بيان (2): المبنى الجديد لجمارك دبي عند مدخل ميناء راشد بدبي يحمل بين جوانحه حكاية لابد ان تروى للاجيال فهو الى جانب تدشينه وافتتاحه بمناسبة مرور مئة عام على انشاء الدائرة الاقدم ، على المستوى المحلي يجيء مواكبا لمسيرة العطاء التي قدمتها في خدمة المجتمع والجمهور اذ مارست دورا رئيسيا كمصدر للدخل في الامارة, وكثيرا ما ارتبط ديوان الحاكم باسم الفرضة .. الاسم القديم للجمارك حيث اتخذ المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم منها مقرا رسميا للحكم في كثير من الاحيان وشهد موقعها القديم المطل على خور دبي توقيع اتفاقيات انشاء الموانئ والمطار والجسور ومشاريع البنية التحتية اضافة الى اشرافها على تنظيم وادارة حركة البضائع ودخول وخروج السفن من والى خور دبي. وهنا نلقي الضوء على جانب من الدور الذي لعبته الدائرة في خدمة الامارة وفلسفة مبناها قديما وحديثا وسر ارتباطه بالبحر, وذلك نقلا عن مجلة المنافذ التي تصدرها الدائرة لنقف عند محطة من مسيرتها التي تشكل نقطة متقدمة نحو الغد, ومنها يمكن الوقوف قليلا لنتأمل تجربة الماضي الممتدة عبر قرن من الزمان, لاستلهام الدروس والعبر التي تشكل زادا حقيقيا في رحلة قوامها تحقيق المزيد من المنجزات واستشراف افاق المستقبل واستباق مواقف اليوم بحلول تنتمي الى عالم الغد. والحقيقة الاولى التي تبرز هنا تضرب جذورها في الدور الكبير والكلمة وبعد نظر المغفور له الشيخ راشد بن سعيد ال مكتوم في تفعيل واثراء نشاط (الفرضة) والعمل الجمركي في الامارات بوجه عام ودبي بوجه خاص من خلال الجهد الدؤوب والمستمر الذي شهده مكتبه في الطابق الاول من مبنى الفرضة المطل على خور دبي والذي كان يقع غير بعيد من بيته الشتوي. ومن هذا المكتب وعبر المنهاج شبه الرسمي الذي اتبعه الشيخ راشد, حيث كان يتيح تجاوز كل الرسميات اذا كان ذلك في صالح الانجاز وخدمة العمل العام وتطوير الامارة, وعبره كانت تتم عملية المتابعة اليومية لشئون الاستيراد والتصدير واستقبال التجار سواء من ابناء البلاد او رجال الاعمال الزائرين. ويوما بعد يوم ومنذ الثلاثينيات على وجه التقريب, ولكن بصفة خاصة مع توليه مقاليد الحكم في دبي عام ,1958 تتابعت توجيهاته التي كان لها اكبر الاثر في تشكيل قاعدة معالم مستقبل دبي. واطلالة مبنى الفرضة على خور دبي. يجسد في واقع الامر الدور الكبير للجمارك في التأثير في حياة دبي او اختلاف ذلك المكان مع توجيهات المغفور له الشيخ راشد المقرونة باهتمامه التاريخي الكبير بتوفير التسهيلات للتجارة وللنشاط الاقتصادي. ومن هنا جاء قيامه باعفاء السلع والخدمات التي يرى انها تصب في تنمية الامارة وتحديثها, ومن هنا ايضا جاءت المراوحة خفضا وزيادة في الجمارك بما يخدم واقع الامارة الاقتصادي, وعليه توالت عمليات التنظيم والتوجيه والتطوير التي كانت متقدمة بمعايير عصرها ومكانها, والتي تحولت الى اساس راسخ للتقليد الذي تعتمده دبي اليوم وهي ان تستبق عصرها وتترك دائما مسافة سبق كبيرة تفصلها عن اقرب المنافسين اليها. وهناك مجموعة من الحقائق الهامة التي توضح مدى قوة الارتباط بين ماضي الجمارك في دبي وحاضرها ومستقبلها, وكيف ان هذا كله يشكل في حقيقة الامر مسيرة ممتدة على الطريق الطويل الى المستقبل ونحو الانجاز وباتجاه السبق الدائم للآخرين, وهذه الحقائق يمكن تأملها عبر النقاط التالية: ان موقع دبي يعكس تجسيدا لعبقرية مكان يشكل جسرا مميزا بين الشرق والغرب, بين شبه الجزيرة العربية وهضبة وسط اسيا, ومنذ القديم كان الخور الحيوي الممتد بطول 18 كيلومترا تقريبا من مدخله الى نهايته يشكل محط انظار واهتمام التجار ونشاطهم وليس من قبيل الصدفة ان يستقطب الاهتمام التجاري الكبير الذي حظيت به خاصة بعد ان انتقلت الى جماعات تجارية بارزة من ارجاء المنطقة. وعلى وجه التحديد من تجار مدينة لنجة الايرانية ورجال اعمالها وكان هذا كله موعدا مع السياسة التجارية التي اتبعها الشيخ مكتوم بن حشر حيث تسارعت وتيرة الحياة التجارية لتصل الى درجة متقدمة من النمو والازدهار الاقتصادي. شهدت هذه المرحلة اهتماما كبيرا بالتجارة والتجار حيث قام الشيخ مكتوم بن حشر ببناء الاسواق في ديرة وبر دبي وتم تسقيف معظمها بالسعف مما فتح المجال امام الحركة التجارية ونشاط التجار محليا واتساع نطاق الاستيراد والتصدير من والى باكستان والهند وافريقيا وعدن وايران وعمان وغيرها من المناطق. شمل هذا الاهتمام نظام الجمارك في ذلك الوقت بتطويره بما يعكس ظروف الزمان والمكان, ومن هنا جاءت المرونة في رفع نسبة الجمارك وخفضها حسب احتياجات الحياة التجارية وتطوير اسلوب التفتيش الجمركي وانهاء اجراءات البضائع للسفن المغادرة والقادمة والامكنة التي يتم فيها ذلك وما تستلمه السفن من اوراق تحتوي مضمون التفتيش لضمان تحصيل التعرفة الدقيقة ومنع دخول البضائع الممنوعة, وجرى تنظيم الاختصاص بدقة بين ادارة الجمارك في ديرة وفرضة بر دبي الى ان تم توحيدها معا في ادارة واحدة. يلاحظ ان الادارة في تلك المرحلة كانت عبارة عن غرفة في منطقة سوق ديرة كانت تستعمل للجمارك سابقا وتختص بتسجيل البضائع الصادرة والواردة الى دبي, وكان هناك كتبة يذهبون الى الفرضة ببر دبي ليسجلوا هذه البضائع في اوراقهم ثم يعودون لتسجيلها في الادارة, وكانت الجمارك تحتسب على الصادرات في حدود 5.2% وعلى الواردات بنسبة اكبر قليلا, اما فرضة بر دبي فهي عبارة عن مكان لتنزيل البضائع واحتساب الجمارك عليها, وفي عام 1938 انشئت ادارة جمركية عامة في الفرضة وجعلت ادارة ديرة تابعة لها. وفي هذا الاطار تم حصر اختصاص ادارة ديرة في الواردات عن طريق البر وبعض البضائع البسيطة الواردة بحرا من ايران وافريقيا وغيرهما, اما الفرضة فكانت تختص بجمارك بضائع السفن الكبيرة التي لم يكن بوسعها دخول الخور فكانت ترسو خارجه ويستعان بـ (الدوب) و (التشاشيل) في ايصال حمولتها الى البلاد, فيتم انزال البضائع على الفرضة وتحصل عليها الجمارك. بعد عام 1939 بدأت الصلاحيات الجمركية لادارة ديرة في التقليص وراحت صلاحيات الفرضة تتوسع. اذا شئنا نوعا من المقارنة ذات البعد الرمزي بين مبنى الفرضة التاريخي وبين المبنى الجديد لدائرة جمارك دبي لاحظنا على الفور مجموعة من الدلالات المهمة التي من المؤكد انها ليست وليدة الصدفة وتستحق الكثير من التأمل.