بيان (2):دمشق ـ مفيد نجم: عقد في جامعة دمشق مؤخرا ملتقى فكري حول علاقة العرب مع العصر وموقعهم ودورهم فيه ورسالتهم الحضارية, وشارك في الملتقى نخبة من رجال العلم ناقشوا قضايا عديدة توزعت على ثلاثة ، محاور هي محور اسهام الحضارة العربية في الحضارة الانسانية ومحور رسالة العرب الحضارية في المستقبل واخيرا محور الفكر العربي المعاصر, وقد اختتم الملتقى بندوة حملت عنوان (اين نحن من عالم الغد). شارك في الملتقى الدكتور احمد صدقي الدجاني (الاردن) الدكتور نقولا زيادة, الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي (فلسطين), الدكتور عزالدين موسى (السودان) والدكتورة خيرية قاسمية, الدكتور محمود السيد (وزير التربية السوري) الدكتور موفق دعبوك رئيس جامعة دمشق, الدكتور عبدالعزيز الدوري (العراق) وغيرهم. توزع الملتقى على يومين اثنين واشتمل في كل جلسة على محور خاص يشارك فيه عدد من المحاضرين العرب والسوريين ثم يفتح في نهاية الجلسة باب الحوار بين الجمهور والمحاضرين. في الجلسة الاولى للملتقى القى د. نقولا زيادة محاضرة بعنوان تفجر العقل العربي في القرنين التاسع والعاشر للميلاد تحدث فيها عن المشاكل الاولى التي واجهها الاسلام والقضايا التي تعرف اليها المهاجرون من جزيرة العرب بعدما اقاموا في الامصار التي فتحتها الجيوش الاسلامية, وقد لخص الباحث المشكلة الاولى بالحاجة التي استدعت ان يوضح الاسلام دعوته للذين اعتنقوه من جديد لان تفسير القرآن يجب ان يكون بالعربية التي هي لغة القرآن, بالاضافة الى ان القرآن لم يكن المصدر الوحيد لتنظيم شئون المجتمع عقيدة وعبادة فكانت هناك السنة والحديث الشريف, الامر الذي اسهم في الاقبال الواسع على جمع الاحاديث في اواخر القرن الثاني والقرن الثالث وصولا الى القرن الرابع. ان هذا الفتح الاسلامي لمناطق فيها حضارات عمرها بين ثلاثة وخمسة آلاف سنة فتحت الباب لكي يتسرب شيء منها الى الاسلام كما انها اسهمت في انتقال فلسفة اليونان عن طريق السريانية اولا وكذلك الامر بالنسبة لجزء كبير من العلوم الرياضية التي هي بابلية الاصل, وفي الختام اشار الى انه بعد القرن العاشر الميلادي توقف الفقه عن التفجر وهبطت اركان الفلسفة في الشرق إلا ان العلوم التقنية ظلت مستمرة في تقدمها كالطب والصيدلة والفلك. الدكتور طلال العقيلي المدرس في كلية العمارة بجامعة دمشق تحدث عن فن العمارة في الاسلام من خلال مساهمة الوليد بن عبدالملك في بناء مئذنة العروس واقام مقارنة بينها وبين الجيرالدا في الكنيسة الاوروبية ثم انتقل للتعريف بمئذنة العروس التي سميت كذلك نسبة لجمالها ورشاقتها, اما الجيرالدا فهو برج كاتدرائية اشبيليا في اسبانيا التي كانت في السابق جامعا, وكان برجها عبارة عن مئذنة. الاسهام العربي من جهة اخرى تحدثت الباحثة الدكتور غادة الكرمي عن الاسهام العربي في تاريخ الطب الغربي ومنذ البداية طرحت سؤالا هاما عن حقيقة هذه المساهمة ثم اجابت على هذا السؤال بجوابين الاول نظري ويتحدد في ان العرب اتبعوا النظرية الطبية الاغريقية (نظرية الاخلاط) وهي اربعة اركان تكون الجسد وهي السوائل ثم نظرية تتحدث عن تكون المزاج وحالة الاعتدال ورأت ان العرب طوروا هذه النظرية, وساهموا في الاكتشافات الجديدة للادوية, وفي التشريح إلا انها ظلت اكتشافات فردية لم تؤثر على نظرية الاخلاط التي بقيت في اوروبا حتى القرن التاسع عشر. لقد لعب العرب دورا في تطوير ونقل الافكار الاغريقية الى الغرب, اما على المستوى العملي فقد كان الاسهام العربي ابداعيا اذ زاد العرب عدد الادوية المركبة من الاعشاب والحشائش, كما ان لهم الفضل في اجراء الجراحة, خاصة جراحة العين بالاضافة الى اختراع ادوات الجراحة. كما يتجلى اسهامهم في مجال التخدير واقامة المؤسسات الطبية (المستشفيات) التي هي ابداع عربي حيث كان في القرن الحادي عشر الميلادي مستشفى في كل مدينة رئيسية وقد تألفت هذه المشافي من اقسام متخصصة في امراض العين والنساء, اضافة الى صيدلية وغرفة للمحاضرات الطبية للطلاب الذين كانوا يتدربون في المشفى مع استاذهم. في اليوم الثاني من الملتقى شارك كل من الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي والدكتور عز الدين موسى (السودان) والدكتور عادل العوا (سوريا) والدكتور عبدالعزيز الدوري (العراق) والدكتور احمد صدقي الدجاني (الاردن) والدكتوران عبدالنبي اصطيف وخيرية قاسمية (سوريا). رسالة العرب تحدث الدكتور محمود السيد وزير التربية السورية أولا عن عصرنة التراث وضرورة تطويره وتجديده لكي يغدوا موائما للعصر الذي نعيش فيه وطالب باعادة قراءة هذا التراث والارتقاء برؤيتنا اليه الى المستوى الذي لا يجعلنا نراوح في اطار الماضي بل نعمل على تجديده وتطويره بالشكل الذي يجعله مواكبا لروح العصر وادواته الجديدة. اما الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي المختصة بتاريخ الشعر العربي الحديث فقدمت مداخلة هامة حول تأثير الشعر العربي الغنائي الذي كان قمة الشعر العربي على شعر التروبادور الاسباني (الرومانسي) ورأت ان النقد العربي في الخمسينيات كان متحاملا على التراث وخاليا من الموضوعية لان من يحترم تراثه يكون موقفه مختلفا. وفي هذا الصدد استعادت مواقف الدارسين الغربيين الذين نفوا تأثير الشعر العربي على الشعر الرومانسي الغربي وردت على طروحاتهم كما اشارت الى وضوح روح الشعر العربي في شعر لوركا واكدت ان المؤثرات شيء خفي يؤثر من لغة في لغة اخرى. اما على صعيد القصة العربية فاستغربت تجاهل كتاب وشعراء الخمسينيات لوجود القصة العربية, واكدت ان لها دراسة تغطي مرحلة ما قبل الاسلام وقد اذهلها وجود تنوع كبير يجعلنا نتفوق على غيرنا من الشعوب. وهنا تحدثت عن تأثيرات رواية ابن طفيل (حي بن يقظان) وفن الخبر ومؤلفات الجاحظ على كتابات بورخس كما تحدثت عن اثر المقامات على رواية سرفانتس (دون كيشوت). البحث العلمي الدكتور عز الدين موسى المدرس في جامعة الملك سعود بن عبدالعزيز تناول في ورقة عمله موضوع (البحث العلمي عند العرب بين الابداع والاخفاق) وفيه تساءلت هل البحث العلمي هو انجاز اوروبي بحت ثم انتقل للحديث عن الاتهامات التي وجهها الدارسون الغربيون للحضارة العربية على اساس من ان منتجيها هم من غير العرب وان الحضارة العربية الاسلامية هي مجرد ناقل, وقد اشار الى ما اثبتته الدراسات الحديثة من فضل حضارات الشرق العربي القديم على تراث اليونان, وبالمقابل دعا الى عدم الاستغراق في الزهو بهذا التراث العربي الاسلامي لان ذلك يبقينا في اطار التمجيد والتوقف عن الماضي. لقد كانت اللغة العربية هي اهم منجز للحضارة العربية الاسلامية وقد استطاعت هذه اللغة ان تستوعب علوم عصرها, اما على مستوى العلم التجريبي فإن العرب قدموا اسهامات معروفة في مجال العلم الرياضي والفيزيائي حيث جرى تغييب هذا الاسهام ولذلك قام المحاضر بمناقشة وذلك من زاوية علمي البصريات والميكانيكا والاسهامات الابداعية للعلماء العرب المسلمين فيه, وفي الختام اشار الى ان جانبا هاما هو ان هذا الابداع كان من صنع افراد لم يشكلوا مدرسة باستثناء الطب بالاضافة الى ان اللاحق نادرا ما كان يشير في دراساته الى السابق الامر الذي جعل ذلك يشكل احد اسباب ضعف العلم التجريبي عند العرب. رسالتنا الحضارية حاول الدكتور عادل العوا في مداخلته حول رسالتنا الحضارية ان يحدد ثالوث القيم العربية حيث امتاز العرب منذ وجدوا بأنسنة الانسان وقد تمثل ثالوث القيم العربية بالانفة والتسامح والتعامل بالمثل او الندية وبعد ان قدم الباحث تعريفا لمعنى الحضارة في هذا العصر, انتقل الى الحديث عن الحضارة العربية, ودورها في تاريخ الحضارة الانسانية من خلال خصائصها التي تمثل هوية خاصة سواء على مستوى التصور والسلوك او على مستوى علاقتها بالفكر القومي العربي. وتساءل العوا عن رسالة العرب في المستقبل القريب ثم حاول ان يقدم اجابة عن هذا التساؤل من خلال مناقشة امكانات تحقق ذلك في المستقبل. على صعيد آخر انطلق الدكتور عبدالعزيز الدوري في بحثه لمشاكل الراهن من منهج يقرأ مشاكل الحاضر من خلال تتبع وتفحص جذورها في الماضي وقد توزع بحثه الى محاور عدة هي الاسلام والعرب ودور العسكر في الحضارة والبداوة والحضارة اللذين جمع الاسلام بينهما تحت رايته واخيرا المواجهة مع الغرب. اكد الدكتور الدوري الذي امتاز بحثه بالرؤية الشمولية والموضوعية على التلازم بين الاسلام والعرب واشار الى ان الاحزاب السياسية ظهرت في الاسلام منذ القرن الاول الهجري إلا ان دورها في مساءلة الحاكم لم يكن موجودا ورأى ان الاتجاه الى الاستبداد تعزز مع الزمن خاصة مع اعتماد الخلفاء على المرتزقة بالاضافة الى ان العرب لم يستطيعوا نقل فكرة الشورى من مستواها النظري الى المستوى التطبيقي. الدكتور احمد صدقي الدجاني الذي بدا متفائلا في قراءته لواقع الفكر العربي المعاصر اشار منذ البداية الى ان الحديث عن الحاضر عندما يأتي يكون النقد الحاد والغاضب له وعليه فقد رأى ان مهمته عندما يأتي يكون النقد الحاد والغاضب له وعليه, فقد رأى ان مهمته من هذه الزاوية ستكون صعبة لانها تتحدث عن الفكر العربي المعاصر. بداية تساءل هل هناك فكر عربي معاصر وقبل ان يجيب على هذا السؤال قال ان البعض اصدر على هذا الفكر عبر العصور حكما بأنه يعاني في بنيته من اختلال وتحدث عن احكام من اسماهم بناشري الفكر ثم قام بالرد عليهم من خلال كونه ينتمي الى مدرسة اخرى تعتمد اصدار الحكم بعد العرض. ان امتنا العربية في حالة يقظة بل انها تجاوزتها الى حالة انبعاث حضاري, اما كيف نرى هذا الفكر العربي المعاصر فإن هذه الرؤية وثيقة الصلة بعلمين الاول هو علم تاريخ الافكار ومن المهم ان نوليه حقه من البحث والثاني هو علم دراسة المستقبل, ورأى الدكتور الدجاني ان هناك علما يتبلور وله منهج علمي, وفي دراسته لتيارات الفكر العربي المعاصر لخص هذه التيارات في ثلاثة هي الفكر الانكماشي والفكر الانغماسي ثم فكر الاستجابة الفاعلة, وقد تمثل الفكران الاول والثاني بسيادتهما على عقدي الاربعينيات والخمسينيات في حين ان الفكر الثالث ساد في عقد الستينيات وكانت له مؤسساته التي عملت على استيلاد الافكار الجديدة. لقد تجلت مظاهر الازمة بالنسبة لهذا الفكر وبالفجوة الكبيرة القائمة بين الفكر والسلطان وبغياب الحوار بين التيارات الثلاثة بسبب انعدام مناخ الحرية. اعادة كتابة التاريخ العربي وحول اعادة كتابة التاريخ العربي قدمت الدكتورة خيرية قاسمية مداخلة ابتدأتها بالسؤال عن ماهية التاريخ الذي سنكتبه وعن طبيعة الجدل الدائر حوله واشارت الى ان مشاريع مختلفة قدمت في هذا الصدد سواء من قبل مؤسسات بحثية او من قبل دول عربية, بعد ذلك اجابت عن الدواعي التي تتطلب اعادة كتابة هذا التاريخ, ورأت انه لابد أولا من فهم الماضي الحضاري والسياسي لاننا على الرغم من اتصالنا بالفكر الحديث فلا يزال الفكر العربي يحاول تلمس صياغة فكرة واضحة في قراءة التاريخ ثم حاولت دراسة التيارات الفكرية العربية والمآخذة التي يمكن ان نسجلها عليها ثم اقترحت بعض الخصائص التي يمكن ان تقوم عليها الرؤية الجديدة الى التاريخ والتي تتحدد في النظرة القومية الشاملة في مختلف القضايا وعلى مر العصور, وضرورة الانشغال بالقضايا القومية بصورة تجعل التاريخ العربي يقوم بدور فاعل في صياغة الانسان العربي وكذلك التوجه القومي في كتابة هذا التاريخ والذي عليه ان يراعي ان الاسلام هو جوهر هذا الفكر اضافة الى وضع هذا التاريخ في سياقه الانساني. اين نحن من عالم الغد؟ الجلسة الاخيرة من الملتقى كانت لمناقشة مسألة (اين نحن من عالم الغد؟) وفي البداية تحدث الدكتور موفق دعبوك رئيس جامعة دمشق والمشرف على هذا الملتقى عن قضية المصطلح او المقصود بمصطلح (نحن) لان الحضارة العربية مما تم التركيز عليه لم تكن في حقيقتها وقفا على العرب او المسلمين لان هناك حشدا من العرب من غير المسلمين الذين ساهموا في صنعها, كما ان هناك مسلمين من غير العرب ساهموا الى جانب العرب مسلمين ومسيحيين في صنعها, ونظرا لاهمية اللغة العربية وضرورة ان تبقى هي لغة العلوم تحدث عن استعمال اللغة العربية في التدريس والبحث في الجامعات السورية. الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي طالبت من جهتها بضرورة اصدار موسوعات مصورة تتناسب مع اعمار الشبيبة العربية لان الشباب العرب فقدوا ثقتهم بحضارتهم, لكونهم لا يعرفون شيئا عن انجازات هذه الحضارة, كما رأت ضرورة الاهتمام باللغة العربية الى جانب اللغة الاجنبية لكي نستطيع استيعاب العلوم الحديثة والانفتاح على العصر. وقدم الدكتور احمد صدقي الدجاني مداخلة مهمة اكدت على ضرورة تحديد مدلول (نحن) في العنوان وهنا اشار الى حقائق قائمة لابد من مراعاتها وهي حقيقة الدولة القطرية, والحقيقة القومية ثم الحقيقة الحضارية واخيرا الانتماء الانساني ثم قدم قراءة لعالم الغد كما يتصوره, ورأى ان النظام الدولي الراهن لابد ان تتفرع عنه انظمة اقليمية, ثم اكد على الحاجة الماسة لتوثيق العلاقات القطرية الثنائية اولا بين الاقطار العربية لانها تسهم في خلق حقائق قومية, اما على الصعيد القومي فالمطلوب هو تطوير نظام الامن القومي العربي وتقويته وتعزيزه بمراكز البحث, وعلى المستوى الحضاري يجب العمل من خلال منظمة المؤتمر الاسلامي والربط بين النظامين العربي والاسلامي. وفي اشارة مهمة طرح المفكر الدجاني قضية التخوم التي لم يعالجها الفكر العربي بشكل كاف وطالب بأن تكون هذه التخوم مناطق وصل لا مناطق فصل كما يحدث في الخلافات السياسية بين الاقطار العربية حول الحدود او بينها وبين الاقطار المجاورة. على مستوى آخر تحدث الدكتور عز الدين موسى فطالب بضرورة ان ننطلق من الواقع ومما نظن ونعتقد, ورأى ان اشكالية الواقع العربي تتمثل في فشل الدولة القطرية في تحقيق الآمال وكذلك فشل الدولة القومية ورأى ان الشارع العربي يشهد الآن صحوة اسلامية لها تأثيراتها الواسعة, واكد ان الفشل لم يكن اثره سلبيا بالكامل, بل كان له تأثيرات ايجابية ولذلك فإننا اذا اردنا ان ننهض حضاريا فإن المطلوب هو مواجهة اشكالية الواقع. على صعيد آخر اكد ان ليس من تضارب بين القومي والاسلامي في هويتنا الحضارية, وان النقطة المركزية في مشروعنا الحضاري هي قضية التعريب وتوحيد المصطلحات وطالب بالعمل الجماعي الموحد وعدم ايداع نتائج البحوث في الخزائن, كما طالب بتوجيه الاهتمام الى العمق الثقافي الممثل بالتأثيرات الثقافية العربية في العالم الاسلامي بالاضافة الى ضرورة اعادة النظر بالوقف الاسلامي والذي يشكل في بلد كالمغرب 70% من ميزانيته بشكل يتم توظيفه لخدمة قضايا البحث العلمي وتمويل المشاريع العلمية ومراكز البحث المختلفة.