بيان (2): في الصباح.. تأمل الرجل زوجته النائمة وأولاده النحيلين النائمين. ثم ذهب الى جيبي بنطاله وقلبهما على كل الوجوه والاحتمالات وتركهما يرفان الى جواره مثل جناحين. حين اتم الرجل ارتداء ملابسه. جلس في زاوية الغرفة وبدأ بكتابة وصاياه ثم نهض ومضى. وبعد زمن لا يعرف احد عدته ومواقيته.. وقع قرع عنيف على الباب. فنهضت الزوجة من نومها متثاقلة.. ومضت الى الباب وفتحته وتثاءبت في وجه احد الشرطيين الواقفين وفركت عينها في وجه الشرطي الاخر وظلت تفرك حتى التمعت في وجهها الشرائط والازرار فارتعدت من المفاجأة.. وسألت عن الاسباب, فقال لها الشرطي الادنى: هل انت زوجة السيد عبدالسميع الاشعث. فقالت الزوجة: ان كان ارتكب خطأ فادحا فلست زوجته وان كان وقع على كنز فأنا هي. فقال الشرطي: لم يفعل هذه ولا تلك.. وقد جئناك لتذهبي معنا وتتعرفي على جثته. فشهقت الزوجة من المفاجأة وقالت: وهل يحق للزوج ان يترك زوجته وأولاده ويتحول الى جثة؟! قال احد الشرطيين: من حق الزوج ان يفعل ما يشاء.. ومن واجب الزوجة ان تتعرف على جثة زوجها. قالت الزوجة: لقد تعرفت على جثته من زمان طويل.. فاذهبوا اليه وتعرفوا عليه دوني. قال الشرطي: واجبنا ان نتعرف على الاحياء حتى لا يفلتوا منا اما الجثث فلا يهمنا ان نتعرف عليها لأنها افلتت منا. فاذهبي معنا حتى لا نتهمك بالتهاون والعرقلة. بعد ان توضحت الامور للزوجة بلعت ريقها وذهبت الى المشجب المجاور للباب وارتدت ما تيسر لها من ثياب.. ومضت مع الشرطيين الى المشرحة. وكانت المشرحة تعيش ازهى ايامها.. لم يكن انقطاع الكهرباء هو المشكلة. ولا الخلل في اجهزة التبريد والتكييف. المشكلة في غياب الجليد.. لذلك تلونت الجثة وتفاقمت كدماتها واحتدمت فيها الظلال والالوان. عندما اقتربت الزوجة من الجثة وتأملتها.. اضطربت نظراتها وخياراتها, في الوهلة الأولى قالت الجثة زوجي.. لكنها في الوهلة الثانية قالت: لا يمكن لهذه الجثة ان تكون زوجي. فقال احد الشرطيين: أليس الرجل الغائب زوجك ووالد اولادك؟ قالت الزوجة: نعم ـ فكيف تخطئين في تحديد ملامحه وهويته, الم تكن بينكم مودّة ورحمة؟ ـ كانت بيننا في ايامنا الأولى رحمة ومودة, ولم تكن جثته حينها على هذه الصورة من التورم والزرقة, لذلك يحق لي ان انكر جثته. ـ ولماذا؟.. سأل الشرطي بغضب. قالت الزوجة: ربما. ربما اذا انكرت موته وجثته يظل في ذاكرتي حيا.. وقد يخطر بباله ان يعود اليّ في احد الايام. ـ قال الشرطي الثاني: لماذا تبكين يا مدام؟ قالت الزوجة: الموت يجعلنا نحب اعداءنا.. لذلك تذكرت زوجي وبكيت لغيابه. قال الشرطي الاول: الا توجد في جسده علامة فارقة تذكرك به وبأيامه؟ (فترددت الزوجة) وقالت: توجد شامة في اعلى فخذه.. وعلى الشامة شعرات غلاظ.. كان زوجي يزيلها بالملقط وظل على ذلك حتى تورمت الشامة وازرقت حوافها, فأنزلوا لي طرف بنطاله.. لأتبينها. فقام الشرطيان مشكورين.. بازاحة البنطال من اعلى فخذ الجثة الى الركبة. عند ذلك بدت الشامة المتورمة للزوجة وقد اضطربت حوافها, وتحولت من السواد الباهر الى الزرقة الغامضة. حين تأملت الزوجة الجسد المسجى قالت: قد تكون الشامة شامته ولكن الجثة ليست جثته. فاضطرب الشرطيان.. ورفعا طرف البنطال بعصبية, ثم تجرأ الشرطي صاحب الازرار الباهتة وقال: ـ الكائنات علامات ولابد من وضعك رهن الاعتقال حتى تتذكري لنا علامة ثانية. قالت الزوجة: توجد لزوجي علامات كثيرة, ثم بدأت تعدد للشرطيين علامات عامة لا تنفع العدالة ولا الجثث المستغربة. فقالت: توجد لزوجي السابق ساقان وكفان وذراعان وانف واحد.. وله فردتي حذاء متسختين على جلد غامق متغضن, فركض الشرطيان الى القدمين, فلم يجدا حذاء للجثة. فقال الشرطي الادنى: هل خرج زوجك حافيا من البيت يا مدام.. اذ لا يعقل ان يقوم احد مواطنينا بسرقة حذاء كان على جثة. ثم التفت الشرطي المجاور للجدار وصاح: اننا لا نبحث عن علامات عامة تخص الناس جميعا.. وانما نبحث عن علامة فارقة تخص زوجك دون سواه. قالت الزوجة: تذكرت.. توجد قرب عين زوجي علامة لا توجد على رجل غيره. قال الشرطيان بحرقة وتعجل: وما هي هذه العلامة يا مدام؟ قالت الزوجة: يحس الناظر الى زوجي بوجود دمعة قديمة جافة على طرف عينه اليسرى. فقال الشرطي المناوب: هل كان زوجك من النوع العاطفي. وهل كان يميل للبكاء في المواسم والنكبات؟ قالت الزوجة: ابدا.. وانا لم المح له خلال حياتنا المضطربة سوى هذه الدمعة القديمة الجافة التي لا بريق لها ولا رطوبة. عندما ذهب الشرطيان الى الجثة وتفقدا الوجه والعينين المتورمتين. لمحت الزوجة دموعا متتالية تنز من احدى العينين.. وعندما مد الشرطي المجاور اصبعه الى حافة دموع الجثة.. اعادها وقد تغطت بالماء والبريق. فنظر الى وجه الزوجة وقال: ـ ايمكن للدموع الحية ان تتفصد من عيني جثة ميتة؟ وكان الموقف صعبا والزوجة واجمة.. ثم اقتربت من الطرف الباكي من الجثة وغمست سبابتها وقالت: ـ عندما يتمكن الزوج من اخفاء دموعه عن زوجته خلال زواجه.. فلابد وانه اخفى عنها مشاعر كثيرة اخرى.. لقد كان زوجي صامتا وبعيدا عني.. وقد دفعني هذا كله.. للقلق والبدانة.. عندما تأمل الشرطي جسده وجسد رفيقه.. احس بالتضامن مع المرأة فقال لها: ـ رجال الشرطة يشعرون بالغضب الشديد والبدانة.. عندما ينجح المواطن باخفاء دموعه طوال حياته.. ثم وبغفلة عن الرقابة.. ينفجر بالبكاء بعد ان يتحول الى جثة.. قال الشرطي الاخر للمرأة: انظري الى الجثة ودموعها الرطبة التي ترى.. الا تذكرك بزوجك السابق ودمعته الجافة التي لا ترى؟ فقالت الزوجة: وكيف لعين رطبة ان تذكّر بعين جافة.. انني اعلن امام هذه الجثة التي بدأت احبها, وامامكما كشرطيين لم اعد قادرة على فهمهما.. بأن زوجي شيء اخر.. فاتركاني بحالي.. والتفتا الى الجثة وحاولا ايقاف دموعها. ثم غادرت مستودع الجثث.. ومضت الى بيتها. كان البيت آمنا.. وعلى ضجيج كثير.. وكان الاولاد الثلاثة الذين بلغوا مبلغ الرجال, يعيشون محنة واحدة, ولم يكونوا بعد قد ادركوا المصير الذي دفع والدتهم للذهاب للمشرحة. اما الاب الغائب فلم يكن حضوره ملفتا, ولم يكن غيابه ملفتا.. لذلك تجاهله الابناء الثلاثة الذين بلغوا مبلغ الرجال.. والتفتوا الى الشرفة المقابلة. وعلى الشرفة المقابلة, كانت فتاة واحدة. اما الشرفات الاخرى فكانت فارغة, لذلك انشغل بال الاخوة الثلاثة بالفتاة الواحدة. ولأن فتاة الشرفة كانت تبدل كثيرا في ثيابها ونظراتها, فقد خيّل للأخوة المتيمين بأنها ثلاث فتيات دفعة واحدة. عندما دخلت الام.. وجدت اولادها الثلاثة في صراخ وهياج, وكل واحد منهم يقسم لأخويه بأنه اكثر هياما ووفاء لفتاة الشرفة المقابلة, ورغبة من الام في اسكات اولادها, صرخت فيهم قائلة: ـ بين اليتم وبينكم اشارة واحدة. ولو لم يتدفق الدمع من عين الجثة لقلت بأنها والدكم. فاحذروا الشرفات المقابلة, كما يحذر المؤمن من المعصية.. ثم جلست ورسمت خطوطا بيانية ووضعت برنامجا دقيقا ينظم خروج اولادها للشرفة حتى لا يقعوا في محنة. بعد ان اتمت الام وصاياها نهضت من ساعتها الى الباب قاصدة بيت الفتاة المقابلة. حين دخلت الام بيت الفتاة.. القت التحية على المكان فلم يرد عليها احد. كانت امرأة عجوز في القرنة وامامها طشت مملوء بالخيوط والايام والاقاويل, وفي يدها مغزل يدور وحده دون خيط فانحنت ام الاولاد الثلاثة على المغزل والقمته خيطا, فالتفتت المرأة العجوز الى الزائرة وقالت لها: ـ أية ريح طيبة حملتك.. لقد قتل الشوق حفيدتي الوحيدة, وكاد حديد الشرفة ان يوهن صدرها.. فقالت الام مستغربة: كيف عرفت امري ومحنة اولادي. قالت العجوز: لو لم تكوني انت.. لما استجاب المغزل لك ولما اخذ الخيط من يدك. في تلك البرهة دخلت الحفيدة, تسبقها دهشتها ولهاثها.. وتأملت المرأة الزائرة, واغضت على حياء وفتنة. عندما لمحت الام عيني الفتاة, شهقت وقالت يا سبحان الله. مع اولادي الحق في ان يكونوا اعداء لبعضهم, ولو اني كنت واحدا منهم لفعلت مثلهم. فالتفتت الجدّة الى جهة لا يعرف احد سمتها وظلالها وقالت: لم يبق في الطشت الا القليل من الخيوط واخالني الى ذهاب سريع. فعاونيني على الحل فلقد اتلف المغزل والانتظار ايامي. فقالت الام: هل تستطيعين ان تجعلي من حفيدتك ثلاثة فتيات.. حتى لا يتلف الهيام والبغضاء اولادي. فقالت الجدة: بين المغزل والخيط خيارات كثيرة, فهل تستطيعين ان تجعلي من اولادك الثلاثة ولدا واحدا يليق بحفيدتي؟ قالت الام: ليس سوى الموت من يقدر على جعلهم واحدا. قالت الجدة: والواحد اجدى.. لتكون دورة المغزل على انسجام ومنفعة. بعد ان فهمت الام مغزى كلام الجدّة ردت عليها غاضبة: لقد باعد الزمان بين الامومة وبينك, وصار الموت مغزلك الوحيد.. واذا كان الموت خلاصا لمن هم في عمرك وعزلتك.. فهو ليس خلاصا لأولادي, لذلك سأذهب الى شرفتي لاغلقها بالحجارة والحديد.. حتى لا تخترقها المطارق والنظرات العاشقة. قالت العجوز: توقفي كل من يحب حفيدتي احبه, حتى ولو لم يكن من نسلي وجبلتي.. وعندما سمعت بأولادك ومدى تعلقهم بها, احببتهم وقررت في اخر الخيوط والزمان ان ابحث عن حل يخلصهم. سألت الام: كيف؟ قالت الجدّة: سأدفع حفيدتي.. لتغير في طبيعتها ونظراتها وتظهر لكل ولد من اولادك في زي خاص ومكائد مختلفة, وتظل تزين للواحد افعالا وحركات يجافيها العقل والعادات المتبعة, حتى يزهد الواحد عن نفسه ومحبوبته ويعاف الدنيا ومن فيها. في هذا الحل ستريحين اولادك.. لكن حفيدتي ستموت. حين اتمّت الجدة كلامها.. التمع في عيني الحفيدة الواجمة كلام كثير, ومياه عاتية. فالتفتت الام عنها وقالت للجدة: بعد الذي شاهدته في المشرحة هذا اليوم.. لا اريد لشيء ان يذكرني بالموت, فهل عندك حل اخر, فأنا على عجلة؟ قالت الجدة: الحل الاخر اقسى من الموت واكثر ايلاما قالت الام: فما هو؟ قالت الجدة: على اولادك ان ينتشروا في الارض ويحضر كل واحد منهم دليلا على حبه.. ومن كان دليله اقوى, تكون حفيدتي له دون اخوته. ـ واذا عجز اولادي عن احضار الدليل. ـ سيضيعون في الآفاق والبلاد البعيدة ولن تري احدا منهم. عندما اتمت الجدة الكلام والزفرات, سقطت الحفيدة على الارض وغشيها سكون عميق, فالتفتت الجدة عنها الى الام.. وسألتها: فأي الخيارين تختارين؟ قالت الام: اختار الخيار الاول قالت الجدة: حيث تموت حفيدتي؟ قالت الام: نعم. قالت الجدة: حفيدتي ميتة منذ الان. فضربت الام بكفها على صدرها وشهقت.. وكيف ماتت؟ ولماذا؟ ثم انحنت على جسدها وفتنتها وتفقدت فمها ونبضها فلم تعثر على نأمة واحدة, عند ذلك غرقت في امومة لم تكن تعرفها, وشعرت وكأنها فقدت ابنة هي اغلى عليها من اولادها, وعندما نجحت في اخراج نفسها من اللجّة التفتت الام الى الجدة وقالت: ولكن لماذا ماتت؟ قالت الجدة: بعد ان سمعت الخيار الذي يشتت اولادك في الارض فلا تكون لهم عودة ولا رائحة.. خافت عليهم.. ووقعت ميتة من الحب. قالت الام: انا اختار موتها, وهي تختار حياة اولادي. قالت الجدة: هذا شأن المحبين.. ثم التفتت عن المرأة.. وغاصت في مغزلها حتى لم يعد في جوارها خيط واحد, وعندما انفقت الجدة خيوطها.. انحنى جذعها الى الجدار حتى غاص فيه.. فتأملت الام وجه الجدة فوجدته قد ذهب بعيدا وعلى اطراف فمها ابتسامة, وعلى تغضنات ملامحها سلام عميق فامتدت بأصابعها واغلقت عيني الجدة, والتفتت الى الفتاة المسجاة, فوجدتها على انفاس واهنة, فذهبت الى الماء ومسحت وجه الفتاة به, ثم احتضنتها بأمومة وانفاس متلاحقة وظلت على ذلك حتى استعادت الفتاة نبضها ولون يقظتها. في الطريق الى بيتها.. قالت الام.. جثتان في يوم واحد, جثة تبكي, وجثة تبتسم, كيف لأمرأة مثلي ان تعيش وتحتمل. وحين دخلت الام لبيتها, ركض الاولاد الى جهتها وسألوها عن الفتاة والمصير. فتأملتهم الام وقالت: لقد احببتم فتاة.. ليس كمثلها فتاة في الارض او على الشرفات.. فاذهبوا عني, واضطربوا في الدنيا.. وليحضر كل منكم لفتاته شيئا يجعلها تفضله عن سواه, فنظر الابناء الى امهم واضطربوا في الغرفة الضيقة واصطدموا بالجدران ووقعوا على الارض.. فتركتهم الام وقعدت في الركن, وما هي الا التفاتة حتى وجدت الرسالة التي تركها لها زوجها قبل ان يتطاير ويغيب. في تلك البرهة نهض الابن الاكبر من كدماته واثار الجدار على جبهته, وبعد ترنح واحتقان, تمكن من تمييز الممر الموصل للشرفة, فعبره حتى وصل, وعندما قبضت يده على حديد الشرفة.. وجدها خاوية, ولم تكن على افريزها فتاة يلعب الهواء بخصلاتها. عند ذلك رفع الابن البكر رأسه ونظر الى السماء وصاح.. يا الله املأ الشرفات جميعا بالفتيات, حتى لا يخسر واحد مثلي نفسه واخوته. ثم ترك الشرفة ومضى الى الخزائن, فاخرج ما تيسر له من الثياب والطعام ثم عقد وصرّ وحمل ومضى دون ان ينبس بوداع. وقد فهم الاخوان الباقيان دوافع الاخ الاكبر واسبابه.. فذهب كل منهما الى شرفته وصرخ صرخة مماثلة وعاد وحمل صرته وخرج بعد ان اهوى بالباب على خطواته. في البيت.. كانت الام جالسة وواجمة, وقد اعياها فقدها زوجها واولادها في فترة واحدة. وبعد صمت نهضت بغتة الى الباب وفتحته وهي تقول لنفسها: الابواب المفتوحة تعيد الرجال.. والابواب المغلقة تضيعهم. وجلست الى الرسالة التي تركها زوجها وبدأت قراءتها: ... يا نائلة. يا نائلة, عندما تصير الخطوات ثقيلة وخاوية. يصبح الفراق ممكنا, لقد ذرّت الخلافات بقرنيها بيننا.. ولم تعد للواحد منا لغة يحتمي بها.. لذلك سأذهب, فان وصلكم من طرفي خبر.. فتعرفوا عليّ ولا تنكروني. وطالبوا الفاعلين بالثمن.. لتستعينوا به على غياب رجل مثلي.. يا نائلة.. يا نائلة. بعد ان اتمت الزوجة القراءة.. وضعت الرسالة وشهقت وهي تتذكر.. ما جرى بينها وبين الجثة الباكية ثم احضرت قلما وشطبت ما جاء في السطر الاخير الذي يحض على المطالبة بالثمن, وحملت الرسالة ومضت مسرعة الى مخفر البوليس. تناول رئيس المخفر الرسالة وقرأها بامعان. ثم قرع الجرس وعندما دخل اليه احد المعاونين سأله عن الجثة.. ومصيرها وهل تعرف احد اليها.. فأنكر المعاون ذلك, فسأله رئيس المخفر عن الجليد, وهل تم تأمينه.. ثم تابع فقال: الجليد ضروري لحفظ الجثث وحفظ ماء الوجه حتى لا تنتشر الرائحة. قال المعاون: حتى الان لم تصلنا اية معلومات, ثم حيا وانصرف.. والزوجة واقفة وواجمة. بعد اعادته لتلاوة الرسالة.. تركز انتباه رئيس المخفر على القسم المشطوب من رسالة الزوج, فأخرج المكبرة وبدأ الفحص, فاضطربت الزوجة الواقفة, وتمنت في سرها ان تكون قد نجحت في ازالة كلمات زوجها.. حتى لا تكون موضع شبهة ثم اقتربت من الطاولة وقالت لرئيس المخفر الذي اجتمعت اركانه خلف المكبرة. ـ عندما تتعرفون على مرتكب الجريمة هل استطيع ان آخذ حقي منه وحق اولادي. ـ يمكن ذلك اذا تعاونت معنا لنعرف اسباب الشطب, ومعنى الكلمات المشطوبة. ـ وكيف لي ان اعرف, وانا لم اكتب ولم اشطب. ــ ومن يعرف؟ ـ اسألوا الجثة. ـ وهل يقدر احد ان يسأل جثة؟ ـ عندما تكون الدموع في مكان ما.. لا تستطيع الجثة ان تكون جثة. قال رئيس المخفر: ـ لقد قلت كلاما مؤثرا.. وهذا يدفعنا للتعجيل بتحليل الخطوط. واعدك بعد ان تضعي اسمك وتوقيعك على هذه الورقة. ان اسرع بالوصول للنتائج. التي تأخذ بيدك الى.. فسألت المرأة: الى اين ستأخذون يدي, فصمت رئيس المخفر صمتا مبرحا لذلك سقطت المرأة من الخوف والاعياء, وقد حرصت ان يكون سقوطها على الكرسي الوثير القائم الى جوار الطاولة. قبل ان تكون الجثة باكية وضاحكة.. كانت رجلا, وكان الرجل يخط رسالته.. وعندما اتم الرسالة ذهب الى الطرقات.. وكانت الايام والسيارات تسرع كأنما تتساقط في هاويه. ـ عندما اتم رئيس المخفر سحب المرأة من يدها الى مستودع الجثث. اعطى الاذن للممرضين المناوبين فسحبا الجثة من خزانة في الجدار.. وحين لمحت الزوجة الجثة.. هرعت الى الذكريات, لتستعين بها.. ثم صاحت بغتة هنالك علامة لايطالها الورم والفساد ولا تصيبها الحوادث ولا اللعنات. فتعجب رئيس المخفر من هذه العلامة, وسأل عن طبيعتها, فقالت الزوجة. ـ اصبع الابهام في قدم زوجي اليسرى مفقوده. فقال رئيس المخفر للمرأة: فاخلعي فردة الجورب عن القدم وتأكدي. فأجابت المرأة متوسلة: لا تكلفني بمالا اطيق وارضي, فالذين نحبهم.. نخلع من اجلهم ولا نخلع عنهم. فتقدم رئيس المخفر من القدم ونزع الجورب.. وعندما تم له ذلك ظهرت للعيان اصابع القدم وقد طارت جميعها كأنما اودى بها برق صاعق. عندما رأت الزوجة المشهد وضعت اصابعها على فمها وانحازت الى الجدار. فتركها رئيس المخفر واقترب من الجثة.. ثم خطر بباله ان ينتزع فردة الجورب عن القدم اليمنى.. وكانت المفاجأة.. في القدم اليمنى كانت اصبع الابهام مبتورة من زمان سحيق. ولم يكن على حوافها دم ولا ذكريات.. فعاد الى المرأة وانتزعها من الجدار وقربها من القدم اليمنى فتأملت.. وصاحت انها هي انها هي. فنظر اليها رئيس المخفر بحنق وقال: كيف تقدر الزوجة الصالحة ان تخطئ في تحديد موضع الابهام المقطوع من قدم زوجها؟ فقالت الزوجة: لقد كان زوجي يخطئ في تحديد اسمي ومكاني حتى عندما اكون الى جواره.. افلا يحق لي ان اخطئ في تحديد موضع ابهامه. ــ هل تعتقدين بأن الجثة هو؟ فلم تردّ المرأة.. فأعاد رئيس المخفر السؤال مثنى ثلاث ورباع.. فظلت المرأة ساكتة. فاعتبر السكوت علامة من علامات الموافقة والرضا. فاقترب منها وسألها: ما دمت قد عرفت موضع الابهام المقطوع فلابد وانك تعرفين سبب قطعه. فلم تحر المرأة جوابا.. لكنها ما لبثت ان صرخت: ـ تسألون عن ابهام مقطوع, ولا تسألون عن سبب ما يتفصد من الجثة من دموع؟ بعد ان اتمت المرأة صرختها.. تطايرت ملامح رئيس المخفر من مخيلتها.. وظلت في حالة تطاير حتى وصلت الى تخوم بيتها, وعندما عالجت الباب وفتحته. احست وكأن عمرا طويلا قد افلت منها.. فقعدت في زاوية زوجها.. وما هي الا برهة حتى تذكرت اولادها.. فهرعت الى الباب, ومدت رأسها ثم رجعت الى مكانها وقد اختلط في امومتها النوم باليقظة, وبدت لها التخوم غائمة ومترامية واخذ اولادها الضائعون يتلامحون لها مثل خيالات متعبة وبعد تحديق لمحت الام صورة ابنها البكر, فهرعت اليه واعتنقته. وعندما افلت الابن من صدرها سألته: ان كان يذكر والده, فقال الابن: لم اكن اهلا له لاتذكره, فسألته: هل تعرف سبب قطع ابهامه, ومتى قطع, واخبرته بأنها كانت تعرف.. لكن الظروف والايام اتلفت ذكرياتها. وكان الابن على دهشة وعجلة, وبسبب انشغاله بحضور امه نسي سؤالها, فاضطرب الى اعادة السؤال. قائلة: هل تعرف السبب الذي ادى الى قطع ابهام قدم والدك؟ قال الابن: ابهام والدي لم يقطع.. وانما ذاب. ـ وكيف يذوب الابهام؟ ـ لقد سلك والدي الى المعرفة دروبا كثيرة ومتعرجة, وثابر على ذلك حتى ذاب ابهامه. ثم وبحركة مفاجئة انتزع الابن فردة حذائه, فظهر ابهامه مكتملا وواضحا. فقال لامه: ولأن معرفتي قليلة ها هو ابهامي كبير, وخطواتي زائلة. فقالت الام: كأنك هو..وانت تتحدث على طريقته. فقال الابن: لقد قطعت طرقات طويلة متنافرة, وطرقت ابوابا كثيرة موصدة وها انا اعود وسلتي فارغة. فكيف اكسب الرهان واحظى بالحبيبة, والحب يوهن الناس اكثر مما يفعل الزمان والاوبئة. ثم ودع الابن امه ومضى. دون ان يذهب الى الشرفة ليصرخ على حديدها صرخته السالفة. لكن الام. وبعد غياب ولدها تذكرت الشرفة, فهرعت اليها فرأتها خاوية.. وكانت الفتاة الوحيدة واقفة في ظلال الشرفة فرأت الام واحست بزفراتها. ورغم ذلك لم تعلن عن نفسها, فلقد قررت كأنثى وحيدة. .ان لا تظهر فتنتها لأنثى ثانية. اما في المخفر.. فالامور كانت تسير في اتجاهات مختلفة, وقد كان ذلك عندما طرق الباب, ودخلت على رئيس المخفر امرأة ثانية واعلنت امامه بخجل وحيرة لامعة.. عن اختفاء زوجها. فسألها رئيس المخفر: وهل ترك زوجك رسالة.. كما فعلت الجثة السابقة. فأنكرت الزوجة الشابة ذلك وقالت: لم تكن بيني وبين زوجي حاجة للرسائل.. وكنا نفهم بعضنا دون ان ينبس احدنا بحرف.. فالوقت لم يكن كافيا للكلام فأنا له زوجة ثانية. فقال رئيس المخفر: هل توجد لديك صورة لزوجك حتى نتمكن منه ونعيده الى زوجته الاولى؟ قالت المرأة: ليست لزوجي صورة, فالصورة تهتك السر وزواجنا كان سرا وقد اتفقنا على فضح هذا السر في ظروف مواتية. فقال رئيس المخفر: عندمالا يترك الرجل صورة ولا رسالة, فليس للحزن عليه والبحث عنه حاجة, ورغم ان المرأة الثانية كانت على جمال, والوان زاهية, فقد قرر رئيس المخفر.. ان يحيل مأساتها وفتنتها لبعض معاونيه وان يتفرغ للمرأة الأولى وللجثة الباكية. وفي ذهن سيادته.. سؤال محير: عندما التقى بالمرأة الأولى في بهو المشرحة, سألها رئيس المخفر للمرة الثانية عن اسباب قطع ابهام زوجها, فاضطربت الزوجة, ثم تذكرت كلام ولدها وقالت لرئيس المخفر بأن ابهام زوجها ذاب في الدروب التي توصل للمعرفة, فدفع الشك والارتياب رئيس المخفر للصراخ في وجه المرأة قائلا. ـ كيف تجرأ زوجك على فعل ذلك؟ والمعرفة لاتطال الابهام وحده وانما توهن القدم كلها وتدخلها في التورم والاقبية. اجابت المرأة: الا تعتقد بأن التورم والاقبية.. ارحم على الرجل من الاسئلة والسيارات المستعجلة؟ فتأمل رئيس المخفر حكمة الزوجة وتراجع فتنتها.. ثم قوّض الرسالة التي تركها الزوج فلحقت الزوجة به وسألته: متى يمكنني ان احصل على التعويضات؟ قال رئيس المخفر: ربما لم يمت زوجك بسبب سرعة السيارات وانما بسبب الابهام الكبير الذي نعيش فيه.. ثم القى الرسالة المقوضة ومضى. حين وصلت الزوجة الى البيت, خرجت مباشرة الى شرفتها, وظلت شاخصة حتى لمحتها الفتاة الوحيدة من الشرفة المقابلة فخرجت اليها.. وعندما التقتا حدقت كل واحدة في الاخرى طويلا حتى اضطربت لهما الشرفات المجاورة, وبعد مدة لا يعرف احد عدتها ومواقيتها.. سمعت المرأتان طرقا متواليا على الباب. * قاص ومسرحي وكاتب درامي سوري, تمتاز كتابته بالسخرية والمفارقة ابرز اعماله رواية شجرة الكلام ومسرحية فوق هذا المستطيل وقع حادث