بيان (2): بغداد ــ (البيان): كثير من الاماكن, التي تراصت اركانها في المدينة بغداد تشكل بتاريخها عنوانا مجيدا .. وتستحضر بهيئتها روح الفذاذة التي انغرزت في مجرى حياة تلك المدينة, حتى هذه اللحظة .. وعبر هذا التشكل الباقي, تصر المخيلة العراقية على حفظ نمط اثرها ودلالاته. وعلى ضفاف النهر (دجلة) تستمد (القشلة) انزواءها الأخاذ .. حيث الفضاء الرحب, ورذاذ ارتطام الشمس بلمعة النهر المتدافعة. هناك ـ اذ ينتسب المكان الى خصوبة زاخرة, وفيض رفيع يمنح النفس عذوبة وحكمة . هناك ــ تسترق الخطى معالم إرث تأسيس, كي يطلق مداه في رحابة التاريخ والزمان. هناك ــ نحث الخطى, ونقلب سيرة, ونقف على اطلال وثيقة طرية وخصبة. وانت تتجول في المنطقة المحصورة بين الشارع الذي يربط بين شارع الرشيد وجسر الشهداء من جهة .. وشارع الرشيد وشارع الرازي الذي يبدأ من قاعة الشعب وينتهي بمدينة الطب من جهة اخرى .. ترتسم في مخيلتك عشرات الافكار لمستقبل هذه المنطقة, وتسترجع ذاكرتك ما تعرفه عن تاريخ بغداد, كلما دخلت بناية آثارية فيها, او اجتزت زقاقا تشم فيه رائحة القدم. وتشكل (القشلة) اليوم مركزا سياحيا مهما, كونها موقعا آثاريا يجمع الكثير من الامور التي نشطت هذا الجانب .. فموقعها المتميز على نهر دجلة, والحدائق الزاهية الرحبة, اضافة الى الجانب الاساسي, الذي يمثل ان القشلة بناء اثري يحتوي على جوانب تاريخية ومعمارية فنية, لا يمكن تجاهلها. والى جانب (القشلة) تقع العديد من المواقع الاثرية المهمة مثل السراي, والقصر العباسي, والقلعة . وتقع الى شرق القشلة, بناية المحاكم التي بنيت عام ,1868 وسوق السراي وسوق السراجين .. والى شمال هذا الصف الآثاري الطويل, الذي يشكل الجانب المطل على دجلة من المنطقة .. تقع الخانات والبيوتات, التي يبرز في كل ركن منها طراز بغداد المعماري بكل مواصفاته الشامخة, وشناشيله الاخاذة. وفي المنطقة ايضا تشمخ جوامع تمتاز بفنونها المعمارية الرفيعة, ومنها جامع المرادية (1570م) . وجامع السراي 1690م .. وجامع الصدرية 1796م .. وجامع الاوزبك 1829م. المشتى * عن القشلة وموقعها وتاريخها, التقينا الدكتورة نجلة اسماعيل, اختصاص آثار عمارة اسلامية في مديرية الآثار والتراث ... والتي بدأت حديثها قائلة: ـ القشلة, لفظة تركية مأخوذة من (قشلاق) بمعنى المشتى .. ثم صار لفظ القشلة اصطلاحا, يطلق على ثكنة الجند, وقت تعسكرهم وعدم خروجهم للحرب في فصل الشتاء. تقع القشلة في جانب الرصافة من مدينة بغداد, في محلة السراي .. مقابل جامع السراي, وبجوار سوق المكتبات .. تشغل مساحة مستطيلة الشكل, تمتد على الضفة الشرقية لنهر دجلة والمبنى ضخم, وهو يلاصق مبنى السراي, وكان يستوعب عدة الاف من الجنود. كان الشروع في البناء عام 1278 هـ ــ 1861م على عهد الوالي نامق باشا الكبير, الذي حكم العراق مابين عام 1278 ــ 1284 هـ / 1861 ــ 1863م .. ذلك لاتخاذها معسكرا للجيش .. وفي عهده لم يكتمل البناء, فاكمله من بعده الوالي مدحت باشا 1285 ــ 1288 هـ / 1868 ــ 1871م حيث كان البناء, يتكون من طابق واحد . فاضاف له مدحت باشا مبان اخرى, منها طابق ثان من الغرف. وفي عام 1285 هـ / 1868م تم تشييد برج الساعة الكائن في وسط الساحة الداخلية للقشلة المطلة على نهر دجلة, لايقاظ الجند في الصباح .. وهو برج مجوف ارتفاعه 23م, يقوم على قاعدة مستطيلة, تبرز قمتها بشكل طبقات من الطنف المدرجة .. ويقوم فوقها بدن مستطيل اضيق واطول من بدن القاعدة, تتخلله نوافذ اقيمت للاضاءة والتهوية, وفي نهاية البدن تقوم ساعة ذات اربعة وجوه .. ويعلو الساعة بدن مكعب فتحت في جهاته الاربع نوافذ نافذة بعقد نصف دائري, وتتوج هذا البدن قبة مغلقة, نصبت اعلاها علامات للاتجاهات الجغرافية والرياح. * وتستطرد الدكتورة نجلة في حديثها عن القشلة قائلة: ــ يطل مبنى القشلة على نهر دجلة, بسور مشبك صنع من الحديد, يزيد من ترابط دعامات بنيت من الآجر .. وكان يتوسط هذه الواجهة مبنى جميل صغير هرمي الشكل, ومقر للجنود, لغرض حراسة هذا الجزء من القشلة. وكانت تشغل ساحة القشلة حديقة ذات اشجار باسقة تتصل بحديقة السراي, التي تبرز عنها بحوالي المترين . وكان يضم بناء القشلة سجنا للجنود الهاربين من الجندية, وبضمنهم الذين يرتكبون الجرائم, وهم تحت السلاح. احداث تاريخية * وعن الاحداث التاريخية التي شهدتها القشلة, تحدثت الدكتورة نجلة قائلة: ــ لقد جرت على بناء القشلة احداث تاريخية, منها عام 1916 رفع العلم البريطاني فوق برج الساعة بعد انتصار القوات البريطانية على الجيش العثماني, ودخولهم العراق بقيادة الجنرال مود. وفي عام 1921 توج الملك فيصل الاول في ساحة القشلة. وفي عام 1923 ولد المتحف العراقي في احدى غرف الطابق الاول من المبنى, وكان يحتوي على مجموعة صغيرة من المواد الاثرية, وعندما ضاقت الغرفة بالآثار نقل المتحف منها عام 1926. * اما المؤسسات التي شغلت مبنى القشلة فقد تحدثت عنها الدكتورة نجلة قائلة: ـ شغلت ابنية القشلة مؤسسات رسمية عديدة, ففي عام 1921 شغلته وزارة المالية ومديرية الاشغال العامة ومديرية البرق . وفي عام 1923 شغله المتحف العراقي .. اما في عام 1960 فقد شغلته دائرة طابو بغداد ــ الرصافة. وفي عام 1978 شغل مبنى القشلة من قبل المعهد القضائي, ومكتبة وزارة العدلية ووزارة المالية ــ الخزينة العامة, ورئاسة التفتيش العدلي, ومحافظة بغداد. اما اليوم فقد شغل مبنى القشلة (متحف الصمود والتحدي) الذي يضم صورا ومجسمات توثق تدمير البنى الارتكازية من منشآت وشواخص حضارية وثقافية وعمرانية اثناء حرب 1991 .. ويضم المتحف اضافة الى هذه الصور, صورا ومجسمات توثق البناء والتعمير الذي شيد بسواعد وعقول العراقيين. ثكنة (البيادة) * الاستاذ شريف يوسف شاركنا الحديث عن القشلة حيث قال: ــ في حكم الوالي نامق باشا تم تشييد العديد من المباني في بغداد .. منها السراي والقشلة, فجدد بناء السراي والقشلة, وكانت بناية ذات طابق واحد .. وعرفت بقشلة (البيادة) اي ثكنة الجنود المشاة. وفي عهد الوالي مدحت باشا, اكمل بناء القشلة, وبنى طابقا ثانيا لها من انقاض سور بغداد الشرقية الذي تم هدمه سنة 1870م .. وقد استعمل آجر السور ايضا في تعمير السراي وبناء برج عمل لساعة كبيرة وسط ساحة القشلة, لايقاظ الجنود, وهي لا تزال قائمة, وقد جددت قمتها بعد سقوط القمة القديمة منها. وبناية القشلة تتصل ببناية السراي من الضلع الجنوبي, مكونة بناية مستطيلة الشكل تتألف من طابقين, وتتوسطها ساحة داخلية تتصل بساحة السراي, وتمتد الى ضفة النهر حيث تتصل بها مسناة السراي ... والقشلة مبنية بالآجر ومطلية بالجص, مدخلها الرئيسي في وسط الضلع الشرقي, ولها مدخل آخر وسط الضلع الجنوبي مقابل بناية المحاكم الحالية .. وقد دعمت البناية من الداخل والخارج بابراج موزعة على مسافات متساوية وترتفع هذه الابراج الى طابق واحد فقط. اما الابراج الداخلية للقشلة فهي نصف اسطوانية مندمجة بالجدران .. تعلوها شرفات مسننة بارزة, تحصر بينها حنايا, وهذه الابراج تتصدر الرواق الذي يتقدم الغرف في الطابق الاسفل .. والذي يفتح على الساحة الداخلية, حيث يقوم هذا الرواق على هذه السلسلة من الابراج .. وتختلف الابراج الخارجية عن الابراج الداخلية في كونها مستطيلة الشكل, تتوجها شرفات مسننة بارزة مستطيلة الشكل, عقدت بينها حنايا مستطيلة ايضا .. اما الطابع الثاني فهو يشكل سلسلة نوافذ يتصدرها رواق مسقوف بسقف مسطح يفتح على الساحة الداخلية بسلسلة من النوافذ ايضا. وتبلغ مساحة الارض التي تشغلها بناية السراي والقشلة 250 X 50 مترا تمتد على الضفة الشرقية لنهر دجلة جنوب وزارة الدفاع في محلة السراي. ساعة القشلة تدق من جديد * وتقع ساعة القشلة وسط حديقة موفورة, وتشكل بموقعها على نهر دجلة مرفأ سياحيا راقيا .. وبقيت هذه الساعة لسنوات طويلة, هيكلا خاليا من الحياة .. حتى مجيء السيد (جنيد) وهو مصلح ساعات بارع, له محل خاص في تصليح الساعات في منطقة الفضل ببغداد يحمل اسمه .. حين تحدث لنا عن الساعة وحالها قائلا: ــ تعد ساعة القشلة, من أقدم ساعات بغداد .. ولهذا فهي تمثل اثرا مهما يجب المحافظة عليه وادامته .. وبحكم قدم هذه الساعة, وتأثرها بالعديد من الامور وعدم صيانتها .. اضافة الى تعرضها الى ارتجاجات قوية وفقدان اجزاء دقيقة منها, على اثر القصف والانفجارات التي تعرضت لها المنطقة ولمرات عديدة .. فقد تعطلت الساعة فترة طويلة. لقد عملت بكل جهدي على اعادة الحياة الى هذا الاثر المهم, فاصبح موضوع تصليح الساعة شغلي الشاغل وقضيتي الاولى ... حتى هذه اللحظة .. وعملت ليل نهار على توفير قطع الغيار التي تحطمت منها ... وبعد جهد جهيد استطعت تشغيل هذه الساعة بشكل دقيق .. وانا على اتصال دائم بها, وازورها في الاسبوع اكثر من ثلاث مرات, اتابع عملها اسمع دقاتها وانصرف.