بيان (2): سور مجرى العيون هو واحد من أهم معالم القاهرة الإسلامية, التي عانت من الاهمال والتجاهل لسنوات طويلة, وتعرضت لكل أشكال التشويه والتعديات سواء من السكان أو أصحاب الورش، أو حتى الجهات الحكومية التي اقتطعت منه أجزاء كثيرة لإنشاء الطرق ورصفها دون أي مراعاة لأهمية هذا الأثر التاريخي النادر. ثم تنبه المسئولون عن هيئة الآثار لخطورة استمرار هذا الوضع المخجل وبدأوا في تنفيذ مشروع ضخم لترميم السور والمجرى, وتحويلهما إلى منطقة مزار سياحي, تمهيدا لوضعها على خريطة السياحة المصرية. ويبدأ سور مجرى العيون من شاطىء النيل غرب القاهرة, ويمتد حتى قلعة صلاح الدين الأيوبي, وكان الهدف الأساسي من تشييده هو مد القلعة بالمياه عن طريق رفع مياه النيل بالسواقي إلى مجرى السور, وإنحدارها بطريقة محسوبة, بحيث تجري المياه إلى أن تصل إلى القلعة, فيتم رفعها مرة أخرى بالسواقي, لإمداد القلعة بالمياه, خاصة وأنها كانت مقر الحكم في مصر منذ العصر الأيوبي وحتى عام 1872م, وهو العام الذي تم إنتقال مقر الحكم فيه من القلعة إلى قصر عابدين. أنين السواقي ولم يكن المشروع الجديد هو الأول من نوعه لترميم السور والمحافظة عليه من عوامل الزمن التي أدت إلى إندثار القناطر وتوقفها عن أداء الوظيفة التي أنشئت من أجلها, فقد سبق أن تنبه السلطان الناصر محمد بن قلاوون إلى أهمية المحافظة على هذا الأثر التاريخي, وقام بتجديد عمارته على مرحلتين, تمت المرحلة الأولى منها في سنة 1310 ميلادية, بإنشاء ست سواقي جديدة على النيل عند فم الخليج, تأخذ الماء من النيل وتدفعه عبر مجرى مائي إلى القلعة فوق مجموعة ضخمة من القناطر حتى يتم تخزينها في مجموعة من الآبار تم حفرها خصيصا من أجل هذا الغرض, أما المرحلة الثانية, فبدأت بعد ذلك بثلاثين عاما, وتم فيها حفر بئر بركة الحبش, وهو المكان المعروف اليوم باسطبل عنتر في إتجاه مسجد أثر النبي بمصر القديمة, وهو المبنى الذي قام محمد علي باشا بتحويله إلى مكان للسلاح (سلاحليك) بعد أن قام بحفر عشرة آبار يصب فيها الخليج الذي سبقت الإشارة إليه, فيتجمع الماء في النهرين, ويصير ماء واحدا يجري إلى القلعة, وأقيم فيما بعد, وفي عهد السلطان المملوكي قنصوة الغوري مأخذ مياه آخر لهذا المجرى يبدأ من منطقة السيدة عائشة, إلا أن يد التخريب ما لبثت أن امتدت لهذا السور العظيم, وخاصة من قبل قادة الحملة الفرنسية على مصر الذين اتخذوا من بعض أجزاء السور نقاطا للمراقبة, وجعلوا فيها فتحات كبيرة لمدافعهم .. وبعدها بفترة طويلة توقفت السواقي تماما عن العمل, بعد أن تم تأسيس شركة للمياه داخل القاهرة, وتحول المكان إلى أثر تاريخي ــ وتعرض عبر السنين لمئات من التعديات وطالته يد التشويه والاهمال. يقوم مشروع سور مجرى العيون الجديد على محورين اساسيين, يرتكز المحور الأول منها على تعاون محافظة القاهرة والمجلس الأعلى للآثار في إزالة التعديات على جسم السور على ثلاث مراحل, وبلغت تكلفة المرحلة الأولى منها مليونا ومئتي ألف جنيه مصري, وركزت على إزالة البنايات والاشغالات الملاصقة للسور, والتي تشوه منظره, وتضر به أثريا وإنشائيا ومعماريا, وتقوم محافظة القاهرة بالاضافة إلى ذلك بمشروع لنقل الصناعات الملوثة للبيئة مثل دباغة الجلود وصناعة الغراء, والتي يتم ممارستها في بعض الورش الملاصقة للسور, إلى خارج المدينة مع الاستغلال الأمثل لمساحات الراضي المجاورة للسور وتطوير هذه الصناعات .. كما قامت المحافظة في إطار مخطط عمراني شامل بنقل مذبح القاهرة الشهير إلى خارجها, ويجري الآن تحويل أرض المذبح إلى حديقة تراثية, كما تم نزع ملكية الأراضي المجاورة لمحطة مترو أبو الريش لتحويلها إلى ميدان عام ليستوعب حركة القادمين إلى منطقة سور مجرى العيون, والقادمين عبر المترو لزيارة السور, كما يشمل المشروع إنشاء رصيف للمشاة على الجانبين مواز له بعرض عشرة أمتار وستوضع في أرضيته مصابيح لإنارته أثناء الليل. إعادة بناء أما المحور الثاني فيرتكز على ترميم السور الأثري, ويقوم به المجلس الأعلى المصري للآثار بتكلفة تصل إلى 38 مليون جنيها, ويستغرق تنفيذ هذا المشروع عامين, ويشتمل على ترميم السور بالكامل وتدعيم الأساسات الضعيفة فيه, واستكمال الأجزاء الناقصة منه والتي سبق هدمها نظرا للحاجة الملحة لفتح شوارع لمرور السيارات, مثل شارع صلاح سالم أحد محاور السير السريعة في القاهرة, ويتضمن المشروع إعادة بناء العقود الحاملة لمجرى الماء, والتي هدمت عند فتح هذا المحور, وذلك بخفض مستوى الشارع, إذ أن العقود عند هذا التقاطع تنخفض بشدة عن مثيلاتها عند بداية المجرى, كما ستتم تنظيم حركة السير في المنطقة بحيث تمر السيارات من أسفل العقود, مما سوف يساهم في إنعاش حركة السياحة, خاصة وأن سور مجرى العيون يقع على محور يصل بين أشهر المعالم السياحية في القاهرة, حيث يصل بين مطار القاهرة ثم قلعة صلاح الدين ثم أهرامات الجيزة. كما سيتم استكمال العقود التي هدمت أثناء فتح محاور تتخلل السور مثل المحور الخاص بمنطقة عين الصيرة, وكذلك استكمال العقود التي أزيلت عند إنشاء خط سكك حديد حلوان الذي يستخدم حاليا كخط لمترو القاهرة حلوان. اعادة تشغيل وتعتبر اعادة تشغيل السواقي الست من أروع أهداف هذا المشروع المهم لاعادة الحياة إلى سور مجرى العيون, وهي السواقي التي كانت ترفع المياه إلى أعلى السور, وتمثل قمة إبداع الهندسة المائية في الحضارة الإسلامية, وسيتمكن زوار السور من رؤية السواقي بعد إتمام المشروع وهي ترفع المياه إلى مسافة محددة في السور. ويعتمد مفهوم تنسيق الموقع بالنسبة لمشروع سور مجرى العيون على عدة مستويات, وهي توفير مسار للمشاة, وتوحيد معالجة الرصف في شارع مجرى العيون مع إلغاء الاستخدامات أسفل الكوبري العلوي وتطوير الواجهات المطلة على الشارع وتعديل نظام الاضاءة .. كما يتضمن المشروع إنشاء طريق حارتين للسيارات بالاضافة إلى حارة أخرى لانتظار السيارات والأتوبيسات, ويستمر المسار المقترح لمجرى العيون بين شارع كورنيش النيل غربا إلى طريق صلاح سالم شرقا حتى يقطعه مسار مترو الانفاق, وفي هذه الجزئية سيتم إنشاء نفق أسفل مسار المترو مع إنشاء حدائق متعددة المستويات. وعن أهمية هذا المشروع يتحدث الدكتور جاب الله علي جاب الله أمين عام المجلس الأعلى للآثار فيقول: (لا أعتقد أن هناك أحدا من سكان القاهرة لايدرك القيمة التاريخية والأثرية لسور مجرى العيون بمصر القديمة, وأن هذه القيمة تعرضت للانتقاص في السنوات الأخيرة بسبب العشوائيات التي أحاطت به من كل جانب والورش والمدابغ التي تسئ إليه, اضف إلى ذلك الرصيف الذي أدى إلى دفن وطمر أجزاء من السور تحت الأرض بل واستقطع أجزاء منه لعمل طريق صلاح سالم, ويضيف د. جاب الله أن هيئة الآثار سبق أن قامت بعمل ترميمات عديدة لأجزاء مختلفة من السور, ولكنها كانت بمثابة مسكنات, ولذلك فقد كان لابد من مشروع متكامل ليس للترميم فقط ولكن لتطوير السور والمنطقة المحيطة به, وعندما فكرنا في مشروع التطوير وضعنا في الاعتبار السكان المحيطين بالأثر بالدرجة الأولى, فسياستنا ألا نتعامل مع الاثر وحده منفصلا عن البيئة المحيطة, فهذه سياسة أثبتت فشلها, ولذلك قمنا بالتعاون مع محافظة تقاسمها الطرفان, وخططنا لتنفيذ مشروع ضخم يعتبر أحد أكبر مشروعات الآثار الإسلامية يتكلف 38 مليون جنيه, ويستغرق تنفيذه عامين, يهدف المشروع إلى ترميم وتطوير السور وتحويله إلى مزار سياحي يرتاده المصريون والأجانب. ويبقي في النهاية أن نقول ان مشروع إحياء سور مجرى العيون يتواكب مع مشروع تطوير منطقة القاهرة التاريخية الذي من المتوقع أن يكتمل تنفيذه في خلال ثلاث سنوات, وتشمل حدود هذه المنطقة طبقا لقائمة التراث العالمي المسجلة في اليونسكو ثلاث مناطق وهي: * المنطقة الأولى وحدودها باب الفتوح شمالا ثم مسجد أحمد بن طولون جنوبا وشارع صلاح سالم شرقا حتى شارع بورسعيد غربا. * المنطقة الثانية وهي منطقة اثار القلعة. * المنطقة الثالثة وهي منطقة مصر القديمة, ومجمع الكنائس. * وهذه المناطق الثلاث تحتوي على حوالي 80% من حجم الاثار الإسلامية بالقاهرة, وقد تم اختيار نقطة البداية في هذا المشروع عند التقاء شارع المعز بمنطقة حرم الجامع الأزهر, ويمتد شرقا من مجموعة الغوري إلى بيت زينب خاتون وبيت الهراوي جنوبا على امتداد شارع المعز حتى جامع الفكهاني ومنزل جمال الدين الذهبي, ويصل إلى باب زويلة وشارع الدرب الأحمر عند سور القاهرة الجنوبي, وتعد نقطة البداية هي النواة الفعلية لتطوير المنطقة ككل بالاضافة إلى تنمية الشريان التجاري الاستثماري على طول شارع المعز, ويأتي مشروع احياء سور مجرى العيون كأحد أهم ملامح هذا المشروع العملاق.