في حوار لا تنقصه الصراحة أكد المفكر الألماني المسلم مراد هوفمان أن علاقة الغرب بالعالم الإسلامي يحكمها سوء الفهم المتبادل مع أن محطات التلاقي والتعاون كثيرة ومتنوعة كما حذر من تضاعف مشاعر السخط، والغضب نتيجة الاستمرار في تبني الغرب لسياسات معادية للإسلام والمسلمين مؤكداً أن الغرب هو الخاسر الأكبر من هذه السياسات العدوانية. ورحب الدكتور مراد هوفمان بمؤتمرات حوار الأديان التي تشهدها العواصم الغربية والعربية مؤكداً أنها فرصة جيدة يجب أن يستغلها المسلمون لتصحيح الصور المشوهة والمغلوطة التي لا تزال عالقة بأذهان كثير من المثقفين ورجال الأديان في الغرب عن الإسلام, ورفض التشكيك في هذه المؤتمرات دون أدلة أو براهين وطالب بضرورة التدقيق في العناصر الإسلامية الفاعلة التي تملك القدرة على الحوار مع الطرف الآخر. ورفض المفكر الألماني المسلم في حواره مع (البيان) عولمة الفكر والثقافة بالمفهوم الغربي للعولمة, وأكد أن الثقافة الإسلامية لها خصوصياتها التي يجب أن نحافظ عليها ولن يقبل العالم الإسلامي مهما تعرض لحملات من التغريب أن تلغى ثقافته وهويته وقال: إن الغربيين يحاولون فرض قوالبهم ونظمهم الفكرية والثقافية على الشعوب الأخرى تحت شعار العولمة. وأكد الدكتور هوفمان أن الإسلام سيظل البديل المثالي للمنظومة الفكرية والثقافية في الغرب ووصفه بأنه الدين الوحيد القادر على التعامل مع العقلية الغربية والقادر على هضم حضارة الغرب وتخليص المجتمعات الغربية من المتناقضات والأزمات الاجتماعية التي تعاني منها. وطالب الدكتور هوفمان بتحديث أساليب الدعوة الإسلامية وتوظيف الوسائل الحديثة وفي مقدمتها الأقمار الصناعية والإنترنت لنشر رسالة الإسلام في العالم والرد على الحملات الظالمة التي يتعرض لها الإسلام. وفيما يلي نص الحوار: تحسين صورة الإسلام ** البيان: بعد الجهود الكبيرة التي بذلت في السنوات الأخيرة لتحسين صورة الإسلام في الغرب سواء عن طريق نشر تعاليم الإسلام الصحيحة أو تصحيح المفاهيم المغلوطة, أو عن طريق حرص المسلمين على المشاركة في مؤتمرات ولقاءات حوار الأديان.. هل تغيرت صورة الإسلام الآن عند العقلية الأوروبية؟ وهل محاولات التلاقي المستمرة بين الغرب والعالم الإسلامي انعكست على المؤسسات الفكرية والثقافية الغربية التي تحرك مشاعر العداء والمواجهة للإسلام في نفوس الغربيين؟ * هوفمان: أنا اختلف معك في تقدير الجهود التي تبذل من قبل المسلمين سواء داخل العالم الإسلامي أو خارجه لتحسين صورة الإسلام في المجتمعات الغربية فلا تزال هذه الجهود دون المستوى المطلوب ولا تتناسب اطلاقاً مع حجم المواجهة وحملات التشويه والتضليل التي يتعرض لها الإسلام في المجتمعات الغربية, فالمسلمون يملكون الكثير من وسائل المواجهة سواء من الناحية المادية أو الفكرية لكنهم للأسف ينقصهم الولاء والانتماء للإسلام, بينما تصحيح صورة الإسلام في الغرب يجب أن تبدأ من داخل العالم الإسلامي فهناك الكثير من سوء فهم الإسلام بين المسلمين أنفسهم وهناك العديد من السلوكيات الخاطئة التي تنسب للإسلام في بلاد المسلمين وهذه السلوكيات والمفاهيم المغلوطة تتلقفها وسائل الإعلام الغربية وتضخمها ويتلقفها الكتاب والمفكرون الغربيون وتظل محوراً لكتاباتهم لفترات طويلة لكي يجسدوا الخطيئة في الإسلام وأقرب مثل على ذلك ما نسب لحركة طالبان في أفغانستان من حرمان المرأة من العمل والتعليم واجبار النساء والفتيات على تغطية وجوههن والصور التي تناقلتها وكالات الأنباء ومحطات التلفزة الغربية لبعض النسوة كانت منفرة لكل امرأة غربية تفكر في اعتناق الإسلام وتبحث لنفسها عن مخرج من الأزمة التي تعاني منها وأيضاً ما يحدث في الجزائر وفي صعيد مصر من عدوان وقتل للأبرياء وإلصاق كل هذه الجرائم بجماعات تحتمي تحت شعارات ومسميات إسلامية, كل ذلك يلقى اهتماماً واضحاً من وسائل الإعلام الغربية لكي تشوه صورة الإسلام خاصة وأن القوى السياسية والفكرية في الغرب لا تلتقي على شيء كما تلتقي على معاداة الإسلام, والكل يعرف سيطرة القوى الصهيونية على معظم وسائل الإعلام في أمريكا والمجتمعات الغربية. ومؤتمرات حوار الأديان التي أشرت إليها هي فرصة حقيقية لتصحيح صورة الإسلام خاصة في أوساط المثقفين والمفكرين الغربيين وقد أسعدني كثيراً دعوة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر لعدد كبير من السياسيين والمفكرين والكتاب الغربيين للمشاركة في مؤتمر إسلامي يتناول قضية الحوار الحضاري فمثل هذه اللقاءات إذا ما خطط لها بشكل جيد وطرحت القضايا والمشكلات عليها بموضوعية تحقق نتائج إيجابية, ومن واقع تجربتي الشخصية أؤكد لك أن الإسلام هو الدين الوحيد القادر على المواجهة الفكرية, ولذلك نحن لا نخشى على الإسلام من المواجهة, ولكن ما نخشاه أن يعرض البعض الإسلام بصورة منفرة وكريهة وغير مقنعة, ولذلك أنا اتفق مع العالم الكبير الشيخ محمد الغزالي ـ رحمه الله ـ في أن مشكلة الإسلام الآن تكمن في الذين يتحدثون عنه عن جهل وحماقة. مواقف سلبية ** البيان: لكن بعض العلماء والمفكرين الإسلاميين يشككون في مؤتمرات حوار الأديان ويعتبرونها وسيلة جديدة في مسلسل خداع العالم الإسلامي ويستندون في رؤيتهم إلى دلائل كثيرة في مقدمتها استمرار روح المواجهة للإسلام في الغرب على مستويات متعددة.. هل هناك ما يبرر هذه التخوفات؟ * هوفمان: أنا لا أشجع المواقف السلبية وإذا كان الغرب يخطط لتوظيف هذه المؤتمرات واللقاءات لتحقيق مصالحه واستمرار هيمنته الفكرية.. فلماذا لا نخطط نحن في العالم الإسلامي لتوظيفها لصالحنا؟ وعلينا أن نفترض في الآخرين حسن النية حتى يثبت لنا العكس, أما افتراض سوء النية من البداية فيقودنا إلى اتخاذ مواقف لا تحقق لنا هدفاً خاصة وأننا نعيش عصر الصراع الحضاري, لقد جلسنا مع كثير من رجال الدين والكتاب والمفكرين الغربيين وتحاورنا معهم حول موضوعات محددة وكانت هناك نقاط كثيرة أو محطات كثيرة للتلاقي, ومع استمرار الحوار تتضاعف فرص التلاقي والتفاهم.. فلماذا نضيع هذه الفرصة ونتبنى مواقف سلبية لن تخدم إسلامنا بقدر ما تضاعف من روح العداء والمواجهة للإسلام في الغرب؟ إنني أؤكد من واقع حبي وانتمائي لعقيدة الإسلام وغيرتي على كل ما ينتسب لهذا الدين العظيم أن المشكلة ليست في مشاركة المسلمين أو عدم مشاركتهم في حوارات الأديان, ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في بعض العناصر التي تتحدث باسم الإسلام في بعض هذه اللقاءات وهي غير مستعدة لذلك ولا تملك أدوات الحوار وليس لديها قدرة على المواجهة, وهذه مشكلتنا نحن وعلينا أن نعيد حساباتنا وندرس جيداً وسائل الاستفادة من هذه المؤتمرات وتوظيفها لصالح ديننا. سوء فهم متبادل ** البيان: نلاحظ أن هناك سوء فهم متبادل بين الغرب والعالم الإسلامي, فعندما نتحدث عن المجتمعات الغربية ونحللها نتجاهل القيم الإيجابية ونركز على السلبيات وفي مقدمتها التحلل الأخلاقي والتفكك الأسري وعندما يتحدث الغرب عن عالمنا الإسلامي لا يرى فيه إلا التخلف والجهل وتنامي جماعات الارهاب.. كيف تتخلص علاقة الغرب بالعالم الإسلامي من سوء الفهم والاتهامات المتبادلة؟ وهل تتوقعون مراحل حرجة قادمة في علاقة الغرب بالعالم الإسلامي؟ * هوفمان: ما تتحدث عنه صحيح إلى حد كبير, فأنتم في العالم الإسلامي لا ترون في الغرب إلا السلبيات مع أن هناك إيجابيات كثيرة العالم الإسلامي في أمس الحاجة إليها, ونحن لا ننكر هذه السلبيات ولا نصادر حق العلماء والدعاة المسلمين في التذكير بها والتحذير منها, لكن لا ينبغي أن تكون هذه السلبيات هي محور حديثنا عن الغرب, لأننا بذلك نربي أطفالنا وشبابنا على كراهية الغرب وحضارته مع أن واجبنا أن نكون موضوعيين عندما نتحدث عن أية ظاهرة أو عندما نحلل مكونات أي مجتمع, والغربيون كذلك لا يرون في العالم الإسلامي إلا الثروات الطبيعية التي هي مطمع دائم لهم, ومع أن العالم الإسلامي هي السوق الأكبر لمنتجات الغرب إلى جانب أنه المصدر الأول للمكونات الصناعية التي تقوم عليها الصناعة في الغرب فليس هناك مجال للتنافس بين الغرب والعالم الإسلامي, بل هناك كما قلت لك محطات للتلاقي والتعاون والتكامل والعلاقة التي يجب أن تحكم الطرفين هي علاقة المصلحة المتبادلة بعيداً عن الصراع, فقد فشل الاستعمار العسكري بعد أن استنزف الكثير من ثروات المسلمين, والشعوب الإسلامية لن تقبل استعماراً عسكرياً جديداً, وإذا ما تخلت بعض القوى الكبرى عن سياساتها المعادية لقضايا المسلمين وتخلت عن تبنيها لعدوان (إسرائيل) ولعبت أوروبا دوراً بارزاً وواضحاً في تحقيق السلام العادل والشامل بين العرب و (إسرائيل) فسوف تتحسن كثيراً العلاقة بين الغرب ممثلا في أمريكا والمجتمعات الغربية وبين دول العالم الإسلامي وبخاصة البلدان العربية, لكن إذا استمرت المواقف العدائية للإسلام والمسلمين فسوف يتنامى الشعور بالغضب والاضطهاد داخل العالم الإسلامي على المستوى الرسمي والشعبي وهنا قد تحدث مواجهة ومع أنها مواجهة غير متكافئة ولكننا نرى الآن الشباب الفلسطيني الأعزل يقدم أرواحه فداء لدينه ووطنه وقد تدفع مشاعر السخط والغضب المسلمين إلى مواقف جادة وحاسمة مع الأمريكان والغربيين وهذا ما أحذر منه دائماً في الغرب وهناك أصوات عاقلة تستمع إلينا جيداً وما نقوله محل دراسة وبحث في الغرب. الإسلام كبديل مرجعي ** البيان: منذ سنوات قدمتم الإسلام كبديل لحضارة الغرب المادية وقد حظي كتابكم الذي يحمل عنوان (الإسلام كبديل) مناقشات واسعة في الغرب وفي دول العالم الإسلامي.. هل مازلتم تعتقدون أن الإسلام هو البديل الأمثل للحضارة الغربية؟ * هوفمان: لم أقدم الإسلام كبديل عن الحضارة الغربية, لأن الإسلام لا يقف موقفاً عدائياً من هذه الحضارة, بل دوافع هذه الحضارة في حقيقتها دوافع إسلامية, لكن قدمت الإسلام كبديل مرجعي, فالمرجعية في الغرب لعقل الإنسان واجتهاداته الفكرية, وقد قادت هذه المرجعية المجتمعات الغربية إلى كثير من المتناقضات والمشكلات الداخلية والأزمات التي تتضاعف باستمرار وتظهر بوضوح في التفكك الأسري والانحلال الأخلاقي وما نتج عنه من أمراض فتاكة أصبح الغرب هو مصدرها الأول وأصبح المصدر الحقيقي لها, إلى جانب انتشار ظاهرة الإدمان وارتفاع معدلات الجريمة, وغير ذلك من النتائج المنطقية لأسلوب خاطئ في التفكير ساد المجتمعات الغربية منذ عصور التنوير وهو إعمال العقل في كل شيء, فالإنسان في الغرب هو مرجع كل شيء في هذا الكون, وعندما يكون هذا شأن الإنسان لابد أن يحدث التناقض الذي يعاني منه الغرب الآن. ولذلك أرى أن الإسلام يطرح نفسه كبديل مرجعي في الغرب وتتضاعف فرصته يوماً بعد يوم مع تضاعف المشكلات والأزمات التي يعاني منها المجتمع الغربي, ومازلت متفائلاً بأن الإسلام سيكسب مواقع جديدة خلال السنوات القادمة في المجتمعات الأوروبية. (عولمة).. مرفوضة ** البيان: من القضايا الشائكة المطروحة الآن على مائدة المفاوضات الفكرية والثقافية بين الغرب والعالم الإسلامي قضية (العولمة) حيث تختلف حولها وجهات النظر في العالم الإسلامي, من خلال رؤيتك كمفكر غربي مسلم.. هل تشكل العولمة في ميدان الفكر والثقافة خطراً على ثقافتنا وهويتنا الإسلامية؟ * هوفمان: ينبغي أن نتعامل مع هذه القضية بقدر أكبر من المرونة ولا ينبغي أن ننطلق في تعاملنا مع كل ما يأتي لنا من الغرب على أنه لا يخرج عن خطط الهيمنة والسيطرة على مجتمعاتنا سياسياً واقتصادياً وفكرياً وقضية العولمة لها أبعاد كثيرة سياسية واقتصادية قبل أن تكون فكرية وثقافية, وعندما تكون فكرة العولمة وسيلة للسيطرة والهيمنة لابد أن ترفض من المسلمين وغيرهم وهذا ما يحدث الآن على الصعيد السياسي عندما تقف معظم دول العالم الإسلامي موقفاً رافضاً من السياسات الأمريكية المعادية لمصالح وقضايا المسلمين, لكن على الصعيد الاقتصادي نجد سياسات تطبيق العولمة التي تقوم على أسس عادلة ترحيباً من الغالبية العظمى لدول العالم الإسلامي, وفي ميدان الفكر والثقافة ينبغي أن تكون هناك معايير محددة, لأن كل أمة لها هويتها وثقافتها, حتى المجتمعات الغربية التي تتشابه في قيمها وثقافتها وتحكمها حضارة واحدة تختلف في ثقافتها وتتعدد مشاربها الفكرية. ومشكلة الغربيين أنهم يتعاملون مع قضية العولمة بغطرسة شديدة ويحاولون فرض قوالبهم ونظمهم واطروحاتهم الفكرية والثقافية على بقية دول العالم بصورة فجة وهذا ما أؤكده دائماً للغربيين في لقاءاتي ومناقشاتي معهم, لكن لا يعني ذلك أن نقف موقفاً رافضاً من قضية العولمة, بل علينا أن نطرح تصوراتنا لكيفية التلاقي بين ثقافتنا والثقافات الأخرى, وعندما نتعامل مع الإسلام بموضوعية وحيدة فسوف نجد أنه ثقافة مثالية ومتوازنة, ولذلك عندما يقرأ عنه الإنسان الغربي دون وسطاء يجد أنه أقرب إلى عقله وفكره من أي عقيدة أخرى. لذلك أنا أنصح إخواني من العلماء والدعاة والمفكرين الإسلاميين ألا يقفوا من قضية العولمة موقف الرفض المطلق, فنحن نرفضها عندما يحاول دعاة العولمة فرض قوالبهم ونظمهم الفكرية والثقافية علينا, ونرحب بها كل الترحيب عندما تكون العولمة محطة للتلاقي بين الثقافة أو الحضارة الإسلامية والثقافة أو الحضارة الغربية, ومحطات التلاقي كثيرة ومتعددة, فمعظم القيم الإنسانية التي جاءت بها حضارة الغرب سبق إليها الإسلام والتفوق العلمي والحضاري الغربي هو في حقيقته صناعة إسلامية. قصور المؤسسات الإسلامية ** البيان: كيف تنظرون إلى نشاطات المؤسسات الإسلامية المنتشرة في أوروبا.. وهل هي كافية للتعبير عن رسالة الإسلام في هذه المجتمعات؟ * هوفمان: المؤسسات والجمعيات الإسلامية في أوروبا تقوم بدورها في حدود الإمكانات المتاحة, ولا ينبغي أن نحملها وحدها مسئولية القصور في نشر المفاهيم الإسلامية الصحيحة بين الغربيين أو تصحيح صورة الإسلام في هذه البلاد, وأنا أرى أن نشر رسالة الإسلام في الغرب يقع على عاتق المؤسسات والمنظمات الإسلامية الكبرى داخل العالم الإسلامي, ورغم أنني أعرف أن الأزهر الشريف يقوم بدور ورابطة العالم الإسلامي تقوم هي الأخرى بدور, لكن الجهود التي تبذل ليست على المستوى المطلوب ولابد من إعادة النظر فيما يقدم من دعم فكري وثقافي من قبل المؤسسات والمنظمات الإسلامية, وقد سعدت كثيراً عندما قرأت عن افتتاح أقسام بجامعة الأزهر لإعداد الدعاة القادرين على العمل في المجتمعات الأوروبية, فالعمل الإسلامي في أوروبا يفتقر إلى الداعية المتمكن من اللغة والثقافة الإسلامية وأسلوب التعامل مع العقلية الغربية, وهناك العديد من الدعاة المتميزين في أسلوبهم وثقافتهم داخل مجتمعاتهم لكنهم لا يملكون أدوات الحوار مع الغربيين وهؤلاء من الخطأ أن نغامر ونرسلهم للعمل الدعوي في أوروبا, أيضاً هناك العديد من السلبيات التي سبق أن حذرت منها في كتاباتي ومناقشاتي مع كثير من المسئولين في المؤسسات الإسلامية في العالم الإسلامي وفي أوروبا وهي فقدان التعاون, فكل جمعية أو هيئة أو منظمة تعمل وكأنها وحدها في الميدان, وقد تتعارض توجهات بعض الجمعيات أو المراكز الإسلامية في الغرب نتيجة بعض التوجهات السياسية للبلاد التي تنتمي إليها وهذه مشكلة كبيرة يعاني منها العمل الإسلامي في الغرب. إلى جانب كل ذلك نحن لا نستفيد من الوسائل الحديثة في نشر الإسلام فمازلنا حتى في الغرب نعتمد على وسائل تقليدية ولا نستفيد من الأقمار الصناعية وشبكة الإنترنت كما ينبغي ولذلك أؤكد أن الإسلام الآن في أمس الحاجة إلى تجديد أساليب الدعوة إليه وإذا كان إدراك عطاء الإسلام عملية تقوم على أساس الوعي بالذات وفهم العصر, فلابد أن يعتمد الإسلام في دعوته على أدوات العصر والأخذ بأسباب العلم, فنحن نظلم الإسلام عندما يظل انتشاره أمنية في قلوبنا, ونظلمه عندما نحصره في بعض مظاهر السلوك الفردي وطرق أداء الشعائر التعبدية, ونرتكب جريمة كبرى في حق الإسلام عندما نحصره في قضايا الخلافات المذهبية أو الكلامية, فالإسلام رسالة هداية وعمران, ومنهج دنيا وآخرة, وهو مع هذا وذاك دين المعاملة ومكارم الأخلاق, ومن أوجب الواجبات على العاملين في حقل الدعوة والفكر أن يجاهدوا القصور والعجز, ليس في إدراك مقاصد العطاء الإسلامي وغاياته فحسب, ولكن في تقديم هذا العطاء الإنساني المتميز إلى العالم. الإسلام والعقلية الغربية ** البيان: بعد إسلام هوفمان وجارودي.. لماذا لم نسمع عن مفكرين آخرين اعتنقوا الإسلام في الغرب رغم أنكما تؤكدان دائماً على أن الإسلام هو الدين الوحيد القادر على التعامل مع العقلية الغربية؟ * هوفمان: هذه حقيقة لا علاقة لها بعاطفتي الإسلامية, فالإسلام من واقع التجربة هو الدين الأمثل القادر على التعامل مع العقلية الغربية, ولذلك هو محل دراسة مستمرة في الغرب وهناك العديد من الكتاب والمفكرين الغربيين الذين يتحدثون ويكتبون عنه بموضوعية, وعدم إشهار إسلامهم يرجع إلى مواءمات سياسية, فأنت تعرف أن الشخص الذي يتجرأ ويشهر إسلامه في الغرب يواجه مضايقات كثيرة ولا يمكن أن تتركه وسائل الإعلام والثقافة الغربية وشأنه, وما حدث مع المفكر الفرنسي جارودي خير شاهد على ذلك, وما تعرضت له المستشرقة الألمانية الشهيرة (أنا ماري شمل) التي هوجمت هجوماً شديداً بسبب تعاطفها مع الإسلام وحديثها عنه بموضوعية يمثل حاجزاً نفسياً أمام الكثير من الكتاب والمفكرين في الغرب. لكن رغم ذلك فالإسلام يكسب مواقع جديدة كل يوم في الغرب, ليس على مستوى الكتاب والمثقفين فحسب, ولكن على مستوى الإنسان الغربي العادي وهذا ما يضاعف من تفاؤلي من أن الإسلام هو البديل المثالي لمنظومة الغرب الفكرية والثقافية.