انه عشاء غير عادي, شرائح بسماكة الورق من لحم السمك الشفاف النيء تلمع وهي مصفوفة بشكل لوالب على الطبق الموضوع امامك ومرتبة مثل بتلات الاقحوان, ضع شريحة باردة من سمك الـ (فوجو) سمك المنفخ ـ في فمك فتفتح شهيتك لواحد من اروع الاطعمة اليابانية ـ وواحد من اكثرها فتكا). وتناول ووجبة من هذا السمك السام هو درس ــ أو تجربة ـ في الانبهار الياباني الى درجة الهوس بالجمال والمتعة والموت. وليس هناك مكان افضل لهذا الاختبار من شيمونوسيكي, عاصمة العالم للفوجو بلا منازع. هذه المدينة تضج بالفوجو فأكثر من نصف كميات سمك المنفخ في اليابان يمر بسوقها الرئيسية, وأكثر من 500 من الخبراء في طهو الفوجو يعيشون فيها وصورة السمكة منقوشة حتى على الاغطية المعدنية لحفر قنوات الصرف والمجارير في المدينة. يقول تسوتومو شينودا, صاحب مطعم (شينودا) في وسط هذه المدينة الساحلية الواقعة على بعد 515 ميلا جنوب غرب طوكيو ان شيمونوسيكي هي المكان رقم واحد لكل من يعرف شيئا عن الفوجو. ومكانة شيمونوسيكي على صعيد الفوجو محفورة في التاريخ. فقد جاء ذكر الفوجو في أول تاريخ رسمي مكتوب لليابان ومنشور سنة 720م. وشيمونوسيكي هي على الدوام المركز التقليدي للفوجو. وفي أواخر القرن السادس عشر أدى حادث تسمم جماعي بين جنود محتشدين في المدينة استعدادا لغزو كوريا الى منع استهلاك هذه السمكة في جميع انحاء البلاد. ودام هذا المنع حوالي 200 سنة مع ان المسئولين يعتقدون ان الناس في شيمونوسيكي وأماكن اخرى ظلوا يأكلون الفوجو سرا وظل المنع ساريا حتى العام 1888, حيث الغي, كما جاء في الروايات المحلية, بعد ان تذوق اول رئيس وزراء ياباني, وكان اسمه هيروبومي ايتو الفوجو, ولم يمت, فأصدر قرارا بالغاء الحظر. والحقيقة ان تناول الفوجو اليوم أكثر سلامة مما كان قبل قرون. ولكن بعض الاشخاص لايزالون يدفعون اقصى ثمن, بأرواحهم, لإقدامهم على هذه المغامرة. ويحتوي مبيض وكبد وامعاء الفوجو على مادة تترودوتوكسين السامة الى درجة أن دائرة الاغذية والادوية الامريكية تقول إنها يمكن ان تؤدي الى (موت عنيف وسريع). وتبدأ المشكلة عادة بتنميل وتخدر بسيطين للشفتين واللسان وتنتهي بالشلل التام في كل الجسم. والسر في اعداد طبق الفوجو بسلام هو في إزالة الاعضاء السامة ازالة تامة. وفي شيمو نوسيكي يفترض في طهاة الفوجو ان يتدربوا لمدة ثلاث سنوات على ايدي استاذ تم اجتياز سلسلة من الامتحانات قبل الحصول على ترخيص لاعداد اطباق الفوجو. ويقول كونيتوشي ميناموتي, المسئول الصحي في البلدية ان اعداد الفوجو ليس سهلا ولذلك ينبغي اكتساب الخبرة بإشراف اشخاص مرخص لهم. ومع ذلك لم يبلغ فن اعداد اطباق الفوجو الى مستوى الكمال, اذ ان عشرات الاشخاص يصابون بالتسمم ويموت البعض منهم كل سنة. ولقد كانت سنة 1997 سنة شؤم بالنسبة لهواة اكل الفوجو. فمن بين ثمانية اشخاص ذهبوا ضحية التسمم في اليابان, مات ستة بسم الفوجو. وفي العام 1999 قتل سم الفوجو شخصين. وما من ريب في ان مواجهة الموت هو جزء من اغراء الفوجو. ويحضر الطبق عادة بشكل زهرة الاقحوان, وهي زهرة الجنائز الرسمية في البلاد. وبعض المغامرين مولعون برفع درجة الخطر الى حد التهام الاعضاء السامة ولكن بعد التخلص من السم. المسئولون في المدينة يحاولون استغلال حب (مغازلة الموت) فالكتيبات السياحية التي توزعها البلدية, لاتتردد في الاشارة الى انه (في الماضي كان تناول الفوجو مغامرة تنطوي على خطر الموت). إلا تعود لتطمئن الزوار الى ان طهاة الفوجو في المدينة يعملون تحت مراقبة دقيقة. ويعزو المسئولون معظم حوادث التسمم للإعداد غير المتقن, يقولون ان احتمالات الموت على مائدة الطعام ضئيلة. ان وجبة الفوجو هي مناسبة لارضاء الحواس. ففي مطعم (شينودا) يركع الضيوف على حصر القش, فيما تقوم نادلة ترتدي الكيمونو بتقديم مقبلات من سمك التونة والكالاماري, يتبعها طبق كبير من شرائح (ساشيمي) من الفوجو. ويلف الضيوف الشرائح على ساق البصل الأخضر ويغمسونها في صلصة الصويا والفلفل ويدفعون اللقمة دفعا الى افواههم. وبعد ذلك يأتي دور يخنة الفوجو المؤلفة من لحم السمكة على العظم والذي يجري طبخه امامك على المائدة في طنجرة من الفخار, ممزوجة مع الملفوف الصيني والسبانخ وقطع الطوفو وفطر الشيئيتاكي. وتستعمل بقية مرقة اليخنة لاعداد عصيدة ارز تنتهي بها الوجبة. ثم تأتي الفاتورة: اكبر طبق فوجو في مطعم شينودا (كيلو جرامان لخمسة اشخاص) يكلف 12000 ين او حوالي 110 دولارات. والوجبة الكاملة من الشرائح واليخنة والعصيدة يمكن ان تكلف 80 دولارا للشخص الواحد. وتتكفل البلدية بإرسال هدية فوجو سنويا الى العائلة المالكة اليابانية. ويقول الطهاة انهم لايغامرون بتنظيف سمكة الفوجو بانفسهم. وحتى مطعم شينودا نفسه يعترف بانه لم يقم بتنظيف سمكة فوجو بنفسه ابداً).