بيان (2): في أحد الأفلام الأمريكية الحديثة قال الجنرال الضئيل الحجم: أعتقد أنني أشبه فيكتور ماتيور! وضحكت وحدي. وقبل أن أدرك ما أنه فيه, مال أحد أشخاص الفيلم على صاحبه وسأله: من فيكتور ماتيور؟ فرد عليه ساخرا: لا أعرف! وفوجئت أن كل الجالسين معي لا يعرفون فيكتور ماتيور الذي كان نجم النجوم في الخمسينيات والستينيات وقام ببطولة مجموعة من أشهر الأفلام التاريخية التي ربما تكون بدأت بفيلم (كوفاديس) ومرت بفيلم (الرداء) و(المصارعون) وغيرهما من كلاسيكيات السينما. وكان فيكتور ماتيور بعضلاته البارزة, وملامحه المختلفة مؤهلا لأدوار متميزة. ولولا انحيازنا كصبية لسراج منير ثم فريد شوقي لقلنا أنه أصلح الناس لدور عنترة بن شداد. وليس فيكتور ماتيور الوحيد الذي جهله الناس بعد أن كان ملء السمع والبصر, فهناك جريتا جاربو التي كُتب عنها لعقود طويلة مثلما كتب عن بونابرت والاسكندر وتشرشل. وعندما عرفنا الشاشة عرفنا معها أن جريتا جاربو هي أعظم ممثلات السينما, وظللنا نردد هذا رغم أننا لم نر أفلاما لها, فلقد كانت من نجمات السينما الصامتة. وفي ما بعد شاهدت لأول مرة فيلما قديما لجريتا جاربو, وجلست في حالة تصوف أرقب حلم السنين, فإذ بي أفاجأ بممثلة من الصعب عليها أن تزاحم يسرا أو ليلى علوي أو نجلاء فتحي. ولن أتحدث عن سعاد حسني. وصدمت صدمة هائلة. وفكرت فورا في اسم آخر هو سارة برنار التي وعينا على الحياة ونحن نعرف أنها أعظم ممثلات المسرح. الخديعة هنا أكبر. جريتا جاربو لها أفلام, أما سارة برنار فليس لها إلا صور فوتوغرافية. لكننا منذ أن بدأنا نقرأ ونحن نعرف أن سارة برنار ممثلة بلا نظير. وأن فلانا عندما شاهدها تمثل على المسرح فعل هذا أو قال هذا وأنه من الظلم أن نطلب من أية ممثلة مهما أجادت أن تقف الى جوار سارة العظيمة. وقرأنا أنها زارت مصر في الثلاثينيات وأنها شاهدت فاطمة رشدي على المسرح, فأثنت عليها. ومن يومها وفاطمة رشدي تعرف بسارة برنار الشرق, وكان هناك هوس بالنموذج الأوروبي منذ أن أطلق على يعقوب صنوع (موليير مصر) وقال يعقوب صنوع أن الخديو اسماعيل أطلق عليه الاسم, وصدقنا هذا سنوات طويلة حتى بدأنا نشك في صدق يعقوب صنوع في هذا وفي غيره. ولقد قابلت فاطمة رشدي منذ سنوات وقبل وفاتها سألتها عن قصة سارة برنار, فأخذت تحكي قصصا لا تصدق عن اعجاب سارة برنار بها, وأكدت أنها ممثلة لا يشق لها غبار. فلما سألتها هل شاهدتها تمثل على المسرح نفت هذا. وبمناسبة فاطمة رشدي كان لقائي بها بمناسبة تكريمها, والاستعداد لهذا, وعرضت أن أدعوها والذين يعدون لتكريمها في أي مكان, فاقترحت فندق (شبرد) وطلبت نوعا معينا من (الأيس كريم) وأدركت أنها تعود بذاكرتها الى الماضي. وفعلا حكت كيف كانت تأتي هنا منذ أكثر من نصف قرن. وأنها كانت تتناول نفس الحلوى, وكان لها مذاق لا ينسى. وراقبت فاطمة رشدي وهي تتذوق الحلوى, وأحسست بخيبة أملها. فالمذاق لم يعد نفس المذاق. وكدت أقول لها أن الدنيا تغيرت. وأن الأشياء تبدو جميلة في زمن ما, فاذا مضى الزمن تغيرت الأمور. ولكن فاطمة رشدي لم تعطني حتى الفرصة لأن أهم بذلك, فلقد أبدت اعجابا كاذبا بما أكلت. كانت متأنقة غاية الأناقة, تحت مكياج ثقيل. وكانت تتلفت حولها بحثا عن نظرات المعجبين, كأنها قبل نصف قرن. وعندما انصرفنا ورأت أنني الذي دفعت حساب ما أخذنا, وضعت ذراعها حول ذراعي, وهكذا مشينا, وأنا فخور باصطحاب ثمانين عاما! أليس من حقي أن أشك في سارة برنار وفي كاروزو أعظم مغني الأوبرا طالما أنني لم أرهما ولم أسمعهما. وربما كانا مثل جريتا جاربو مجرد وهم. ولا أظنه وهما كام لا. ففي الفترة التي عملت فيها جريتا جاربو, كان الناس مجانين بحبهم لها. إذن لكل زمان نجد الذين يحبونهم, فاذا مضى الزمن توارت نجومه مع الأيام. وبالطبع يصنع الزمن نجومه حتى لو قاوم القادرون ذلك. ولكن هل القادرون أن يصنعوا نجوما للزمن؟ الإجابة على هذا السؤال في قصة أو مسرحية أو تمثيلية قرأتها في الصبا الباكر, ولا أنساها وإن كنت أنسى اين قرأتها ولا كيف قرأتها. إنه واحد من أصحاب المليارات في الولايات المتحدة لسبب ما قرر أن يرشح قطة لرئاسة الجمهورية, لا تندهش, فهذه هي القصة. ولنقل أنه أسمى قطه (آدم سميث) فأخذ ينشر الأخبار عنه في كل وسائل الاعلام. آدم سميث يتبرع بكذا مليون لأعمال البر. آدم سميث كسب سباق الزوارق في الشاطئ الغربي, آدم سميث يعترض على القانون الفلاني. وهكذا أصبح آدم سميث نجم النجوم. فرشحه لرئاسة الجمهورية. ولأن هذه الأمور معقدة في الولايات المتحدة. فكان لابد لمستر آدم سميث أن يقيم مؤتمرا صحفيا. وفي المؤتمر الصحفي قدم الملياردير الماجن قطه ليتحدث الى الناس. كان ذلك ولم يكن الاعلام قد غطى بمظلته ما غطاه الآن, فحتى حوادث السرقة والقتل تتم أمام شاشات التلفزيون. ومنذ وقت قريب كان الدليل في محاكمة بعض رجال الشرطة في أمريكا في قضية عنصرية شريط فيديو التقطه أحد المواطنين. ولقد رأيت بنفسي شريطا لممرضة تعذب عجوزا مريضة. فحتى لو تخليت عن جنسك وأصبحت أنثى, وأمتهنت التمريض, ووجدت سيدة عجوزا وعن لك أن تعذبها, ستجد من يصورك. ولم يكن الملياردير الماجن وحيدا في فنه.. فهناك عامل مصري مجهول في الأربعينيات كان يصنع التماثيل الرخيصة ليقايض عليها أصحاب المصنع بالزجاجات الفارغة, وكان هناك أزمة في صناعة الزجاج. هذا العامل المجهول صنع تمثالا لسميحة, ولا أحد يعرف سميحة هذه. ولعله كان محبا لها. وصنع أيضا تمثالا لمنولوجست ناشئ آنئذ هو محمود شكوكو, ربما كان جاره, أو صديقه, أو كان معجبا به, فاذ بالمنولوجست الجديد في يوم وليلة أشهر من تشرشل. فإذا كان عامل مجهول قادر على صناعة نجم فالأمر أيسر على جهات تصنع النجوم في كل مجالات الحياة. بل تستطيع أنت أن تصنع من نفسك نجما لو أردت. أعرف (كاتبا) لم يكن في بداياته كاتبا ولم يخطر على باله أن يكون كذلك. لكنه بحثا عن الشهرة قرر أن يكون كاتبا. ولما كان ثريا استعان بأحد صغار الكتاب. ولم يكن هذا الصغير أمينا معه, فجمع له قصصا من مجموعات قديمة. فلما صدر لصاحبنا كتابه الأول. هاجمه أحدهم بأنه سرق (قصة) من فلان فرد عليه بجملة قوية من نوعية أن هذا صوت كارهي النجاح. ولما انتهت الحملة كان صاحبنا كاتبا مشهورا. صناعة النجوم قد تشغلك وقد تشغلني, ولكن ما يشغلني أكثر هو انطفاء وهج النجوم. منذ سنوات قليلة عدت الى الاذاعة بكتابة مسلسل في شهر رمضان. ولسبب ما كنت أتكلم معهم تليفونيا وإذ بي أسمع في الخلفية صوت أحدهم يتحدث عن مسلسل لكاتب آخر يريدون وضعه على الخريطة, فقال عن الكاتب: من هذا؟ إذا لم يعجبه الموعد إلق بالكاتب ومسلسله في سلة المهملات. وكان الكاتب نجما من نجوم الستينيات والسبعينيات. منه تعلمت الكثير. وأعرف أنه أفضل الكتاب. وضعت سماعة التليفون وبكيت. ليس على استاذنا فقط, ولكن علينا عندما تلقي بنا أجيال أخرى في سلة المهملات!