بيان (2): يستمد هذا الكتاب اهميته من انه يخرج من رحاب المجهول حشدا من الحقائق حول حياة فاكلاف هافل ونضاله وتداخل الفكر والحركة السياسية في غمرة هذه الحياة لصنع التغيير السياسي في ظروف كان هذا التغيير يبدو في اطارها شيئا مستحيلا. غير ان انتقال هافل من المعتقل الى سدة الرئاسة في عام 1989 هذا الانتقال الذي لا مثيل له في القرن العشرين إلا في حالة نلسون مانديلا كان وليد نضال ممتد وحافل بالتضحيات وانعكاسات مباشرة لدعوة فاكلاف مواطنيه الى (العيش في الحقيقة) وعدم السماح لشيوعي تشيكوسلوفاكيا او لمنظري موسكو ومحركي دباباتها او اي قوة اخرى بالتلاعب بهم. والمؤلف جون كيف هو مدير مركز دراسة الديمقراطية واستاذ العلوم السياسية بجامعة وستمنستر وله عدد من المؤلفات اشهرها (تأملات في العنف) وقدم كتابه الماثل بين ايدينا من خلال لقاء مباشر مع هافل واصدقائه وايضا مع اعدائه ومنتقديه بالاضافة الى حشد هائل من الوثائق المتعلقة بالتغير السياسي في اوروبا الشرقية عامة وفي تشيكوسلوفاكيا وجمهورية التشيك خاصة. قبل أن يكون فاكلاف هافل رئيسا لتشيكوسلوفاكيا, ومن بعدها لجمهورية التشيك, كان شاعرا وكاتبا من طراز رفيع. وقد شهدت حياته مراحل عديدة من المد والجزر, من دون أن يزعزع ذلك من إيمانه بقضية الحرية التي نذر نفسه للدفاع عنها. لكنه يمثل طرازا فريدا من القادة الذين وصلوا إلى السلطة بعد نضال مرير ضد الأنظمة التي أقامتها موسكو في دول أوروبا الشرقية أو في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. فقد اكتشف بسرعة, بعد انتخابه رئيسا, ان مقاومة السلطة وفضح أساليبها القمعية, أسهل بكثير من الوصول إلى قمة الهرم وممارسة السلطة. لقد أدرك هافل ان الديمقراطية ليست مجرد حرية أي كان, سواء أكان شخصا أم مؤسسة أم سلطة, في فعل أي شيء, وإنما الحرية المشروطة بمجموعة قيود يسنها الإنسان المطلق, وبحيث لا تغدو ممارستها عملا ضارا بالآخرين, ولا بالذات. وقد أدرك كذلك ان معظم الكتب التي نشرت والأبحاث الطويلة حول الحرية والديمقراطية, وخاصة في القرن العشرين, إنما كتبت لمصلحة أناس معينين أو نظام معين دفع الثمن سلفا, ويحتاج لمبرر نظري يتيح لأولئك الناس أو النظام النوم بضمائر مرتاحة. وتلك الكتب والأبحاث والدراسات ليست في آخر المطاف سوى نسخ مغايرة بعض الشيء لكتاب (الأمير) الذي ألفه نيقولو مكيافيللي في أواسط القرن السابع عشر لأمراء آل مديتشي الذين حكموا أجزاء من ايطاليا. وإذا كان الزمن قد طوى مكيافيللي وآل مديتشي, فإن كتاب (الأمير) لا يزال حتى اليوم دستور معظم سياسيي العالم. يقول هافل في إحدى مسرحياته: (على كل إنسان أن يتعلم كيف يتقبل الخسارة). لكنه ربما لم يخطر بباله يوما ما انه سوف يحتاج شخصيا إلى هذا الدرس البليغ. لقد كان هافل على الدوام شديد الولاء لمبادئه, ومستعدا للموت في سبيلها, وهو ما أثبتته المحن العديدة التي تعرض لها على مدى ستين عاما من حياته, عندما اضطر في سبيل كسب رزقه إلى ممارسة أبسط المهن اليدوية في الوقت الذي كان العالم يعرفه آنذاك ممثلا للحركة الثقافية التحررية التشيكوسلوفاكية. لكن ممارسة السلطة لم تكن أمرا سهلا, وهو ما دفعه في إحدى اللحظات للقول: (لقد مللت من كل شيء, وأود الخلاص من كل هذا). ولعل ما يجعل لهذا الكتاب أهمية خاصة ان المؤلف جون كين ذو تاريخ عريق في الكتابة عن الديمقراطية وفي معاداة العنف السلطوي. ولذا فإنه يركز كثيرا, وبشكل ملحوظ تماما, على مواقف هافل من العنف والحرية والديمقراطية. ولا شك في ان مثل ذلك التركيز لا يجعل من الكتاب مجرد سيرة لحياة هافل, بل دراسة شاملة لآرائه وكتاباته ودوافعه. وهو ما احتاج إلى قراءة عشرات المؤلفات ومئات الأبحاث التي كتبها هافل, والعودة لمئات المراجع التاريخية والأدبية. والكتاب الماثل أمامنا والذي يغطي أكثر من 500 صفحة يتميز بلغة أدبية رفيعة, وقدرة كبيرة على الغوص بين السطور ووراء المعاني. وأسلوب عرض جون كين للأحداث المأساوية يؤكد مقولة شكسبير القديمة (الأحزان الكبرى علاجات ناجعة). فهو يستغلها لأقصى درجة كي يثير في القارئ ــ الإنسان كل ما فيه من شوق كامن للحرية والكرامة. البداية المبكرة ولد فاكلاف هافل في الخامس من أكتوبر 1936. وكان والداه, لسبب ما, يعتقدان ان ابنهما سيكون شيئا مهما في العالم. ولذلك لم يتركا مناسبة إلا والتقطا له فيها صورا لا تحصى, وخصصا لذلك جانبا لا بأس به من دخلهما. ولم تكن طفولته عادية أبدا, على الرغم من ان الأوساط الرسمية سعت على الدوام لتصويرها على انها طفولة سعيدة لطفل نشأ في عائلة بورجوازية. فقبل مرور عام على ولادته كانت بلاده تجبر على الركوع أمام جار عنيف, هو هتلر, فيما كان العالم يغمض عينيه متظاهرا بأن شيئا لم يحدث. وسرعان ما ألحقت مقاطعة السوديت التشيكوسلوفاكية بألمانيا, وأقيم نظام عميل في براغ. وكان والد هافل شخصية سياسية معروفة في مقاطعته. وقد اشتهر عنه آنذاك كتاباته المعادية للتطرف القومي, المتمثل بالنازية والفاشية, على الرغم من انه ينتمي لعائلة معروفة بولائها القومي التشيكي المتشدد. وفي عام ,1939 تم تقسيم البلاد, فألحقت مقاطعة روثينيا بالمجر عنوة, وأعطيت سلوفاكيا استقلالا رسميا, ولم يبق من البلاد الأم سوى مقاطعتي بوهيميا ومورافيا اللتين أصبحتا تحت حكم حزب نازي أقامه الألمان على وجه السرعة. ومنذ ذلك الحين كتب على المواطنين التشيكوسلوفاكيين أن يقدموا للمجهود الحربي الألماني كل جهد ممكن مجانا. وعرفت البلاد الجوع والحاجة. فكانت تلك الأرضية الحقيقية لطفولة هافل. في السنة الثالثة للحرب انتشرت المذابح في البلاد, وراح ضحيتها أفراد وجماعات يصعب تقديرها. وكان أثر ذلك كبيرا على هافل, ابن السنوات الست, الذي انتقل مع أمه وأخيه إلى منزل ريفي منفرد وسط غابة غناء في مورافيا. وكانت تلك الأعوام مشبعة ومثقلة بالخوف من ان يأتي التشيكيون مباشرة بعد البولنديين في عمليات القمع والابادة الجماعية التي شهدتها بولندا. وتزامن ذلك مع سعي الألمان لاجبار الناس على استخدام اللغة الألمانية في جميع المراسلات الخاصة والرسمية وفي دوائر الدولة. وعلى الرغم من ذلك, فإن السياسة النازية المتخوفة من قيام حركة مقاومة وراء خطوط القتال, سعت في توجيهاتها, وعبر السلطات المحلية العميلة, لاغراء التشيكوسلوفاكيين بالابتعاد عن التفكير المعادي لهم, وذلك بمضاعفة الحصص الغذائية وبالمعاملة الطيبة العلنية. لكن ذلك لم يستمر طويلا. في مايو ,1943 قام اثنان من المظليين الذين هبطوا في براغ من طائرة حليفة باغتيال راينهارد هايدريش رئيس الحكومة العميلة للنازيين, فدفعت براغ الثمن غاليا, وقتلت عائلات بأكملها جماعيا لمجرد الشك بأن أحد أفرادها ربما يكون قد شاهد المظليين ولم يبلغ عنهما, ولم يقتصر الاضطهاد النازي على المشبوهين, بل تجاوزهم لكثيرين غيرهم, إذا كانت في تلك منفعة ما لأحد ضباط الاحتلال. وكان ميلوس هافل عم فاكلاف, أحد هؤلاء, فقد خسر شركات انتاج سينمائية ودور عرض وغيرها, وتعرض للتعذيب عندما رفض التنازل عنها طوعا لأحد العملاء. وكان من الطبيعي أن يثير ذلك ردود فعل قاسية, واتجاها عاما للمقاومة. وتشير كتابات هافل إلى مدى التأثير الذي تعرض له في طفولته, وهو يرى ويسمع ويلمس تلك الأحداث. أدرك هافل, وهو في التاسعة من عمره, ان السلام لن يتحقق بهزيمة ألمانيا فحسب, بل سيكون اسميا بكل ما في الكلمة من معنى. ففي الأيام الأخيرة للحرب قصفت طائرات الحلفاء العديد من مدن تشيكوسلوفاكيا, وعندما وصل الجيش الأحمر متعقبا الألمان, لم يوفر جنوده شيئا. ولم يكن أحد يدرك آنذاك ان حكومة عميلة أخرى ستحل محل عملاء النازيين, وان حرية الناس سوف تصادر لأربعين عاما أخرى. وكان من أوائل ضحايا العهد الجديد ميلوس هافل, العم نفسه, الذي نجا من الاضطهاد النازي ليفقد كل ما بقي له بعد اتهامه بخيانة الطبقة العاملة والتعامل مع النازيين! وهكذا بقي قيد التوقيف والمحاكمة ستة أعوام, ثم فر بعدها إلى الغرب. لم يكن هناك عداء للشيوعية في تشيكوسلوفاكيا خلال السنوات القليلة التالية للحرب. فقد رأى الناس في الحزب الشيوعي آنذاك القوة التي قاتلت النازيين, وسارت مع الجيش الأحمر في عمليات التحرير والتطهير. ولذلك فإن الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي كان هو الوحيد ــ في الحقيقة ــ الذي نال في الانتخابات أكثرية الأصوات من دون أي تزييف للنتائج. وفي السنوات الأربعة التالية للحرب, وفيما كان الغرب يراقب الوضع من بعيد من دون أن يتدخل أو يأتي بأي حركة, نجح الحزب في الاطاحة بشركائه في الائتلاف الحكومي من قوميين واشتراكيين, لينفرد بالسلطة تماما, بعد ما يشبه الانقلاب العسكري. خلال تلك الفترة الحرجة التي كان هافل يدخل فيها سن المراهقة, بدا واضحا مدى تأثير أمه في تربيته. كانت الأم بوزينا فافريشكا ابنة مدير تحرير إحدى الصحف اليومية المهمة. وقد اشتهرت في أوساط مختلفة بقوة شخصيتها واحتقارها للمعايير المخفضة وثقتها الشديدة بنفسها وبما تمثله, اضافة إلى منهجية صارمة في كل ما تقدم عليه. وكان من أهم ما زرعته في ابنها البكر فاكلاف حب القراءة. فكان وهو في العاشرة يلتهم الكتب التهاما, ويقبل بصورة خاصة على كتب الأدب والتاريخ. كما كانت تشجعه على ايجاد أجواء من الحوار والمناقشات المفيدة من نخبة من أصدقاء العائلة. وأضافت إلى ذلك تشويق ولديها لتعلم اللغات الأجنبية. ولم يكن ذلك غريبا عليها, فهي تتقن التشيكية والألمانية والفرنسية والروسية والانجليزية. كما شجعته أمه على كتابة الرسائل والخواطر, وكانت تدفعه لمراسلة أساتذته في المدرسة الداخلية التي انضم إليها في سن الثانية عشرة. لكن ذلك لم يدم طويلا. فمعاناة هافل مع النظام كانت على وشك أن تبدأ. البداية الثانية في ربيع عام 1950 تم فصل فاكلاف من المدرسة, بعد تقرير للمخابرات السرية وصمه لأول مرة بأنه من العناصر البرجوازية النشطة المعادية للاشتراكية. وأجبر على الالتحاق بمدارس حكومية مختلفة في براغ, حيث كان يتعرض باستمرار للتهكم على أصوله الطبقية (المعادية) ويطالب بانكارها والتخلي عنها, لكنه فضل التخلي عن الدراسة, ولم يكمل أبدا المرحلة الاعدادية, وبدأ في أعقاب ذلك يتدرب على النجارة. لكن الأم التي شعرت بأن ذلك سيعني القضاء على مستقبل ابنها, وجدت له على الفور من يعطيه دروساً خاصة, وسرية, في البيت, وكان من بين هؤلاء اوتو ويشترل, مخترع العدسات اللاصقة. ونجحت الوساطات حيث فشلت السياسة, فقبل هافل في مدرسة ليلية, حيث انهى امتحان الثانوية العامة بنجاح, لكنه رفض في كليتي الفنون والاداب, والتمثيل, فاضطر للالتحاق بكلية الاقتصاد, حيث درس المواصلات واتاح له ذلك ان يعيش حياة مزدوجة, يدرس للجامعة نصف وقته, ويطالع كتب الفلسفة والاداب في النصف الثاني. كان ذلك يتزامن ـ عام 1952 ــ مع عمليات تطهير على النمط الستاليني وكان المبرر بسيطا اذا لم يكن قد تم قيام المجتمع الشيوعي المثالي, فذلك لان هناك متآمرين وكما فعل ستالين, حتى بأنصاره المقربين لمجرد الشك, انطلقت المقصلة تجز رقاب الكثيرين في تشيكوسلوفيا وغيرها من الدول التي خضعت لموسكو في اوروبا الشرقية بعد الحرب, وفيما كان هافل يتفرج مأخوذا على جيل كامل من الجلادين ورؤسهم تتدحرج على ايدي جيل جديد, قام بتأسيس حركة الـ (36) التي اقتصرت عضويتها على من ولدوا في ذلك العام باعتباره (العام المثالي الذي يجسد جيلنا الملعون) ومن الغريب انها ضمت في عضويتها عددا كبيرا من الشباب والشابات الذين اصبحوا بعدئذ من اشهر الشخصيات الادبية في تشيكوسلوفاكيا! وربما كان من ابرز ماشهدته الجماعة اجماعها على زعامة هافل, ومناقشتها للكثير من الكتب المحظورة والكتاب المحظورين, وكان بينهم كافكا ومازاريك كما اصدرت مجلتين شعريتين, كان هافل يطبعها على آلة كاتبة عتيقة, ويوزع نسخها القليلة على الاعضاء, وهما مجلتا (الرياح الفضية) و (مناقشات الـ 36) وكان رفاقه يعجبون بحماسه وانطلاقه وثقته بنفسه ودبلوماسيته, ويرون فيه قدرة نادرة على تقديم النصح للاخرين وعلى التنظيم. لكن الجماعة لم تلبث بعد حوالي عام ان انقسمت, واتهمه بعض الاعضاء بالعجز عن ادراك اهمية المنافسة للوصول الى الابداع, لكن هافل رد بتقرير مطول, نفى فيه التهمة واستخدام لغة اشبه باللهجة الشيوعية عندما طالب بحرمان الخصوم من عضوية الحركة وقال ان الجماعة يجب ان تركز على النوعية, لا العدد, ويحمل التقرير بذرة مهمة تشير الى تطور هافل الفكري فهو يقول ان هدف التركيز على النوعية ينبثق من ادراك الاعضاء انهم اسسوا خلية قد تتبلور لتصبح محور حركة مستقبلية, حركة سياسية ثقافية (كما ان هافل, ابن الاعوام الستة عشر, اخذ يتطور ليصبح شعلة من النشاط, يقيم علاقات وصداقات مع اهل الفكر والفن, مهما كانت اعمارهم, وكان بينهم ياروسلاف سيفرت اول تشيكي يفوز بجائزة نوبل للآداب. وعلى الصعيد الشخصي, كان هافل موضع اعجاب الشابات من اعضاء الجماعة, ولكن من ناحية التفكير, وليس من ناحية الجاذبية اطلاقا. وقد نجحت الحركة في الحفاظ على سرية عملها الى حد كبير, مستفيدة من جو الرعب الذي فرضه انصار ستالين وازاحوا العديد من خصومهم من طريقهم, واغلب الظن ان أجهزة الامن التي كانت تكرس وقتها للاعتقالات المتواصلة, التي شملت انساقا متتالية من القياديين في مختلف جوانب السلطة, لم تعتبر ان نشاطا ادبيا قد يشكل خطرا على السلطة. وقد استمرت حملة الرعب الستالينية على الرغم من موت ستالين والقضاء على اعوانه في موسكو, وبعد وفاته بزمن يسير. تحت ظلال الستالينية في 9 نوفمبر 1956 ألقى هافل مجموعة من قصائده في أول امسية شعرية يشارك فيها. وكان الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي آنذاك يبدي تشددا كبيرا في وجه اي تحرك مضاد للستالينية, على غرار ما حدث في موسكو. كما ان الامسية اتت مزامنة مع اجتياح بودابست حيث وقف الشبان المجريون يتحدون الدبابات السوفييتية بصدورهم وسواعدهم العارية, وقد استغل هافل كل ذلك ليوجه للحاضرين اسئلة من دون جواب تتعلق ظاهريا بقضايا ادبية ولكن مغزاها كان واضحا ويحمل بذور ثورة ضد ما يحدث, وضد موقف السلطات من الجيل الجديد في الحركة الادبية. ولم تبق صرخة هافل في واد. بل تتابع المتحدثون على المنبر منهم من كال له المديح, ومنهم من هاجمه بقسوة وسرعان ما دخلت الصحافة الحكومية, فوجهت لهافل انتقادات مريرة. لكن الشاب كان راضياً لانه اضطر احد كبار المسئولين الحاضرين في نهاية الامسية للوقوف وتهدئة الجو ومن ثم مخاطبة هافل بقوله (صحيح انه ما زال امامنا الكثير لنتعلمه, لكن ما يجب علينا ان نتذكره دوما هو ان واجب الفن هو الابداع). بقي هافل بعيدا عن يد السلطة حتى عام ,1957 عندما سيق لخدمة العلم مدة عامين طويلين مليئين بالروتين المزعج. وكان كثيرا ما يشكو همه لصديقته الجميلة اولجا سبليشالوفا التي كانت تحمل عداء لا تفتأ تجهر به للشيوعية. كما انه اتخذ صديقا من المجندين المهتمين بالشعر اسمه كارل بريندا. لكن الجانب الاكثر اهمية آنذاك انه بدأ خلال جنديته بكتابة المسرحيات التي كانت تحمل الكثير من النقد للبيروقراطية. ولم يكن ذلك يتناسب مع التوجه الرسمي المتمثل بالدعوة لما يسمى (الواقعية الاشتراكية) على الاطلاق بل كان على النقيض تماما. اضطر هافل في تلك المرحلة لفتح دفاتر العائلة القديمة بحثا من صلات قوية تفتح له ابواب المسارح, وقد نجح الى حد ما في ذلك بينما كانت اولجا تقدم له كل دعم ممكن, في وجه معارضة قوية من امه لتلك العلاقة. لكن العاشقين لم يأبها لذلك وتزوجا عام 1964. ويبدو ان الزواج كان فاتحة خير للعروسين اذ اصبح هافل بسرعة الكاتب المسرحي الاول لدى اكبر مسرح في براغ. وسرعان ما ظهرت مسرحيته (حفلة الحديقة) التي اعتبرها كثيرون فشلا ذريعا ونظر اليها البعض انها البداية الحقيقية للأدب اللامنتمي واللاموضوعي في تشيكوسلوفاكيا. في تلك الايام الحاسمة من عامي 1963 و1964 اخذت آثار تدمير الطبقة الوسطى الذي وقع اثر تسلم الشيوعيين الحكم, تبرز للعيان بوضوح وكانت العملية قد ادت لابعاد اكثر من 300 ألف شخص معظمهم من ابناء الطبقة الوسطى, عن المناصب الادارية الصغيرة والمتوسطة ودفع اكثر من نصف مليون انسان من الطبقة العاملة الى مكانهم وكانت نتيجة فقدان الخبرة وانعدام التنظيم الصحيح مزيدا من الروتين الذي اوصل الدولة بمختلف مؤسساتها الى مرحلة توقف شبه تام. وفيما اخذ التململ يظهر في الارياف, وتنشيط الدعوة للتغيير, كان هافل يقود اقلية صغيرة في اتحاد الادباء والكتاب في محاولة للتغيير ايضا. وشهد عام 1965 هافل لاول مرة يرفع يده معارضا لطرد كاتب من الاتحاد لانه نشر مقالاته في مجلة فرنسية. وعلى الرغم من ان قرار الطرد اتخذ فعلا فإن هافل نجح في تسجيل موقف وللمرة الاولى يبدو فيه كأن هناك بداية معارضة للسلطات. ووجد هافل في اعقاب ذلك ان الجو المشحون بالانتظار كان مناسبا فنشر مسرحيته الجديدة (المذكرة) التي تنقد البيروقراطية الحكومية بمرارة ووضوح. وعلى الرغم من الرمزية واستخدام المفردات اللغوية التي تحمل اكثر من معنى فإن الهدف كان جليا. قام هافل 1968 برحلة زار خلالها باريس حيث التقى بمحرر مجلة (ايميجري) الصادرة باللغة التشيكية هناك, وهو هافل تيجريد الذي سرعان ما اصبح صديقا مقربا لشاعرنا وكانت باريس آنذاك تعيش احداث الثورة الطلابية التي شلت الحركة فيها, مما اعطى هافل وصديقه فرصة ذهبية للسير ساعات طويلة والحديث حول كل شيء وما لبث بعد عودته ان امتدح علانية الكاتب السوفييتي المعارض الكساندر سويجنتسين لكنه ما لبث ان شعر بأنه اصبح موضوعا تحت المراقبة السرية وأن السلطات تعتبره متآمرا ضمن مجموعة مناهضة للحزب كان هناك شعور لدى الجميع بأن براغ توشك ان تشهد حدثا مهما. ولم لا؟ فالعالم كله كان يتفاعل ويتغير. الثورة المخملية جاءت بداية التغيير عندما انتخبت اللجنة المركزية للحزب سلوفاك دوبتشيك بديلا عن نوفوتني الذي كان يجمع بين يديه كل السلطات. وكان معروفا عن دوبتشيك انه يميل الى الاصلاحيين فوقف كثيرون من خارج الحزب وبينهم هافل معه وكان هافل قد بدأ يكتب ويدعو لنوع من الاشتراكية الديمقراطية الوطنية. وفي ذلك الصيف دعاه دوبتشيك لتناول العشاء معه. وكان اول لقاء له بشخص في مثل هذا المنصب. وخلال دقائق قضاها الاثنان على الشرفة اكد هافل للرئيس ثلاث مرات ان الاشتراكية أمر قدري بالنسبة لتشيكوسلوفاكيا وان كل فرد في الشعب يدعم تطبيقها بدءا به هو شخصيا. وكان ذلك بمثابة دعم علني منه لحركة دوبتشيك التي اصبحت تعرف باسم (الثورة المخملية). لكن عمر تلك الثورة لم يطل فقد قامت قوات حلف وارسو باحتلال براغ والقضاء على الحركة من دون مقاومة بعد اقل من شهرين من وصول دوبتشيك للسلطة ولم يكن احتلال بقية تشيكوسلوفاكيا سلميا, بل سقط خلاله الالوف. يومها اخذ هافل موقعا في محطة راديو محلية في مدينة ليبريتش واخذ يبث نداءات مؤيدة لدوبتشيك فيما كان بعض انصاره محصنون بالمبنى ضد الدبابات بينما كان جنود الاحتلال الجديد ينقلون دوبتشيك مصفدا بالاغلال الى موسكو لتوقيع اتفاق يقنن التدخل (الاممي) في براغ, وعلى الرغم من ان هافل نفسه لم يصب باذى, فإن ما حدث كان بعيد الاثر في مجمل تفكيره. اصدر هافل بعدئذ مسرحيتي (العرس) و(المتآمرون) ثم شارك في تأسيس (ميثاق 77) وهو تنظيم لحماية حقوق الانسان, فردت الحكومة التي تولت السلطة تحت الحراب السوفييتية بحظر كتاباته التي وجدت طريقها الى الغرب حيث كانت تنتشر وتعرف الناس على ابعاد القضية التشيكوسلوفاكية وفي هذه المرحلة التي استمرت بين 1969 و,1986 تعرض هافل لمضايقات المخابرات والشرطة واعتقل مرات عدة واضطر للقيام باعمال متنوعة كسبا للرزق حيث عمل في احدى المرات عاملا يدويا في احد المعامل. ميثاق 77 وما من شك ان (ميثاق 77) لعب دورا اساسيا في التحولات التي شهدتها تشيكوسلوفاكيا حيث اجتذبت فورا مئات من الشخصيات المهمة على الصعيدين الادبي والفكري, ونجحت في نقل معاناة البلاد الى الغرب, لكن الحدث الاكثر اهمية الذي الغى دور الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو كان انهيار الاتحاد السوفييتي نفسه والاحداث اللاحقة. اما في براغ فقد كان نجم هافل يتصاعد باستمرار, وفي خضم تلك الاحداث قام عام 1989 بتأسيس المنتدى المدني الذي ضم تحت لوائه مختلف التنظيمات المدنية المعارضة وكان ذلك ايذانا ببداية النهاية بالنسبة للحكومة الشيوعية التي خسرت مواقعها في اول انتخابات تتم في البلاد بصورة حرة. وانتخب هافل رئيساً عام 1989 ثم مرة اخرى عام 1990 وبعد ذلك بعامين اضطر للقبول بانفصال الاتحاد التشيكي - السلوفاكي الى دولتين مستقلتين, جمهورية التشيك وسلوفاكيا. ووجد هافل من واجبه ان يستقيل بعد ذلك لكن انتخابه اعيد مرة اخرى عام 1993 كأول رئيس لجمهورية التشيك. وعلى الرغم من تدهور صحته الشديدة خاصة عام 1998 فإن هافل واصل الكتابة, التي كان يعتبرها على الدوام الملجأ الدائم الآمن من العواصف والازمات فيما استمر ينظر لمسئولياته الرسمية بالكثير من التبرم والضجر.