بيان (2): القاهرة ــ محيي الدين سعيد: تستعد الحكومة المصرية لطرح قانون جديد للجمعيات الأهلية على مجلس الشعب بدلاً من القانون رقم 153 لسنة 1999 الذي كان اسرع قانون يحكم القضاء بعدم دستوريته في تاريخ القوانين المصرية. من جانبها سارعت جماعات حقوق الانسان إلى تنظيم نفسها ودعت إلى تشكيل لجان تنسيقية وعقد مؤتمر موسع تحت شعار (من أجل قانون اكثر ديمقراطية وعدالة للعمل الأهلي). وقد شارك في المؤتمر ممثلون للاحزاب السياسية وممثلون للمنظمات أعضاء للجنة التنسيقية شملت البرنامج العربى لنشطاء حقوق الإنسان ومركز الدراسات والمعلومات القانونية لحقوق الإنسان ولجنة العدالة والسلام المصرية وملتقى الهيئات لقضايا المرأة ورابطة التربية الحديثة ومركز قضايا المرأة المصرية وجمعية المساعدة القانونية ومركز البحوث العربية والافريقية ومركز أوزوريس للتنمية ومركز التنمية البديلة وجمعية مصر للتنمية ومركز الأرض لحقوق الإنسان. وفى البداية قال جورج اسحاق ممثل اللجنة التنسيقية لمنظمات العمل الأهلى أن مصر تعيش بلا قانون منظم للعمل الأهلى منذ الحكم بعد دستورية القانون 153 لسنة 1999 وكان من المفترض أن تستند كل مؤسسة من مؤسسات المجتمع الأهلى على شخصيتها الاعتبارية فالمؤسسة التى قامت على قواعد القانون 32 لسنة 1964 ولم توفق أوضاعها وفق القانون 153 لسنة 99 تظل تعمل وفق القانون 32 لسنة 1964 أما التى وفقت أوضاعها وفق القانون الجديد تبقى وفق آليات هذا القانون غير الدستورى ولكن فى كلتا الحالتين تعتمد المؤسسات المدنية الأهلية على (العرف). وأكد اسحاق ان المنظمات الأهلية لعبت الدور الأساسى فى اسقاط القانون 32 لسنة 1964 والمصادر للعمل الأهلى وهى التى ساهمت فى مداولات ثم مقاومة القانون رقم 153 فيما بعد, كما أنها هى التى دفعت بعدم دستوريته, مشيرا الى أن ذلك جاء منذ مؤتمر السكان 1994 حيث تشكلت لجنة من 400 جمعية أهلية طالبت بإسقاط القانون 32 لسنة 1964 وعلى أثر ذلك قررت الدكتورة امال عثمان وزيرة التأمينات والشئون الاجتماعية السابقة تشكيل لجنة لدراسة تغيير القانون 32 وضمت اللجنة بين صفوفها ممثلين عن وزارة العدل والشئون الاجتماعية وممثلين للعمل الأهلى, وتشكلت فى نفس الوقت لجنة ضمت أكثر من مئة جمعية أهلية ومركز حقوقي تسمى (ملتقى العمل الأهلي) لنقد ومراقبة عمل اللجنة التى تضع القانون الذى صدر واختلف حوله نشطاء العمل الأهلي سواء من شاركوا فيه أو من رفضوه منذ البداية وذلك فى المواد الخاصة بتأسيس الجمعية بموافقة وزارة الشئون الاجتماعية وليس بالاخطار وموافقة الوزارة ذاتها على التمويل الخارجى والتبرعات الداخلية وحق رئيس الجمهورية فى تعيين أعضاء الاتحاد العام ومطالبة أن يكون الاتحاد بالانتخاب, ثم طعنت المنظمات الأهلية فى القانون بعدم الدستورية و تم قبول الطعن ليكون الجميع للمرة الأولى امام ظاهرة مشاركة أهلية فى تشريع واسقاط قانون. شريك ثالث ورأت منى ذوالفقار المحامية واحدى ممثلات المنظمات الأهلية فى مناقشة القانون المحكوم بعدم دستوريته ان القطاع الأهلى تحول من مجرد وكيل للتنمية الى شريك ثالث بجانب الدولة والقطاع الخاص, خاصة ان المؤتمرات الدولية تضمنت وجودا واضحا لهذا القطاع, وأكدت أن أى قانون جديد يجب أن يرتكز على أساس تحرير العمل الأهلى وان يتم تكوين الجمعية عن طريق الاخطار. وترى أن هناك اتجاهين فيما يخص مجالات عمل الجمعية الاهلية الأول الاخذ بتجديد المحظورات مع فتح مجالات العمل والثانى نص على مجالات بعينها تعمل فيها الجمعيات, مؤكدة أن الاتجاه الأول هو الأفضل. وأشار الدكتور أحمد عبدالله مدير مركز الجيل للدراسات الشبابية أن هناك عدة أخطاء وقعت فيها حركة حقوق الإنسان أثناء حملتها ضد القانونين 32 و153 ومن ذلك أن هذه الحركة لم تفرق بين القطاعين الحديث والتقليدى في الجمعيات الأهلية وعدم مناقشة تنظيم الصلة بالخارج بين نشطاء العمل الأهلى وعدم وجود لجنة تنسيقية من جانب المنظمات الحقوقية. ويقول عبدالله: تخيلت ان هذه المنظمات بإمكانها الدخول فى عملية تفاوضية مع الدولة بينما فى مصر لا تعترف الدولة بالمواطنين, وحتى الاجتماعات التى حضر فيها ممثلو العمل الأهلى كانت شكلية تماما والدليل ان الصياغة التى دخلت البرلمان صياغة حكومية وثبت بالفعل انها مختلفة كلية عن المشروعات السابقة التى تم الاتفاق عليها. وطالب عبدالله بالضغط على الدولة ومحاولة اثبات أن ميزان القوى يختلف عما تتصوره الدولة مما قد يدفعها للبدء فى تغيير ثوابتها واعادة حساباتها. ويرى الدكتور نبيل عبدالفتاح رئيس وحدة الدراسات الاجتماعية بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام ان المجتمع الأهلي فى مصر مجتمع ينشط بلا بحث, ويتحرك ولديه نقص فى المعلومات وقال ان هناك دورا هاما لعبه القطاع الأهلى ليس فى استخدام آليات خطابات الاحتجاج الى مجال الرعاية الاجتماعية والخيرية فقط بل فى بناء مؤسسات ثقافية أيضا الى جانب ذلك دور منظمات حقوق الإنسان فى رصد انتهاكات حقوق الانسان سواء الحكومية أو غيرها مثل الأطفال والمرأة, كما أدت الى تغيير الحياة السياسية المصرية وحفزت الأحزاب المصرية لدمج خطاب حقوق الإنسان فى برامجها السياسية. كما دفعت المنظمات الاسلامية التقليدية الى تبنى خطاب من هذا النوع وفى نفس الوقت لم تجد هذه المنظمات دعما من حركة اجتماعية بأنشطة. ويرى عبدالفتاح ضرورة اعادة الروابط بين العمل الأهلى وبين المواطن العادى وضرورة اصدار ميثاق شرف حقيقى يتعرض للمناقشة ويلتزم به الجميع. ضغوط ومتغيرات وتتحدث الدكتورة هويدا عدل خبير العلوم السياسية بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية عن العمل الأهلى العربى بين ضغوط المتغيرات العالمية واحتمالات التحول الديمقراطى فتؤكد بداية أن هناك بالفعل تغيرات عالمية سواء ما يتعلق منها بانحسار دور الدولة أو إعادة النظر فى المفاهيم الكلاسيكية للتنمية أو لاهتمام الدولة بالمنظمات الأهلية والسعى لتفعيلها ودعمها وان كل هذه المتغيرات بلاشك تمثل بيئة دولية مواتية لازدهار عمل المنظمات غير الحكومية واضطلاعها بدور هام فى تشكيل مجتمعاتها. وتعود للقول أنه مع كل ذلك فإن هذه التغيرات العالمية ليست كافية لديمقراطية العمل الأهلى فى العمل العربى وانها مجرد بيئة مواتية تحتاج لشروط جوهرية أخرى كى يحدث التحول الديمقراطى. وتضيف ان التجارب العربية اثبتت أن انتظار التحول الديمقراطى من أعلى لم يأت بثماره على الاطلاق, ولم يؤد لحدوث نقلة كيفية تجاه الديمقراطية على المستوى الاجرائى وكذلك القيمى, فمادام النظام السياسى قادر على ادارة أوضاعه الداخلية بدرجة أو بأخرى باستخدام استراتيجيات شتى تمزج بين المنع والتقييد والمنح والترغيب وكذلك الاستيعاب والادماج فإن الوضع سيظل كما هو عليه خاصة فى ضوء تردي الاوضاع الاقتصادية بعد تبني سياسات السوق واحتمالات حدوث قلاقل اجتماعية. وتقول ان اصرار النظام السياسى فى البلدان العربية على هذه السياسة ليس مرجعه قوة هذا النظام وسيطرته السياسية والثقافية وعجزه عن استثمار موارده السياسية استثمارا جيدا يحقق أهدافه, والأدهى من ذلك غياب الهدف لدى عديد من منظمات هذا المجتمع. وتكمل متساءلة: هل مطلب الاستقلال عن الدولة مطلب تجمع عليه كل منظمات المجتمع المدنى حتى جمعيات رجال الأعمال اللاصقة بالنخبة الحاكمة؟ وهل قضية التحول الديمقراطى مطروحة بقوة على أجندة المجتمع المدنى؟ وهل المجتمع المدنى يقدم نموذجا للممارسة الديمقراطية الداخلية بما يمكن من أن يفرض نفسه كبديل معنوى واخلاقى لما هو قائم؟ وهل المجتمع المدنى قادر على طرح خلافاته وخصوماته السياسية والأيديولوجية جانبا والتنسيق فيما بين منظماته وتعبئة التأييد للدفاع عن قضية التحول الديمقراطى؟! وتصل الى انه من الصعب القول بان هناك اجماعا داخل المجتمع المدنى على أهمية ما سبق مشيرة الى انه فى الجمعيات الأهلية وهى أكبر فصائل المجتمع عددا, فان قضية استقلالية العمل الأهلى ليست مطروحة على أجندتها وهذه القضية مطروحة فقط لدى عدد قليل من الجمعيات الدفاعية, أما بالنسبة للأوضاع الديمقراطية داخل هذه الجمعيات فوضعها ليس أحسن حالا من النظام السياسى ومن بقية فصائل المجتمع المدنى وبالتالى فلا يتوافر زخم قوى خلف قضية التحول الديمقراطى. وتختم عدلي قولها انه رغم توافر بيئة دولية مواتية للتحول الديمقراطى سواء على صعيد علاقة النظام السياسى بالمجتمع المدنى أو على صعيد أوضاع المجتمع المدنى الداخلية, فإن الشروط الاساسية لتحول ديمقراطى غير قائمة حتى الآن, وتستشهد بما حدث فى مصر وتقول انه رغم الضغوط الدولية التى مارستها دول ومنظمات دولية حكومية وغير حكومية على الحكومة المصرية لالغاء القانون 53 لسنة 99 ورغم تنديد من منظمات حقوق الانسان بالقانون واصدار بيانات تطالب بالغائه فإن الحكومة المصرية لم تستجب لأى من هذه النداءات واعتبرت هذه الضغوط بمثابة تدخل فى الشأن الداخلى. ولم تنس الدكتورة هويدا عدلى أن تشير الى الارتفاع الهائل فى اعداد الجمعيات الأهلية فى مصر والعالم مشيرة الى وجود 1400 مليون مؤسسة أهلية فى الولايات المتحدة الأمريكية تقدر أصولها المالية بـ 500 مليون دولار وتسهم بما مقداره 6 فى المئة من جمع الناتج القومى الأمريكى كما توفر حوالى 11 فى المئة من مجموع فرص العمل.. وأشارت الى ان حجم المعونات الدولية المقدمة للقطاع الاهلى فى العالم ارتفعت من مليار دولار عام 1970 الى 16 مليار دولار عام 1997. ويتحدث هانى شكر الله أحد النشطاء الحقوقيين ومدير تحرير صحيفة (الاهرام ويكلي) عن العمل الاهلى الديمقراطى فيقول أن الدولة فى مصر تبدو وكأنها تكيل بمكيالين فى موقفها من العمل الاهلى فهناك جمعيات رجال الاعمال على سبيل المثال تعمل بالسياسة جهارا نهارا فى خلاف سافر مع قانون الجمعيات الشهير وتلعب ايضا فى الملايين من الدولارات من الدعم الاجنبى المشروط بدوره بشروط سياسية سافرة وتمارس الضغط على الحكومة صراحة بل وتشارك فى سن القوانين ولكن فى المقابل هناك مؤسسات المجتمع المدنى التى تتعرض للمضايقة والحصار والملاحقة والاتهام بالعمل فى السياسة وتلقى التمويل الاجنبى لكن شكر الله يرى ايضا ضرورة ان يكون الاتجاه الاساسى لتمويل منظمات العمل الديمقراطى هو الاعتماد على جمهورها لتأكيد انتمائها لهذا الجمهور وخضوعها لمحاسبته, ويشير الى ضرورة ان يكون التقشف هو المبدأ الموجه للانفاق فى هذه المنظمات وأن تكف هذه المنظمات عن كل بذخ في الانفاق سواء على المقار أو الرواتب, أو المؤتمرات وغيرها وأن ترفض أي دعم مالى من منظمات أو أفراد يضعون شروطا لدعمهم تتعلق بسياسة المنظمة أو توجهاتها وكذلك رفض أى دعم مالى, مشروط كان أو غير مشروط من منظمات أو هيئات معروفة بسياستها المعادية صراحة للتوجهات والأهداف الأساسية لمنظمات العمل الأهلية الديمقراطى مثل هيئة المعونة الأمريكية أو البنك الدولى ورفض أى دعم مالى من منظمات أو أفراد أو هيئات معروفة بدورها الداعم للاحتلال الاسرائيلى أو لنشاط المنظمات الصهيونية. شعور بالمهانة الدكتور عادل أبوزهرة استاذ العلوم السلوكية وأمين عام جمعية أصدقاء البيئة بمدينة الاسكندرية يؤكد على الحاجة لقانون جديد للعمل الاهلى فى مصر يسهل انخراط المواطنين فى العمل الأهلى من خلال منظمات يشكلونها بمبادرات خاصة منهم, بدون الدخول فى تعقيدات بيروقراطية وأمنية ويحرر الجمعيات الأهلية من هيمنة وسيطرة موظفى الحكومة وأجهزتها المختلفة ويحدد لجهة الادارة دورا لا يتجاوز الفحص والمراجعة اللاحقين لأعمال الجمعيات الأهلية للتأكد من أنها لم تخالف القانون ولم تخالف نظامها الاساسى وذلك لتوجيه نظرها وارشادها الى القيام بأعمالها بالأسلوب الصحيح. وأشار أبوزهرة الى ان كل الجمعيات الاهلية فى مصر شعرت بالمهانة وعدم التقدير عندما صدقوا وعود وزيرة الشئون الاجتماعية السابقة باضافة التعديلات التى طرحت من جانب هذه الجمعيات فى القانون مؤكدا أن فلسفة سن قانون للعمل الاهلى فى مصر لا تزال مبنية على سوء الظن بالمواطنين وبقدراتهم على ادارة شئونهم. وقال إن فلسفة القانون 153 لسنة 99 المقضى بعدم دستوريته لم تكن تشجع المواطنين على العمل الاهلى لانها تنشر مناخا من الشك وعدم الثقة بين السلطة التنفيذية والقطاع العام حيث كان القانون يفترض من البداية ان المشتغلين بالعمل الاهلى مشكوك فى نواياهم ودوافعهم الى ان يثبت العكس, وهو ما يرى أبوزهرة ضرورة تلافيه فى القانون الجديد للعمل الأهلى. محمود جبر مدير الادارة القانونية بمركز الأرض لحقوق الإنسان ــ أحد المراكز الحقوقية التى تهتم بشئون الفلاحين ــ يؤكد على حاجة العمل الاهلى فى مصر لقانون جديد وليس الى تعديل للقانون المحكوم بعدم دستوريته. ويضع جبر تصورا لقانون جديد يطالب فيه بالغاء النصوص المقيدة لحرية العمل الأهلى والواردة فى القانون السابق ومنها القيود على حق تأسيس الجمعيات والقيود على الجمعيات فى ممارسة نشاطها المشروع والتى تتمثل فى اعطاء الحق لموظف الشئون الاجتماعية فى حضور اجتماعات الجمعية العمومية والاعتراض على نشاطها. وأباح لجهة الادارة الحق بمنح الجمعيات من القيام بنشاط معين واشترط الاذن المسبق لتدبير الأموال اللازمة لممارسة نشاطها داخل الجمعيات بمبررات تعسفية. ويطرح جبر مجموعة من المبادىء التى يجب أن يستند اليها القانون الجديد مثل عدم حصر أو حظر ميادين أنشطة الجمعيات الأهلية وحق تشكيل الجمعيات دون قيد وحق الجمعيات فى وضع نظامها الاساسى ليرسم سياستها وادارة أنشطتها وحقها فى الانضمام لأى اتحاد تريده وعدم تدخل جهة الادارة فى حق الترشيح لمجلس الادارة وحق القضاء وحده فى فض المنازعات وعدم حل الجمعيات الا بحكم قضائى استنفذ كافة طرق الطعن.