بيان (2): القاهرة ـ مكتب ( البيان): رغم أن فيلم (المدينة) للمخرج يسري نصر الله قد تم إنتاجه عام , 1999 ورغم أنه فاز بمهرجان لوكارنو السينمائي الدولي أغسطس 99 ، بجائزة لجنة التحكيم الخاصة, وجائزة اتحاد سينما الفن والتجربة وشهادة تقدير من لجنة تحكيم الشباب, كما سبق أن فاز بجائزة الجمهور بمهرجان ميلانو للسينما الأفريقية, وجائزة التمثيل بمهرجان الإسكندرية سبتمبر 99 بطله الشاب باسم سمرة, وعرض بمسابقة مهرجان استانبول السينمائي الدولي ـ إبريل 2000 ـ فإن أحدا ـ ونصر الله المخرج نفسه ـ لا يعرف موعد عرضه في مصر, وهل سيظل يدور بين المهرجانات الدولية ! بعد عرضه وفوزه بمهرجان لوكارنو الدولي, كتب عنه نقاد عديدون بالصحافة العالمية ـ الفرنسية خاصة ـ أشارت إحدى الصحف بأنه الفيلم الوحيد في مهرجان لوكارنو الذي صفق له الجمهور وقوفا. فهو فيلم يستحق التقدير لأنه درس في الحسية يقدم سينما ترفض الوسطية المائعة, ولا تستعير من الخطاب السائد إلا ما يخص الحسية. أهم مجلة سينمائية في فرنسا (كراسات السينما) ذكر ناقدها عنه أنه واحد من أجمل فيلمين أو ثلاثة شاهدناها في لوكارنو .. يحكي المخرج بموهبة حكواتي تذكرك بشاهين حكاية ممثل شاب منفي, يسرد عبرها رحلة داخلية مليئة بالشجن والوحدة .. الفيلم صور بالفيديو الرقمي ولكن كل لقطاته تتصف بإيمان مدهش بالسينما وقدراتها, كل لقطة ملتصقة بشكل يندر رؤيته, تتحد مع وعي وضمير الشخصيات, وتعاجبهم في فقدانهم لأوهامهم وفي تيههم . مقارنة امريكية وقارنت (نيويورك تايمز) الأمريكية بين فيلم (المدينة) و (الشوارع الوضيعة) لمارتن س كورسيزي, و (وروكو وإخواته) لفيسكونتي و (العجول) لفلليني كلها تنتمي إلى نفس السلالة. كما علقت بأن التأثير الأكثر مباشرة.. علي نصر الله يأتي من المخرج غزير الإنتاج يوسف شاهين الذي عمل معه في الماضي وهو مثله يدمج الموسيقى والعرض المسرحي في فيلمه بطريقة قد يجدها المتفرج الأمريكي مربكة بعض الشيء, إلا أنه يدخل هذه اللحظات ببراعة في نسيج عام وواقعي مليء بالبساطة والشاعرية.. كما أشاد الكاتب بالمشهد الأخير من الفيلم حيث يحتفل نصر الله بلذة وقوة السينما, وهو أمر ينجح الفيلم ككل في تحقيقه بطريقته اللطيفة والجادة والمليئة بالحيوية. وقد أتيحت للنقاد والصحفيين المصريين فرصة مشاهدة الفيلم بعد أن طال انتظارهم.. واتفقت جمعية نقاد السينما المصريين مع شركة الإنتاج على عرضه بإحدى القاعات العامة التي تمتلكها الشركة لضمان جودة الصوت والصورة.. فإذا بالمفاجأة السيئة, أن المعروض نسخة رديئة ـ بيتا كام ـ بدلا من نسخة 35 ملم, مما أثار استياء الحاضرين واكتئاب مدير التصوير سمير بهزان من مستوى الصورة, حيث كان اللونان الأزرق والأحمر عاليين بشكل مزعج, وقد حاول المخرج أن يحصل على نسخة الإيداع بالمركز القومي للسينما, ففوجئ أنه لا يستطيع أن يستعير نسخة الفيلم ـ التي هي أساسا ملكه ـ بسبب تعقيدات بيروقراطية ..! وعلق أن كل أفلامه موجودة نسخ منها في السينمات الفرنسية ومن حق أية جهة استعارتها بعد استئذانه. تجربة جديدة في اليوم التالي للعرض تم نقاش في جمعية نقاد السينما المصريين حول الفيلم بحضور مخرجه نصر الله وكاتب السيناريو المشارك ناصر عبد الرحمن, وبعض ممثليه الشبان : باسم سمرة وعمرو سعد, أدار النقاش رئيس الجمعية الناقد فتحي فرج ـ نقدم منه ما يلقي الضوء على تجربة نصر الله الجديدة ـ بعد س سرقات صيفية '' 1987 الذي عرض في تظاهرة نصف شهر المخرجين بمهرجان كان و س مرسيدس '' 199 3 وشريط فيديو س صبيان وبنات '' 1995 جائزة الفيديو بمهرجان لوكارنو وجائزة الفيلم التسجيلي في بينالي السينما العربية بباريس . جاءت فكرة فيلم س المدينة س حينما كان نصر الله الذي يقيم في حي الزمالك يتابع تدمير المناطق الشعبية المواجهة عبر نهر النيل ـ روض الفرج وبولاق ـ لحساب العمارات العملاقة فوجد نفسه أمام مدينة تلفظ الفقراء ليحل محلهم الأغنياء حيث تم نقل سوق روض الفرج الذي كان يتعيش منه الفقراء إلى منطقة العبور وتحولت روض الفرج من منطقة شعبية إلى منطقة سياحية تجارية وهذا حدث أيضا لحي شعبي آخر في باريس هو المنلونتان بالحي العشرين أزيلت الملامح الشعبية فيه لتحل محلها منطقة سياحية فاخرة. يستعين نصر الله لأول مرة بكاتب سيناريو بل بكاتبين أحدهما مصري والثانية فرنسية.. يشرح نصر الله منحاه الجديد هذا بأنه استعان بالكاتب الشاب ناصر عبد الرحمن بكتابة الجزء الخاص بحي روض الفرج الذي يعيش فيه, وكتبت المخرجة والسيناريست الفرنسية كلير دنيس الجزء الباريسي. يقول نصر الله الكتابة مع الآخرين تجربة جميلة وكل من يشارك في الكتابة ينتمي للعمل. يضيف ناصر عبد الرحمن أنه حينما كتب الجزء الخاص بمنطقة روض الفرج لم يكن يعلم حكاية سفر البطل لفرنسا, وحول تجربته مع نصر الله قال إنها مسلية جدا فقد كان يكتب كل شيء يخطر على باله وكان يشعر بحرية كافية في أن يذهب إلى أبعد شيء في الكتابة على الورق بل إنه تم أثناء الكتابة إضافة مشهد لشبان في مياه النيل وأدمج في السيناريو. الوطن في القلب يعود نصر الله إلى فكرة الفيلم.. يربطها هذه المرة بقصيدة الشاعر اليوناني السكندري قسطنطين كفافيس التي قرأها عام 1978 وهو في بيروت بعد أن ترك مصر هاربا من ضغوط عديدة أهمها ضرب الحركة الديمقراطية الطلابية, وكان قد ذهب إلى بيروت لأسبوع فإذا به يقضي بها أربع سنوات. وكان يسافر من القاهرة إلى بيروت إلى باريس كأنه يتحرك في مكان واحد كأنه يحمل مدينته في داخله واكتشف أن كفافيس يتحدث عن نفس هذه الفكرة.. المدينة التي تلاحقك والأحياء التي ستهيم بها. حول الإنتاج حدد نصر الله مصادر التمويل في القناة السابعة بالتليفزيون الفرنسي ومجلس التعاون التقني للفرانكفونية ومؤسسة سينما فيريتا لوكارنو واتحاد المنتجين الفرنسيين وأفلام مصر العالمية شاهين وشركاه وقد بلغ التمويل مليوني جنيه مصري وهي ميزانية متوسطة ولا تكفي لصنع فيلم مصري من السينما السائدة, يزيد أجر نجم كبير فيه على مليون جنيه. وقال: إخراجي مكلف جدا تقنيا وتنفيذا يتطلب إعادات كثيرة مما يستهلك خاما أكثر من النسب المتعارف عليها .. ومن هنا ولهذا كله كان تصوير الفيلم بنظام ٌفىهى فيديو وتحويله إلى 35 ملم, واستفدنا من البعد البؤري الرائع لكاميرا الفيديو الرقمي في إضفاء الحميمية على علاقات المجتمع الشعبي العدسة هنا تعطيك علاقة التجاور وخاصة الجيران المواجهين لبعضهم بعضاً في الحارة الشعبية في إطار حميمي جدا نظرا لأنها تجعل المستويين داخل الكادر على درجة واحدة من الوضوح. ة