بيان (2): غزة ــ د. جمال المجايدة: مازال الطفل وحيد صويلح يعاني من تشوهات عديدة في جسده النحيل من جراء مادة كيماوية كانت معبأة في اناء بلاستيكي عثر عليه في مكب للنفايات بجوار مستوطنة (نتساريم)، الاسرائيلية قرب مدينة غزة, ولم يدر بخلد هذا الطفل البالغ من العمر 9 سنوات ان تلك العبوة ستعيقه عن مواصلة عامه الدراسي, وتقول عائلته الفقيرة ان الاطباء عجزوا عن تشخيص آثار المرض ويبدو انهم استسلموا لهذا العناء الذي يخيم على المناطق القريبة من المستوطنات الاسرائيلية, فالنفايات التي يلقي بها الاسرائيليون بالاطنان في الارض العراء او على مقربة من المزارع تتحول الى اوبئة وامراض قاتلة مع مرور الوقت, ومع انعدام الوعي البيئي وعدم وجود قوانين تحمي السكان من هذا الخطر الداهم تتكرر حالات التلوث والتشوهات التي تلحق بالاطفال والمزارعين على وجه التحديد. ويقول باسم شومر الخبير بوزارة شئون البيئة الفلسطينية ان المستوطنات الاسرائيلية في قطاع غزة هي السبب الرئيسي للتلوث القاتل, فالاسرائيليون يلقون بنفاياتهم بلا رقيب وتحت حراسة الجيش, والناس الابرياء لا يلتفتون الى مخاطرها وهم يبحثون عن ضالتهم في تلك المخلفات الزراعية او الصناعية. ويقع قطاع غزة على الساحل الشرقي للبحر الابيض المتوسط قرب صحراء سيناء بمساحة 365 كيلومترا مربعا ويقطنه كما يقول شومر قرابة 45.1 مليون نسمة وتسيطر المستوطنات الاسرائيلية على نسبة 40% من مساحة القطاع ويعني ذلك ببساطة ان 40% من الموارد الطبيعية تخضع حاليا لسلطة الاحتلال كما انها موقع مثالي للنفايات الاسرائيلية. ويذكر شومر امثلة محزنة للخراب الذي لحق بالبيئة الفلسطينية من جراء النفايات ويتحدث بمرارة عن عشرات الامراض التي اصابت الفلسطينيين الفقراء دون ان يستطيع الاطباء ايجاد علاج لها. يقول: المستوطنون استنزفوا الموارد الطبيعية من مياه وارض زراعية ورمال ودمروا البيئة الطبيعية في نفس الوقت. ويواصل حديثه قائلا: في وسط مساحة جغرافية محدودة توجد 19 مستوطنة إسرائيلية وجميعها تسكب مياه المجاري العادمة الى اراضي الفلسطينيين, فالمستوطنات لا تمتلك محطات لتكرير المياه العادمة ولا توجد بها شبكات للصرف الصحي كما ان هذه المياه العادمة قد تكون ملوثة بالمخلفات الصناعية احيانا الامر الذي ادى الى تخريب المحاصيل الزراعية في بعض المناطق وكذلك انتشار الامراض ونفور آدمي منها وفي ظل عدم وجود ضمانات او قوانين فان المشكلة تتعمق بشكل مخيف. كارثة بيئية يقول الخبراء ان الشبكات الحالية للمياه في قطاع غزة تخدم 65% من السكان في حين تستخدم الحفر الامتصاصية والقنوات المفتوحة لبقية المساكن وهناك ثلاث محطات لمعالجة المياه العادمة ذات كفاءة منخفضة في غزة وجباليا ورفح. ويرى هؤلاء الخبراء ان الوضع الحالي للمياه العادمة يشكل خطرا على المياه الجوفية ويرفع تركيز النيترات فيها على المستوى المسموح به عالميا وهو 45 جزيئا في المليون وخاصة في قطاع غزة بسبب قرب مستوى المياه الجوفية من تحت سطح الارض, وترتفع نسبة النيترات الى ما يقارب 350 جزيئا في المليون في بعض المناطق بينما يصل مستوى الملوحة في المياه الى 1500 جزيء في المليون. ومما يزيد من حدة المشكلة تصريف المستعمرات الاسرائيلية للمياه العادمة من الاراضي المجاورة مما لوث ساحات واسعة من الاراضي الزراعية الفلسطينية. ففي قطاع غزة غالبا ما يتم تجميع المياه العادمة في المستوطنات من خلال شبكة للمجاري تنتهي وتتدفق على اراض زراعية للفلسطينيين مع ما يصاحبها من تلويث وامراض وروائح كريهة. الفلسطينيون الذين يسلكون الطريق الذي يربط مابين غزة والمنطقة الوسطى يتذمرون من رائحة مياه المجاري التي تتدفق قرب وادي غزة فهذه الكارثة متواصلة بلا توقف, وبامكان اي مسئول فلسطيني ان يطالب بتدخل الجهات الدولية المختصة لمتابعة الموقف على الطبيعة, ولكن ربما ان المسئولين يسلكون طريق الشاطىء لكي لايكلفوا انفسهم عناء المتابعة. ودار حوار طويل شهده كاتب هذه السطور مابين اللواء عبدالرزاق المجايدة مدير الامن العام في قطاع غزة والدكتور علي شعث وكيل وزارة التخطيط والتعاون الدولي التي تشرف على بعض المشروعات البيئية .. ولكن دون فائدة لان البيروقراطية اقوى من التدخل لحماية البيئة!. فلم ينته الاجتماع او الحوار الى نتيجة بسبب عدم القدرة على محاسبة اسرائيل على جرائمها ضد البيئة وضد الانسانية, وبالتالي يتضح ان (أوسلو) هي الكارثة التي طالت كل شيء. تلويث الآبار والارض يقول الخبير البيئي باسم شومر ان اسرائيل اقامت مصائد للمياه لمنع انسيابها الطبيعي من جبال الخليل الى غزة, وبالتالي فان المخزون الجوفي لايعوض, بسبب المصائد اولا ونتيجة لهجوم مياه البحر المالحة على احواض المياه العذبة, وبالتالي فان آبار المياه اصبحت في معظمها مالحة, اضف الى ذلك ان اسرائيل جففت المياه حينما حولت مجرى وادي غزة الى جنوب اسرائيل, كما ان المياه العادمة تتسرب بهدوء الى الآبار الجوفية في القطاع. وأكد شومر ان المستوطنات الاسرائيلية هي المصدر الرئيسي للمخلفات الخطرة والسامة مشيرا الى ان اسرائيل نقلت مصنع (غيثوري) للمبيدات الحشرية من حيفا الى مستوطنة قريبة من طولكرم لعدم قدرتها على التخلص من آثار التلوث وبالتالي قررت نقله الى الاراضي الفلسطينية. وتقيم اسرائيل مناطق صناعية داخل حدود الضفة الغربية وتنقل الصناعات الملوثة اليها وقد صادرت اكثر من 3000 دونم لاقامة سبع مناطق صناعية اسرائيلية على اراضي الضفة غير ان شومر يقول نحن لا نعرف بالضبط ماهية الصناعات داخل المستوطنات وطبيعتها بسبب التعتيم الاسرائيلي عليها وعلى نوعية الصناعات وكميات الانتاج والمخلفات الصناعية, ولكن هناك تقديرات تشير الى وجود مايزيد على 200 مصنع اسرائيلي من الصناعات الملوثة مثل دباغة الجلود وطلي المعادن وصباغة النسيج وصناعة البطاريات والمبيدات الحشرية والصناعات البلاستيكية. وفي مرات كثيرة كشف الفلسطينيون محاولات اسرائيلية لالقاء نفايات سامة في اراضيهم واكتشف مسئولون فلسطينيون مؤخرا نحو 50 برميلا من المواد السامة مدفونة بالقرب من طولكرم وعزون بالضفة و 18 برميلا في محاولة اخرى قرب مواصي خانيونس. اما النفايات الطبية وهي من اخطر الملوثات البيئية فيتم التخلص منها في الضفة الغربية وقطاع غزة, اما حرقا في الهواء مما يلوث الهواء بالعناصر الثقيلة كالزئبق والرصاص واما بجمعها مع مخلفات المنازل لتنتهي في المكبات العامة. ويطالب شومر بالضغط على اسرائيل لاحترام الاتفاقات الموقعة والمعاهدات الدولية لحماية البيئة, ودعا الى فضح الممارسات الاسرائيلية, في مجال انتهاك البيئة الطبيعية, وتقوم وزارة شئون البيئة الفلسطينية بالتعاون مع وزارة التخطيط والتعاون الدولي حاليا بتدريب كوادر محلية للتعامل مع الحالات الطارئة في التعدي الاسرائيلي على البيئة الفلسطينية وكيفية التعامل مع السموم الخطرة وقدر شومر خسارة الفلسطينيين من جراء التعديات الاسرائيلية على البيئة باكثر من 80 مليار دولار. وقال ان 28 عاما من الاحتلال وخمس سنوات في ظل السلطة الفلسطينية استنزفت اسرائيل مواردنا المائية وارضنا الزراعية ولوثت البيئة والتربة ونشرت الامراض المعدية الفتاكة والحقت اضرارا خطيرة بالارض والشعب وهي اضرار تتكشف لنا مع مرور الزمن.