بيان (2): استدعت وكالة الفضاء الامريكية (ناسا) مؤخرا ابعد مستكشف فضائي عن الارض حتى الان وهو المركبة بايونير وذلك بعد 25 عاما من تجوالها في الفضاء الخارجي وتبعد المركبة، الان اكثر من عشرة بلايين كيلومتر عن الشمس وهي مسافة شاسعة جدا لدرجة ان المعطيات التي ترسلها المركبة تصل الى الارض بعد اكثر من تسع ساعات من بثها بسرعة الضوء. والمثير للأسى ان (ناسا) لم تعد تتحمل نفقات الاستماع الى ترنيمة الاوزة التي ترددها بايونير ويشير فرد ديرث مدير مشاريع بايونير والذي كرس معظم حياته لمهمتها الفضائية الى ان المعطيات التي ارسلتها المركبة خلال عملها في غاية الاهمية ولا تقدر بثمن وقد انفقت (ناسا) سنويا نحو نصف مليون دولار وهي تكلفة توظيف المراقبين وتشغيل المركبة. وعلى اي حال اخذت طاقة المركبة تخور قبل ان تتلاشى وتلحق باختها بايونير (1) التي هوت قبل 4 اعوام. رحلة بارعة وعلى اي حال فإن استكشاف الفضاء خارج نظامنا الشمسي هو البداية فقط فهناك مركبتان آخريان اخترقتا النظام الشمسي في اعقاب بايونير وهما فوياجير (1) و (2) وقد وصلتا الى مدى ابعد من مدار بلوتو. وجهزت المركبتان بأجهزة افضل بكثير من سابقتهما واكثر تطورا ولديهما الطاقة الكافية للعمل في القرن الحادي والعشرين الجاري. وتعتبر مهام فوياجير من بين انجح المهام في تاريخ الرحلات الفضائية. ولاتزال المركبة ترسل المعلومات التي بدأت تغير من مفهوم العلماء للشمس والنظام الشمسي وموضعه في درب التبانة. وتوشك المركبة فوياجير (1) ان تحقق اكبر الاكتشافات الفضائية على الاطلاق ويعتقد الفلكيون ان المركبة على وشك الاصطدام بموجة تصادم عملاقة عند حافة النظام الشمسي وهي ناجمة عن حركة الشمس بين نجمين, ولم نشاهد هذه الموجة الملتوية والهائلة في السابق لكن استكشافها سيكون له تأثير كبير. والمعروف ان الموجة الملتوية تفصل النظام الشمسي عن بقية المجرة الشمسية, وقد تتمكن مركبتا فوياجير للمرة الاولى من تجميع عينات من المادة البدائية المتروكة من الانفجار الاعظم وذلك في سابقة تحدث للمرة الاولى وقد تكون الموجة حتما درعا واقيا ضخم الحجم يحمي النظام الشمسي من الدمار الناجم عن الاشعاعات الشمسية القوية وذلك بالطريقة نفسها التي يحمي فيها المجال المغناطيسي سطح الارض من الاشعاعات الضارة. والاكتشافات المدهشة ليست حدثا عارضا وجديدا بالنسبة لمركبتي بايونير وفوياجير ولا هي كذلك بالنسبة للعلماء الذين صنعوها والذين هم في العقد السادس من اعمارهم الان. فخلال عملها المميز اجرت هذه المركبات عمليات مسح فضائية محددة. وقد اطلقت بايونير (1) عام 1972 وفي ذلك الوقت لم تغامر اية مركبة فضائية بالسفر لأبعد من مدار المريخ وكان احتمال اعتراضها من قبل حزام الكويكبات مثبطا للعزائم. وتمكن العلماء من حساب مجموعة كتلة الحزام ولكنهم لم يعرفوا كيفية توزيعها وما اذا كانت مكونة من جزيئات صغيرة ام قطع كبيرة لذلك كان هناك احتمال كبير في تعرض المركبة للاصطدام والتحطم فأي اصطدام حتى بالجزيئات الدقيقة سوف تكون له عواقب وخيمة نظرا لأن الحطام ينطلق بسرعة 33 كيلومتر في الثانية بالنسبة للمركبة, وبقي العلماء على اعصابهم ولكن كما ظهر فيما بعد لم يكن هناك اي تأثير للحزام على المركبة. ولأن بايونير 10 عاشت لتروي لنا الحكاية استنتج العلماء ان حزام المذنبات نادرا ما كان يحتوي على قطع كبيرة من الحطام الفضائي, وهو اكتشاف مهد للقيام برحلات فضائية الى الكواكب مستقبلا. وعلى الفور ارسلت ناسا بايونير 11 لكي تدعم شقيقتها في مهامها. وقبل عملية الاطلاق بوقت قصير فكر فريق من علماء الرياضيات في احتمال تغيير وجهة المركبة المحددة عند اقترابها من المشتري بسبب كتلته الهائلة. في غضون ذلك اصبحت بايونير 10 اول مركبة فضائية تصل الى المشتري وخلال عملية التحليق المنخفض فوقه قامت بتحليل حقله المغناطيسي الهائل, والمعروف ان معظم الكواكب لديها مجالات مغناطيسية خاصة بها ونظرا لتداخل هذه المجالات مع الرياح الشمسية فانها تكون تجاويف شبيهة بالمذنبات حول الكواكب. وهذه التجاويف او الكرات المغناطيسية تحتجز الجزيئات المشحونة وتكسبها تسارعا هائلا ومتدفقا لتكون حلقات شعاعية حول الكوكب. وتثير الاحزمة الاشعاعية مشاكل كبيرة للمركبات الفضائية. فالمجال المغناطيسي الارضي مثلا يعطل الاجهزة الالكترونية على المركبة التي تمر عبره. اما احزمة المشتري المغناطيسية فهي اكثف بألف مرة من احزمة الارض. تشوشات اشعاعية على الرغم من تصميم بايونير 10 لتحمل مستوى مرتفع من الاشعاع الا ان فريق المراقبة لم يكن مستعدا للتطورات اللاحقة. وخلال مواجهة الاحزمة الاشعاعية سرعان ما تشبع راصدا الاشعاع على متن المركبة بمستوى غير عادي من الاشعاع وبدأ كمبيوتر المركبة يتلقى اوامر زائفة كما تعطلت احدى الكاميرات وعجزت عن التقاط صور مهمة لقمر المشتري (ايو). في ديسمبر 1973 مسحت بايونير 10 سحب المشتري بسرعة 37 كيلومترا في الثانية. والمشكلة الاسوأ التي واجهت المراقبين الجويين تمثلت باختفاء المركبة خلف الكوكب لأربع ساعات خلال اقصى اقتراب منه. لكنه سرعة المركبة الهائلة مكنتها من قضاء بضع ساعات فقط وسط الاحزمة الاشعاعية الكثيفة. وتمكنت من رسم خرائط لها مما مهد الطريق لمهمة فوياجير. وحققت مهام مركبتي بايونير نجاحا علميا مدويا. ولكن في عام ,1995 وبعد ان قطعت (بايونير 11) مسافة 6.6 بلايين كيلومتر بعيدا عن الشمس انقطع الاتصال بها عندما ابتعدت الارض عن مجال هوائيات المركبة. واقتربت موارد الطاقة فيها من النفاد بعد استنزافها وفشلت محاولة اولية لاصلاح جهاز الاستقبال فيها وتعزيزه, والان تنطلق هذه السفينة الشبح الخائرة القوى باتجاه الحيز بين النجمي بسرعة تبلغ في المتوسط 375 مليون كيلومتر سنويا. وعلى الرغم من ان بايونير 10 اقدم منها قليلا, الا ان مورد الطاقة فيها دام مفعوله فترة اطول. وتوفرت طاقة المركبة من خلال حرارة البالات الاشعاعية التي تولد الكهرباء. ولكن النشاط الاشعاعي فيها تحلل الان لمستويات غير ثابتة وهوت المركبة في اعماق الفضاء السحيق بسكون ولم تعد تتوفر لها سوى الطاقة اللازمة لتشغيل انظمتها الاساسية كالهوائي والكمبيوتر. ويتقاسم هذه الطاقة عداد الاشعة فوق البنفسجية وراصد الاشعة الكونية. ولاتزال هذه الاجهزة ترسل معطيات هامة للأرض, فجزيئات الهيدروجين في الحيز بين النجمي تعكس الاشعة فوق البنفسجية مما يحجب رؤية علماء الفلك للكون عند هذه الترددات. ويثار نقاش واسع في اوساط العلماء بشأن كمية الهيدروجين الموجودة هناك وقد وفرت القياسات الاولية لبايونير وجهة نظر فريدة في هذا الشأن. وسوف تقارن هذه المعطيات مع قياسات المركبة فوياجير المنطلقة في الاتجاه المعاكس. كما ان قياسات الاشعة الكونية عند هذه المسافة في غاية الاهمية ايضا نظرا لأن المجال المغناطيسي للشمس قد يحمي الارض من بعض هذه المقذوفات. وستساعد القياسات النهائية لبايونير على اظهار مدى اهمية تأثير هذا الحاجز.