بيان (2): بغداد ــ (البيان): قديما, قيل في البصرة (يمشي الفقير وسمكته معه), وهذا يعني ان من لم يكن يتمكن من تدبير قوت يومه يمكنه اللجوء الى البحر او الانهار والحصول على طعام يسد به رمق نفسه ، وعياله .. كان السمك كثيرا جدا الى حد استخدامه سماداً للحدائق, وكانت اسعاره مناسبة للفقير حتى لو اراد شراءه, والدليل على ذلك طقس يوم الجمعة الذي اعتادت عوائل الجنوب والوسط على ممارسته باقامة غداء من السمك المشوي او المقلي او (المطبك) على (الرز) حتى ولو كان رب العائلة موظفا او كاسبا. والآن .. ما الذي حدث للسمكة العزيزة: هل تكبرت على عشاقها فبدأت تكويهم بنار الشوق لطعمها اللذيذ, وقد تدمع أعينهم ويسيل لعابهم توقا لالتهام لحمها الابيض المثير؟ الامر ليس بيدها بالتأكيد, بل تداخلت اسباب عديدة, لتصبح السمكة حلم الفقير, والمادة الاغلى على مائدة الغني .. لكي نصل الى تلك الاسباب سنضطر الى تلقف خيط البداية في الحديث عن الثورة السمكية في العراق وسيقودنا التحقيق بالنتيجة الى ما آلت اليه تلك الثورة, وماذا يهدد كيانها؟ لقاؤنا الاول كان مع واحد من عشق السمك القدماء, ليس لطعمه او للأكلات المصنوعة منه, بل لانه يمثل اختصاصه العلمي في كلية الزراعة, ومادة عمله في مكتبه الزراعي ووظيفته كاستشاري في حقول الاسماك الكبرى في الاسحاقي .. يقول الدكتور (باسم جمعة العاني) عن الثروة السمكية في العراق: ــ العراق بلد النهرين الخالدين يعتبر من اغنى بلدان العالم بمصادر الثروة المائية من الناحيتين الكمية والنوعية, فهناك المياه العذبة متمثلة بالنهرين دجلة والفرات, وروافد ديالي والزاب الكبير والزاب الصغير والعظيم, وهناك العشرات من المشاريع الاروائية التي تشكل مصار كبيرة لانتشار وتوزيع المياه, اضافة الى البحيرات الطبيعية مثل الثرثار, الحبانية, الرزازه, والسدود مثل سد صدام, وسد القادسية, حمرين, دوكان, ودربندخان .. وهناك ايضا مصادر اخرى لها اهمية اقتصادية مثل نهر القائد وشبكة البزل في القطر .. أما موقع العراق على رأس الخليج العربي فقد اعطاه مصادر بحرية ذات اهمية اقتصادية كبيرة .. تضاف الى كل ذلك مزارع تربية الاسماك المنتشرة في عموم القطر .. اي ان العراق يعتبر بثروته المائية الهائلة مصدرا خصبا لتنمية واستثمار الاسماك بجميع اصنافها من بحرية ونهرية, والتربية الاصطناعية ايضا, وغير ذلك. *فهل يتم استغلالها على الوجه الاكمل؟ ــ بل ان واقع الحال لكفاءة استغلال هذه الثروة المائية وتسخيرها لانتاج الثروة السمكية مازالت دون الطموح بشكل كبير, خاصة وان جميع الانتاج الحالي السنوي الذي لا يتعدى في احسن الاحوال 25 ــ 30 الف طن لا يشكل سوى نسبة ضئيلة من الاحتياطي الموجود في المياه الاقليمية الداخلية. * كيف يتم صيد الاسماك التي يعتمد عليها الانتاج المحلي؟ ــ باسلوب جائر, وخاصة في موسم التكاثر, وخير شاهد على ذلك تواجد الاسماك الكبيرة, (القادمة للتكاثر) في الاسواق, وبشكل ملفت للنظر, وخاصة في الآونة الاخيرة. * ومزارع الاسماك, الا يدعم انتاجها السوق المحلية؟ ــ الانتاج المتأتي من مزارع الاسماك لا يشكل اكثر من 3 ــ 4 أطنان سنويا, وقد شهدت الاسواق اخيرا احجاما معروضة للبيع لا يتجاوز وزنها الـ 300 جرام, وهذا يعتبر هدرا اقتصاديا كبيرا, واسباب ذلك تعود الى فقدان السيطرة على اقتصاديات تشغيل المزارع بسبب التذبذب الكبير في اسعار العلف اسعار المنتجات الداخلة في تغذية السمك بسبب الحصار المفروض على البلد. * والصيد البحري؟ ــ نشاهد فيه صورة معاكسة, حيث تضاعف الانتاج كما ونوعا بالرغم من ظروف الحصار, وبجهود فردية, حيث تم توجه العديد من المستثمرين للصيد البحري, لغرض صيد وتسويق البحرية, او لاغراض تصنيع (مسحوق الاسماك), وعلى العموم, وتحت ظرف الحصار, يمكن الجزم بان هناك فرصا وامكانيات كبيرة يمكن تسخيرها وتنظيمها ودعمها لزيادة الانتاج السمكي في القطر في جميع مصادره, وبشكل يمكن ان يؤثر على كمية ونوعية واسعار المنتجات الاخرى من اللحوم الحمراء والدواجن, وخير شاهد على ذلك حاليا, الدعم المنظم لقطاع الدواجن, الذي اسهم بشكل كبير في توفير لحوم الدواجن بأسعار مناسبة, لكن هذه التجربة لابد ان تشمل قطاع اللحوم الحمراء ومزارع الاسماك, وبشكل متوازن, وبعكس ذلك سوف تؤثر تأثيرا مباشرا على مستقبل انتاج اللحوم والاسماك, فيهاجر تجار قطاع الاسماك الى قطاع الدواجن, وبشكل ملحوظ ــ كما حدث مؤخرا ـ كما يجب اعطاء اهمية قصوى لقطاع الصيد البحري لغرض ان يمارس دوره بالكامل لحصاد حصتنا من الاسماك البحرية المهاجرة في مياهنا الاقليمية .. كما نتمنى قيام هيكلية عامة لاستثمار المسطحات المائية بشكل متطور .. وهذا شيء في طي المجهول وفي صورة امنيات كبيرة! عطشان .. يا صبايا بعد ان تعرض العراق لمشكلة جديدة تمثلت في اغلاق السدود من قبل تركيا ومنع الماء من الوصول الى حبيبيه دجلة والفرات, تأثرت الثروة السمكية كثيرا بشحة المياه, وتفاقمت مشاكلها, وهذا ادى بالطبع الى ارتفاع اسعار السمك بشكل يثير الرهبة حتى لدى اصحاب الاموال والقدرة الشرائية .. عن هذه الحالة تحدث لنا المهندس الزراعي (حميد سمير علي) الذي يعمل في حقل تربية الاسماك ايضا قائلا: ــ تعمد تربية الاسماك على الماء, ونجاحها يتوقف على مدى توفره او شحته, ولانه تعرض الى ازمة هو الآخر ادت الى شحته وانحساره لهذا العام فقد تضررت تربية الاسماك لهذا الموسم بشكل كبير مقارنة بالموسم الماضي والذي قبله مما ادى الى حصول نقص كبير في انتاج لحوم الاسماك وبالتالي ارتفاع اسعارها الهائل. * هل كان بالامكان توفير العلف الكافي لها؟ ــ لم تعد الدولة قادرة على توفير الماء بشكل جيد, مما دفع المربين الى استهلاك اعلاف قليلة جدا خوفا من تطورات غير محسوبة فأثر ذلك سلبيا على عملية تصنيع الاعلاف وتضررت هي الاخرى بشكل كبير. * هل هناك بدائل يمكن للدولة توفيرها لانجاح تربية الاسماك؟ ــ بدائل شحة الماء غير مجدية, كحفر الآبار او ارجاع مياه المبازل الى الاحواض بشكل قليل لارتفاع ملوحتها, فعندما ترتفع ملوحة الماء تفشل عملية تغذية الاسماك لقلة شهية الاسماك, وسوء عملية التمثيل الغذائي لديها. * والصيد البحري, الا يشكل بديلا؟ ــ الاسماك البحرية لا تسد حاجة السوق ولا تعوض الحاجة الى الاسماك النهرية الاطيب طعما والاوفر لحما, اضافة الى اننا قريبون من الخليج العربي فقط, والمشاكل هناك كثيرة بالنسبة لصيد الاسماك وتسويقها والابحار بها. صيد غير قانوني ويتم استغلال الثروة السمكية في المياه الداخلية العراقية من قبل الصيادين التقليديين ومستأجري بعض المسطحات المائية وغالبا ما تمارس فيها طرق الصيد غير القانونية, مثل السموم والكهرباء والمبيدات وما شابه .. اما المزارع السمكية فتعود ملكيتها الى شركات مساهمة من القطاع الخاص والافراد, وبسبب ظروف الحصار التي ادت الى ارتفاع تكاليف الانتاج وقلة الاعلاف ورداءتها, توقف تشغيل مساحة كبيرة من المزارع .. اما الصيد البحري فيقتصر على صيادين يستخدمون قوارب صغيرة, وينتمون الى جمعية تعاونية وتنقصهم العديد من مستلزمات ووسائل الصيد الاساسية, مما ادى الى تدهور انتاج الثروة السمكية. * اضافة الى ما تقدم من مشكلات الثروة السمكية تحدث الدكتور المهندس محمد محمود مدير قسم الثروة السمكية في الهيئة العامة لخدمات الثروة الحيوانية طارحا بعضا من معاناة قسمة في حماية الثروة السمكية فقال: ــ تحدد مشكلات الثروة السمكية في العراق بالصيد غير القانوني, مثل استخدام قناني الغاز للتفجير, والمتفجرات بأنواعها, كما تستعمل السموم والمبيدات وتستخدم الطاقة الكهربائية ــ المولدات ــ. * وماهي اجراءاتكم مقابل ذلك؟ ــ تتحدد اجراءاتنا بتشكيل لجان تتابع علاوي الاسماك, فتأخذ من اي مكتب للاسماك عينة من دون تحديد, وترسل للمختبر .. وهنا تواجهنا مشكلة اخرى, فنحن لا نملك مختبرا خاصا بالاسماك, ونضطر الى ارسال العينة الى مختبرات كلية الطب البيطري, واذا ثبت ان الاسماك تم اصطيادها بالسموم فسوف تصادر, ومن ثم يباع بالمزاد العلني. * ولماذا تتم الرقابة في المكاتب وليس في مناطق الاصطياد؟ ـ اغلب الصيد يتم في الليل, ولا يمكننا المراقبــة في الليل, كما اننا نواجه مشكلة الصيد في وقت التكاثر, وهذه الفترة مقسمة الى ثــلاث مناطق الاولى في البــصــرة وميسان وذي قار, والثـانيــة في بغداد وصلاح الدين, والثالثة في الموصل وكركوك. وحسب درجات الحرارة تبدأ الاسماك بالهجرة وتضع بيوضها على الشاطىء ويمنع صيدها .. ولدينا لجنة تصادر الاسماك التي تم اصطيادها في وقت التكاثر, حيث يتم نصب سيطرات على الطرق في المحافظات, وقد تمت مصادرة ما قيمته 10 ملايين دينار, وهناك مشكلة اخرى تواجه الثروة السمكية هي وجود مقالع الحصى والرمل .. في الشواطىء الرملية لنهري دجلة والفرات تضع انثى (الشبوط) و (الكطان) بيوضها, فعندما يقلع الحصى والرمل فان البيوض تحمل معه, وهذه الحالة تكثر من هيت الى الرمادي وبغداد .. ومن سدة سامراء الى الضلوعية, لذا اعتقد ان من الواجب عدم اعطاء الموافقات لتلك المقالع في وقت التكاثر. * وماذا عن المزارع السمكية؟ ــ يقول د. محمد محمود: الجانب المادي للاسماك احسن من غيره من مفردات الثروة الحيوانية, فالسمك لا يحتاج الى غذاء كثير, وله قاعدة غذائية طبيعية فقط, اما المزارع السمكية فيبلغ عددها 1723 مزرعة وتدعم الدولة هذه المزارع وتعطيهـا اصبعيـات وبعض المواد العلفية ولا تحتاج الاسماك الى ادوية فهي لا تعاني من الامراض . لكن المزارع تلكأت بالعمل مؤخرا بسبب سحة الماء وارتفاع اسعار الاعلاف, اما الاصبعيات فنحن ننتج الملايين منها. اسعار مريعة قلنا في بداية التحقيق ان السمك كان غذاء الفقير في السابق, لكن الفقير اليوم لم يعد يحلم حتى برائحته او زفرته فلو حاولت مجرد محاولة ان تدعو ضيفا لتناول السمك في بيتك ستكون مضطرا لحمل آلاف الدنانير والتوجه الى السوق, وستجد اسماكا بسعر 40000 دينار واخرى بـ 30000 والارخص سعرا بـ 10000 دينار الى غير ذلك, فتتجه دون تفكير وحساب طويل الى باعة الدجاج او اللحم لتختصر التكاليف, الا اذا كنت مضحيا بالالاف من اجل طعم السمك, فهذا شأنك ولابد ان موردك المادي يسمح بذلك! ولكن ما الذي ألهب سوق السمك هكذا فصارت الاسعار مريعة مخيفة للمستهلك؟ * اجابنا عن هذا السؤال ابراهيم ناهي دلال في علوة السمك قائلا: ــ اعتدنا ان نشتري السمك بسعر غال من الصيادين او الموردين لاننا مضطرون لذلك, فان لم نشتره منهم سيعملون على تسريبه خارج العلوة الى اسواق اخرى او زبائن اخرين . اضافة الى وجود المضاربين الذين يزايدون على الاسماك بأسعار كبيرة ومرتفعة, اما لنقلها الى محافظات اخرى خالية من السمك, او لاستخدامها في تصنيع البروتين او اعلاف الدواجن, وهذا يؤثر بشكل كبير على اسعارها في السوق. * والباعة, الا يتحكمون بالأسعار ايضا؟ ــ ليسوا هم السبب الرئيسي, فهم يتبعون سعر العلاوي, اذا كان مرتفعا يبيعون بأسعار غالية, واذا حصلوا على السمك بسعر مناسب لن يرفعوا السعر كثيرا, عدا حالات فردية هنا وهناك في المناطق الراقية او النائية. * أليس من رقابة على هذه الظاهرة؟ ــ لا توجد رقابة بالمعنى الصحيـح مادام المسئولون عن العلاوي يسمحون ببيع الاسماك خارجها, والاتجار بالسمك من قبل تجار لا يملكون اجازات خاصة, بذلك, وانجاز عمليات تسويق الاسماك دون رقابة, ومنح الاجازات دون شروط موضوعية تنظم عملية انسياب تسويق الاسماك ... كل هذه اسباب ألهبت السوق وجعلت السمك عملة نادرة وباهظة الثمن, تضاف اليها شحة الماء وانخفاض منسوبه كثيرا وتوقف مربو الاسماك عن الاعداد للعام القادم خوفا من تفاقم الامور, وهذا يعني ان العام المقبل سيكون خاليا من رائحة السمك, ولو وجد فستنافس أسعاره اسعار المصوغات الذهبية, وربما اكثر!