تزدهر أوضاع الأشخاص الأفضل تعليما في مجال تكنولوجيا الاتصالات. ومن جهة أخرى, يشعر العديد من الفلاحين في الحقول والقرى بالاضطراب والانخداع وبالحاجة إلى رسالة سياسية بسيطة تناسب ظروفهم. وفي كل يوم يضرب مهاتير معولا جديدا في لحده. فكلما ركز رئيس الوزراء على تنبيه الناس لأهمية العالم الحديث ومتطلباته التكنولوجية, كلما زاد قلق الناخبين التقليديين وزاد إقبالهم على الحزب الإسلامي الذي يبرع في تصوير نفسه باعتباره حامي حمى القيم والعادات الماليزية).