الامر الذي يريب هو الذي يجعل صاحبه في موضع الريبة والتهمة فيظن الناس به الظنون وهو الأمر الذي يثير في صاحبه الشك احق هو ام باطل, خطأ أم صواب .

ولهذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دع ما يريبك الى ما لا يريبك) ذلك لان من الامور ما يفعله الانسان بنية طيبة وقصد سليم ولكنه قد يثير الظنون ويبعث على التهمة ولو بغير حق .

ومثل هذه الامور يجب على العاقل ان يجنب نفسه هذه المواقف والا يستهين بأسبابها اعتمادا على حسن نيته وسلامة قصده حتى لا يلصق بنفسه تهمة هو منها بريء ولا يعرض غيره للوقوع في سوء الظن والاتهام الباطل .

قال صلى الله عليه وسلم: (رحم الله امرءا جبَّ الغيبة عن نفسه) أي قطع اسباب الغيبة وأغلق ابوابها بالبعد عن مواقف الريبة والظنون.

فهذا الموظف الذي يستقبل صاحب الحاجة بحفاوة بالغة ويظهر له من الاهتمام بأمره ما يتجاوز الحد المألوف ويتطوع لانجاز حاجته عند هذا أو ذاك من زملائه الموظفين قد يكون حسن القصد فيما يفعل وقد يكون على علم بشدة الحاجة عند هذا الانسان ولكنه قد يطلق بذلك علامات الاستفهام في انظار زملائه ويثير في نفوسهم الريبة والشك في دوافع هذه الحفاوة وهذا الاهتمام فإذا لم يكن على علم بشدة الحاجة عند هذا الانسان وليست له علاقة تبرر هذا السلوك أثار كذلك الريبة والشك في صاحب الحاجة وجعله يظن به الظنون.

وليس معنى هذا ان يمتنع الموظف عن حسن استقبال اصحاب الحاجة أو يتراخى في انجاز حاجتهم فإن هذا التصرف كالتصرف الاول كلاهما يتجاوز القصد وحد الاعتدال وحسب الموظف والعامل وكل من يرتبط عمله بمصالح الجماهير ان يؤدي واجبه كما ينبغي من معاملة طيبة للناس وانجاز للعمل في موعده وأداء هذا العمل على وجهه الصحيح دون تفرقة في هذا السلوك بين شخص وآخر .

إن فعل كل عامل ذلك وكان هذا هو السلوك العام بين العاملين لم يكن العامل في تصرفه الطيب هذا مع الناس موضع الظن والريبة ولم يجنح بعض اصحاب الحاجة الى الاساليب المنحرفة في قضاء حوائجهم وقد تكون ارملة جارك وبناته في حاجة الى من يرعى شئونهن ويقضي مصالحهن فتكثر من التردد عليهن لقضاء هذه المصالح وانت تستشعر بذلك حق جارك عليك في اهله ولكن هذا الموقف الكريم إذا تجاوز حدوده آثار حولك وحول هذه الاسرة كثيرا من الظنون فتسيء بذلك الى نفسك والى ارملة جارك وبناته من حيث تريد الاحسان.

على ان للامر وجها آخر يجدر ان يتدبره الانسان اذ كان موقعه في الطرف المقابل فكما يجب على الانسان ان ينأى بنفسه عن مواقف الريبة والظنون كذلك يجب ان يكون الانسان حسن الظن فيما يرى أو يسمع وألا يجري وراء الاوهام والشكوك او تأويل بعض التصرفات والمواقف بدوافع مريبة .

يقول الله تبارك وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض اظن إثم) وذلك حتى لا يقع الانسان في إثم كبير وقد تؤدي ظنونه الباطلة الى الحاق الاذى بمن اساء بهم الظنون والى اشاعة الفاحشة واشعال نار الفتنة بين الناس والظن يكون عادة صورة من نفس صاحبه فقد يرى الرجل موقفا بين اثنين فيحسن الظن بهما ولا يرى فيه الا شرا ذلك لان الاول طيب النفس سليم النية فذلك ينعكس على سلوكه وتصوره وظنه بالناس والآخر خبيث النفس مريض القلب فهو لا يرى في الناس ولا يظن بهم الا ما تعكسه نفسه الخبيثة وقلبه المريض من ظنون سيئة وأوهام سوداء.

ولقد توعد الله باللعنة والعذاب العظيم لامثال هؤلاء ممن يظنون ظن السوء ويفترون على الناس غير الحق فقال سبحانه: (ان الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم) وقال تعالى: (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا).

وهناك معنى آخر من معاني الريبة في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: (دع ما يريبك الى مالا يريبك) هذا المعنى هو الشك والحيرة بين امرين أيهما يأخذ الانسان وايهما يدع والميزان الذي يرجح كفة على أخرى في مثل هذا الموقف هو قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (الحلال بين والحرام بين وبينهما امور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في المشتبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك ان يواقعه الا وان لكل ملك حمى الا وان حمى الله في أرضه محارمه).

نعم الحلال بين والحرام بين كلاهما واضح تراه العين ويدركه العقل ويحسه القلب واذا واجهت الانسان امورا لا يعلم وجه الحق فيها تركها الى ما يعلم وابتعد بنفسه عن هذه الأمور المشتبهات لانه بذلك يصون دينه وعرضه اما اذا استهان بالامر وترك ما يعلم وتجاوز الحدود الواضحة الى ما وراء هذه الحدود فإنه قد لا يسلم من الوقوع في الخطأ والا ثم مثله في ذلك مثل راعي الغنم الذي يترك الكلأ المباح في الاودية والمراعي العامة ويحول بغنمه حول المزاع فلا يأمن ان تنزل بها غنمه ويقع بسبب ذلك في كثير من المشكلات.

فإذا واجهت موقفا كان عليك ان تختار فيه بين امرين فاعرض الامرين على قلبك واستمع الى دقاته إنه يعطيك الجواب الحاسم الصريح فما أطمأن اليه قلبك فهو الحق الذي ينبغي عليك اتباعه وان خالف هواك وما اضطرب منه قلبك فهو الباطل الذي يجب عليك اجتنابه وان هفت اليه نفسك. وبذلك تنأى بنفسك عن مواطن الريبة والظنون الى مواطن الحق واليقين.