بيان (2): القاهرة ــ ضياء الدين احمد: حاورت (البيان) الدكتورة نعمات احمد فؤاد الكاتبة الاسلامية والاستاذة بجامعة حلوان حول الحضارة الاسلامية والعلوم الاسلامية وادعاءات اليهود بانهم شعب الله المختار. واكدت الدكتورة نعمات ان الاسلام اقام حضارة انسانية تدعو الى العدل والمساواة وتحارب الظلم والفساد والاستعلاء وقالت ان الاسلام رفع راية الحرية والاخاء قبل ان تقرها الدساتير الغربية الحديثة بقرون طويلة. وفيما يلي نص الحوار: * ماذا تعنين بوصفك للحضارة الاسلامية بانها حضارة انسانية؟ ـ أقصد أنها تراعي الإنسان وتصون كرامته . فهي إنسانية حتى حينما تضطر للدخول في الحرب لرفع الظلم والعدوان. فالإسلام يحرم التمثيل بالموتى أو قتل النساء والأطفال أو بقر البطون أو غير ذلك مما ترتكبه الحضارات الحديثة رغم التشدق بحقوق الإنسان ومبادئ السلام, وهي حضارة إنسانية لأنها تحب الحياة وتعترف بمتاعها وتقر زينتها وطيباتها. وترفض الانطواء والتقوقع والزهد. والإسلام دين الفطرة لا يعادي العقل ويحب الجمال والزينة والنظافة , والتدين في الإسلام يرتفع فوق لغو الكلام وعقم الجدل ويحقق معاني التوحيد والرحمة والبناء , والإسلام حضارة إنسانية لأنه استهل فاتحة كتابه بما بين الله والإنسان دون سائر الموضوعات الكبرى متوجا هذه العلاقة بالرحمة) والإسلام أيضا دين الإتقان والمساواة يرفع راية الحرية والإخاء والمساواة قبل أن تعرف ذلك الدساتير الحديثة والإسلام حضارة إنسانية لأنه يترفق بالإنسان ولا يكلف نفسا إلا وسعها , وهو حضارة إنسانية وثورة إنسانية لأنه يجعل العبادة لله وحده ويطلق حرية الإنسان . * كيف كان الإسلام حضارة إنسانية في تعامله مع المرأة؟ ـ الإسلام ساوى بين الرجل والمرأة وساوى بين جميع الناس وجعل الأفضلية بين الناس بالتقوى ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله أتقاكم) والإسلام حضارة إنسانية في موقفه المتحضر والإنساني من المرأة فقد وضعها في إطار واحد مع الرجل في التكليف والمسئولية والإرادة والتصرف, وقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يبايع النساء, وهذه المبايعة من فروع استقلال النساء في المسئولية والرأي والاختيار , وكان ذلك في القرن السابع الميلادي في حين كانت المرأة الحديثة حتى وقت قريب تكافح للحصول على حق الإنتخاب واعتبر حصولها على هذا الحق رقيا وتقدما . وقد أعطى الإسلام المرأة حق البيع والشراء وحرية التصرف في مالها وجعل موافقتها شرطا في صحة الزواج وأشار الى دورها في التاريخ وسدادها في الرأي وقدرتها على التفكير والتدبير كما أعطاها الاحتفاظ باسمها بعد الزواج , ونستطيع القول أن الإسلام منح المرأة من الحقوق مالم تسلم لها به أوروبا حتى اليوم. * قلت أن الإسلام كان إنسانيا حتى في الحرب . فما ردك على الادعاء بان الإسلام انتشر بالسيف؟ ـ الإسلام لم ينتشر بالسيف وإنما انتشر بالإقناع والرغبة والإرادة الكاملة ممن اعتنقوه, فقد انتشر الإسلام في بلاد كثيرة دون قتال مثل أندونيسيا والهند والصين والبلاد الإفريقية والولايات المتحدة الأمريكية التي يعيش فيها الآن حوالي ستة ملايين مسلم, فالإسلام لم يجبر أحدا على اعتناقه ولم يفرض نفسه على أحد, وقد حسمت هذه القضية منذ بداية الرسالة بقوله تعالي : ( لكم دينكم ولي دين ) وقوله أيضا : ( من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) وقد طبق المسلمون الأوائل هذا المنهج الإسلامي الذي يتسم بالسماحة والاعتدال في جميع البلاد التي فتحوها فعلى سبيل المثال دخل الإسلام مصر منذ أربعة عشر قرنا من الزمان فلم يكره أهلها على الخروج من دينهم ولم يحارب حضارتهم ولغتهم , وإنما أحسن المسلمون الى المصريين والذين رحبوا بالعرب ليخلصوهم من بطش وتنكيل الرومان ثم أخذ ينتشر بين المصريين بكامل إرادتهم ثم إنتشرت اللغة العربية بينهم في القرن السابع الهجري فالإسلام لم ينتشر بالسيف وإنما إنتشر بالعدل والمساواة والرحمة والأخلاق والفضائل والقيم . في بلاد كانت العبودية رائدة فيها والظلم والإستبداد , وقد أعجبت شعوب البلاد المفتوحة بمبادئ المساواة وإن الإسلام يجعل الناس متساوين لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا فضل لأبيض على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح. * تتهم الحضارة الإسلامية بإنها كانت مجرد ناقل عن اليونان وعن اليهود والمسيحيين كما يتهم الإسلام بأنه يعادي الحضارات السابقة عليه فبماذا تردين على هذه الاتهامات؟ ـ أولا أقول أن الإسلام أقر الأديان السماوية السابقة وهي ميزة انفرد بها , واعتراف الإسلام بالأديان الأخرى قفل باب الردة عنه , وهذا سر تمسك المسلم بالإسلام حتى أنه يستحيل عليه أن يتحول عنه الى دين آخر . في حين يدخل أتباع الأديان الأخرى بالإسلام لأنهم يدركون بساطته وصدقه وتسامحه, وهذا يختلف عن عنصرية اليهود وقبليتهم الهابطة التي تجعل الله إلها لهم وحدهم وتجعلهم وحدهم شعب الله المختار, كما أن عبقرية الإسلام تتمثل في اعترافه بالحضارات كالأديان فكان موقفه منها القبول وليس الرفض وهذا يدل على قوة الإسلام وثقته وتفتحه وقد خرج الإسلام من بيئة يدوية بدائية ثم إنتقل الى بيئات حضارية عريقة مثل مصر وفارس فلم يهدد ولم يبدد ولم يتجاهل هذه الحضارات وإنما حفظ وصان وأضاف وأذاب بل أن من سماحة الإسلام وعالميته أنه اعتبر نفسه دولة عامة يقوم بها المسلمون جميعا حتى عاصمته السياسية سرعان ما انتقلت من موطنه الأصلي الى الأوطان الأخرى فالإسلام لم يعادي الحضارات السابقة عليه وإنما أخذ منها ما يلائم شريعته وصبغها بالصبغة الإسلامية واستفادت من الشريعة الإسلامية في صياغة قوانينها ودساتيرها فالإسلام ليس دينا طقوسيا وإنما تميز بالقانون والسلوك الإنساني وتواضع المسلمون أمام الحضارات الأخرى ولم يدمروا ولم يخربوا كما فعل التتار. أما الإدعاء بأن الحضارة الإسلامية مقتبسة من اليهودية والمسيحية فاليهود ليسوا أصحاب حضارة وتاريخهم ملوث بالدماء فقد كفروا بالأنبياء وكذبوهم وقتلوا بعضهم فاليهود ولا يضعون حضارات وإنما يقتلون ويسرقون فهم يزعمون أنهم بناة الأهرامات مع أن الأهرامات بنيت قبل أن يوجد اليهود على وجه الأرض. ومهما اختلفت الآراء في الحضارة الإسلامية وأصالتها فمن المؤكد أنها كانت الشعاع الذي بدد ظلمات أوروبا وأدخلت الشعوب الأوروبية الى عصور النور والعلم والحضارة , ويكفي العرب أنهم وفروا على الحضارات الأوروبية زمنا طويلا يعد بعشرات القرون وقد أكدت المستشرقة الألمانية هونكه أن العرب ظلوا ثمانية قرون يشعون على العالم علما وفنا وأدبا وحضارة وأخرجوا أوروبا من الظلمات الى النور. * لماذا إذن يتهم الغربيون الإسلام والمسلمين بالتطرف والإرهاب؟ ـ هذا منطق مغلوط وإلصاق الإرهاب بالإسلام إفتراء ولا أدري كيف يتطاول الغربيون الآن على الإسلام بعد أن أقاموا حضارتهم على علوم العرب والمسلمين؟ ولا نعرف لماذا يقحمون الدين في قضايا لا علاقة لها به ؟ ونحن نتساءل هل ندين المسيحية بالحروب الصليبية ومحاكم التفتيش ومساندة الغدر والمذابح الجماعية في دير ياسين وصبرا وشاتيلا وقانا ؟ وهل ندينها أيضا بحربين عالميتين في ربع قرن قتل فيها الملايين ؟ أن الغرب يعرف تماما أن الإسلام لم يدمر ولم يهدم فقد حالت روح الإسلام دون الهدم حتى في الحروب فحرم هدم المنازل وبيوت العبادة وقتل النساء والشيوخ والأطفال , أما الغرب فبجانب تقدمه في هندسة الجينات وتوسعه في إرتياد الفضاء فإنه توسع أيضا في الحرب والتسلح من خلال إسرائيل وأجهزة التجسس العلمية التي تحرم الإنسان من حياته الخاصة وتنتهك حرمته, ويعمل الغرب الآن على هذا وهذا أسوأ من الإرهاب المسلح ــ إحداث تغيير اجتماعي وسياسي وثقافي محسوب ومرسوم من خلال السباق النووي والشركات متعددة الجنسية واستقطاب الكفاءات وتلويث البيئة واشعار الشعوب بالاغتراب على أراضيها ودفع المفكرين والمثقفين الى اعتناق أفكار وقيم غربية على مجتمعاتهم , وعلينا أن ندرك أن الاستعمار الآ ن لم يعد جيوشا تستفز المشاعر وإنما يدخل الى بلادنا في أثواب مختلفة ويعمل على تسطيح الثقافة وتقليص المناهج والاستنزاف العقلي من خلال برامج التطوير الشكلي والتحديث المظهري في التعليم. * كيف نواجه هذه المخاطر وتلك التهديدات؟ ــ نحن أصحاب حضارة متجددة فيها خاصية الإستمرار وموهبة الابتكار والقدرة على التطوير وبالتالي نحن في حاجة الى اختيار رشيد لمواجهة أخطار الغرب , لابد من نشر الوعي بين العرب والمسلمين واستثمار الطفل الذي لم يلوث بعد مثلما فعلت اليابان فسبقت أمريكا رغم فقرها في الثروات الطبيعية ونريد الاستثمار الإنساني في المدرسة والجامعة والمستشفى حتى يكون جسم الإنسان سليما وعقله سليما. أيضا لابد من تكتل عربي إسلامي يواجه التكتلات الأوروبية والأمريكية واليابانية الصينية وأن يكون وراء هذا التكتل بنك معلومات وإحصاءات ودراسات. وعلى أية حال نحن لا نريد صراعا أو حروبا وإنما نريد تفاهما بين الشعوب وعلاقات تقوم على الاحترام والتقدير.