بيان (2): بغداد ــ (البيان): على شاطىء دجلة في العاصمة العراقية بغداد يتسع شارع النهر الذي يعد اول شارع حديث في المدينة. لقد قيل انه شارع تزود مثلما تزودت مدينته, بارث ماض عريق . عاشا كلاهما مسارات انتشت وتباهت, فكان الشارع خلاصة توغلت في تاريخ المدينة .. وكانت العادة لكي نعرفه عن كثب, ان نطل على ذاكرة تجلي وقلب وتحكي شاهدة هذا الشارع: * هذا ما عرفته من الباحث والمؤرخ (صادق حمودي) الذي استطرد في حديثه قائلا: ـ لقد قام الوالي ناظم باشا بشق شارع في بغداد, قبل شارع الرشيد .. الا وهو شارع النهر (المستنصر) في عام 1910 .. مبتدئا من المصبغة, حيث كان آنذاك (ميناء بغداد) وجمركها الرئيسي, مرورا بـ (بيت لنج), منتهيا بـ (المبخانة) .. وعلى الرغم من ضيق هذا الشارع, الا انه كان كافيا لمرور (البرشقات) فيه لنقل الحبوب والتمور والاخشاب والمواد الاخرى, من هذا الميناء واليه, والخانات العديدة التي تحيط به, كخان الباشا, وخان الدفتر دار, وخان التمر, والعادلية. * هناك بين حزمة من الدكاكين والازقة والاشياء .. توزعت خطانا, نبحث عن عوارض تشخص حياته .. فلا تزال المخيلة, تتفجر بالرؤى والصور, التي حزمت ضلوعها,وغمستها في اول زقاق يأخذنا اليه. كانت خطوتي الاولى في هذا السوق, عند الحاج حسن خضر الحميري, الذي ذكر لي انه كان يعمل في هذا السوق منذ منتصف الاربعينيات .. فقد تذكر هذا الشارع قائلا: ــ من الدلائل التي تشير الى قدم هذا الشارع, وجود قبر السيدة (عادلة خاتون) الذي لا يزال قائما حتى الآن, داخل بناية محكمة الاحوال الشخصية / الرصافة, التي تأسست سنة 1934 .. وكان الشارع في حينها عبارة عن مرسى ترسو فيه البواخر والسفن القادمة من البصرة, والمحملة بالذهب والاقمشة والمواد الغذائية, والبضائع الاخرى .. وشيئا فشيئا ومع مرور الزمن, اخذ الشارع صفته التجارية, وانتشرت فيه المحال المتخصصة ببيع الملابس والكماليات النسائية .. وكان يطلق عليه (سوق المستنصر) وبعدها (سوق البنات), لان البنات يأتين الى هذا السوق من كل مكان لشراء حاجاتهن (الكمالية) المختلفة .. وبعد ذلك تحول اسمه الى شارع النهر, كونه يقع قرب ضفة النهر. تفرعات متعددة للشارع امتدادات وتفرعات متعددة ومتداخلة .. وهو كائن ينزوي بين بيوتات حافظت على طابعها البغدادي الاثير, وخانات, ومقاه, وجوامع, .. تحيط به العمارات الكبيرة العالية .. وتغزله يوميا منذ الصباح الباكر آلاف الخطى والوجوه, وتسكنه حكايات تفيض بالاحداث والعادات والوقائع. وهو بين كل هذا .. يبقى سوقاً كبيرا تتجمع فيها انواع البضائع على تعدد اشكالها والحاجة فيه .. وفيه متاجر الحرف والصناعات شارع تسكنه اسواق عرفت بنوع السلع التي تباع فيها ... ولا سيما محلات صياغة الذهب والفضة, التي تقصدها العرائس قبل الزواج. * السيد طاهر عزيز الذي يعود تاريخ وجوده في هذا السوق الى عام 1939 .. حدثني عن السوق قائلا: ــ يمتد الشارع من جسر الشهداء وينتهي بجسر الاحرار .. حيث توجد وتنتشر هناك اسواق عديدة, من بينها سوق المصبغة .. حيث كان الناس والعاملون في السوق يصبغون الاقمشة والعباءات حتى عام ,1970 يتحول بعد ذلك الى سوق للاقمشة واغلب التي تباع فيه اقمشة رجالية. ويعتبر سوق النهر من الاماكن المهمة, حيث كان الوالي العثماني عبد الحميد باشا يرتاده عند ذهابه من مكان سكناه الى منطقة القشلة (مقره الرسمي) .. وكان السوق في السابق عبارة عن خانات لحفظ وخزن البضائع القادمة من البصرة . الا انه تحول مع مرور الايام الى سوق متخصص ببيع لوازم وادوات الخياطة والاقمشة بانواعها, ويؤمه الناس من كل مكان .. والى جانبه يقع سوق الخفافين (الساعاتي) حاليا .. يتوسطه مقهى وجامع يحملان الاسم ذاته (الخفافين) كانت اولى التسميات التي اطلقت عليه هي اسم سوق (الكمرك) لوقوعه على نهر دجلة .. ومن بعدها تحول الى سوق الخفافين, ومن ثم سوق (الساعجية) .. لان بيع وتصليح الساعات هي المهنة البارزة فيه .. وعلى الرغم من تطوير هذا الشارع عام 1990 .. الا انه فقد خصوصيته, وفقد رواده ومحبيه. * هذا ما قاله قمر محسن جواد الاعرجي ــ 57 سنة ــ والذي يعمل في هذا السوق ــ مصلحا للساعات ــ منذ كان عمره 12 سنة. سألته من السوق وتاريخه وطبيعة الاعمال فأجابني قائلا: ـ سوق الساعاتي كان سابقا يعرف بسوق الخفافين, كونه كان مختصا ببيع كل لوازم الاحذية والاخفاف الرجالية .. محلات وورش صغيرة تنتج ماتبيعه من الخف الرجالي . والخف الذي نتحدث عنه عبارة عن قطعة من الجلد (اصلي وسميك) وله وجه او غطاء مصنوع من خيط مغزول ابيض اللون, ينسج, ليكون قطعة عريضة واحدة ... وتعمل بطريقة زخرفية جميلة تحمل الطراز البغدادي . وبعد ردح من الزمن, اي قبل 150 سنة تقريبا, تحول هذا السوق الى مكان لتصليح الساعات . ولكن للتطور التكنولوجي وتعدد انواع الساعات وطبيعة صناعتها هجر اغلب العاملين مهنتهم فلم يبق منهم اليوم في هذا السوق غير ثلاثة عاملين, بينما كان السوق سابقا يضم اكثر من 22 محلا يشتغل بالمهنة المذكورة .. اما حال السوق اليوم فقد اختصت اغلب محلاته ببيع العباءة الرجالية والعقال والصاية البغدادية وبعض المحلات التي تمتهن الريافة, ويوجد في السوق جامع يعرف بجامع الخفافين الذي بنته زمرد خاتون, يتجاوز عمره الـ 800 سنة تقريبا. * وبانتقالة أخرى نجد انفسنا في سوق يسمى بـ (سوق المسكف) وهو سوق خلفي وملاصق لشارع او سوق الساعاتي (الخفافين) نلتقي بالحاج محمد البغدادي ــ 65 سنة ــ كي يحدثنا عن السوق, حيث بدأ حديثه قائلا: ـ يختص هذا السوق كما ترى ببيع الستائر, وكانت هذه الستائر سابقا تنسج وتصنع محليا اما اليوم فقد اصبح للوافد المستورد اثره في تشكيل وخياطة انواع الستائر المعروضة .. ومنشأ هذه الستائر الوافدة من ايران وتركيا وكوريا والصين وفرنسا وايطاليا. الستائر التي يختص بها السوق ذات نقوش متعددة, ومنها المقلم والاندلسي والمغربي والعباسي .. وهذه النقشات تعمل حسب طلب السوق العراقية وما تحبذه الذائقة المحلية, كما يختص هذا السوق بالدوشمة اي (تغليف الاثاث المنزلي) وادوات هذه (الدوشمة). * اما سوق البنات .. فعندما سمعت به وانا اتجه اليه . ظننت انني سأجد نفسي في شارع لا ترتاده الا البنات .. الا انه لم يكن كذلك, فهو سوق عادي تتجول فيه شرائح مختلفة من الناس .. هناك التقي السيد حيدر الحميري 35 سنة .. تحدث لي عن هذا السوق وسبب تسميته بسوق البنات . ولكن اين البنات؟ ــ شارع البنات, او سوق البنات, هو السوق الاصلي لشارع النهر .. ويبتدىء من منطقة المصبغة, وهي مكان يتعامل مع موجودات السوق, والمتمثل بصبـغ قماش الخـام او الخيوط او الغزول .. ولم يبـق من هــذا المكان سوى الاسم .. اما مكان اليوم فهو مجموعة محلات تختص بالحقائب النسائية والاكسسوارات وادوات الزينـة النسائية .. هذا السوق يختـص ببيع جميـع الملابس النسائية لمختلف الاعمار ومستلزمات اخرى تهتم بزينة المرأة وحاجاتها الجمالية .. وسمي بشارع البنات او سوق البنات, لانه لم تكن ترتاده الا البنات فقط, والمواد التي تعرض فيه جميع لوازم المرأة وحاجاتها بشكل عام .. وتقع في هذا الشارع المحكمة التي يتم فيها عقد الزواج .. وهو كذلك اضخم واكبر سوق من اسواق شارع النهر كلها. * ومن سوق البنات الى سوق آخر .. (السموأل) .. وهو شارع قديم عرف بحيويته التجارية .. ويختص ببيع الاقمشة الرجالية ذات المنشأ الاجنبي, وخصوصا القماش الانجليزي كونه افخر الانواع المتوفرة عالميا اما فوق هذه المحلات فتقع ورش خياطة البدلات الرجالية .. ويمتاز هذا السوق بارتفاع اسعار موجوداته من الاقمشة كونها اقمشة مستوردة. * وبين جامع عادلة خاتون والتكية والخالدية يقع (سوق المميز) وهو احد روافد سوق البنات المذكور, وسمي بهذا الاسم نسبة الى مالكته (ناهد توفيق المميز), التي كانت تعمل في منزل عادلة خاتون .. وتنتشر في هذا السوق محلات تختص ببيع الملابس النسائية الجاهزة فقط .. كما تقع فيه ورش ومحلات ومعامل لخياطة الملابس والبدلات النسائية التي تشكلت بانواع تكوينية مختلفة تتنوع حسب طلب السوق عليها .. ويعتبر هذا السوق المركز الرئيسي الذي يمول اسواق بغداد ومحافظات العراق بالملابس النسائية الجاهزة. حياة تنبع من الداخل, ثم تعتلي نشاطا يتلمس اطراف المدينة, ويتعداه الى العالم .. سوق يوزع (بركاته), ويصدر صناعته الى كل بيت . وازقة ضيقة تكاتفت بالتواءاتها, كي تشكل في كل ركن هناك اسما ينبع من نوع البضاعة التي تقتنى. هذا وسواه .. وهو مصير السوق الذي برزت قامته, وذاع صيته . معالم ونماذج وانماط, تتدلى على عتبات كل محل او ورشة ابتدعت مكانها .. فكان لكل عصر اثره وشواهده, وكان (شارعنا) ـ سوقاً ــ يدفع بتفاصيله, كي يكون بتشابك عروقه ملحمة عامرة بالحكايات.