بيان (2): من السمات التي تبرز بوضوح في الشعر الحر اتكاؤه على الرمزية الموغلة في الايحاء, ومن بين الرموز التي يعتمدها الشاعر المحدث في عرض موضوعاته وتناول قضاياه الملحة بأبعادها المختلفة (الاسطورة), ولعل ادونيس كان من اكثر الشعراء دقا على وترها, وترديدا لاسقاطاتها واظهارا لملامحها, اذ يكفي ان يذكر ملمحا واحدا حتى يثير فينا كوامن الرغبة في الاستكشاف ويطلق طاقات الفكر من اجل لملمة القضية, بل جملة القضايا المرتبطة بها بخيوط قد لا ترى للوهلة الأولى. وفي قصيدة (مرآة اورفيوس) للشاعر علي احمد سعيد (ادونيس) تظهر منذ البداية الاشارة واضحة الى (اسطورة اورفيوس) المستمدة من الميثولوجيا القديمة التي لعبت فيها القيثارة دورها النشط في تحديد مسارها, فهي (اي القيثارة) تركت السلف الى الخلف, الأب الى الابن, وتحديدا من (ابولو) الى (اورفيوس) ليكون اداة الراحة ثم الاخضاع والسيطرة الى ان يصل تباعا الى درجة الاذلال, وهكذا كان, ولكن توظيف الشاعر لهذه الاسطورة ـ مع انه استطاع ان يضفي عليها نفسا مضاعفا ـ جاء في قالب (تراجيدي) مثير ينسجم مع ما تناقلته الاسطورة من تطور على ألسنة من نقلوها الينا, ومنذ البداية كما اشرت: قيثارك الحزين اورفيوس يعجز ان يغير الخميرة يجهل ان يصنع للحبيبة الاسيرة في قفص الموتى سرير حب يحن او زندين او ضفيرة (فالقيثارة) حزينة و(اورفيوس) اشد حزنا لذلك نجده قريبا في النفس الى حد التلاشي يوجب ذلك عدم استعمال اداة النداء مما يشي بالخفوت والتشاؤم المتناسب والعجز الذي هو اخبار عن هذه القيثارة, وتتوالى سلسلة الافعال التي يستعملها الشاعر لتدل كلها على السلبية المتوخاة من الاسطورة لتصل مفردات هذه الافعال تعدادا الى ستة افعال هي: يعجز, يموت (ورد مرتين), يكبو, ينكسر, يفر. فالفعل (يعجز) يتبوأ مركزية الحديث وبؤرته, تتبعه او تنشطر عنه الافعال الباقية, فلو لم تعجز القيثارة عن القيام بفعل كانت قادرة على تنفيذه في وقت من الاوقات لتغيرت الخميرة, وهي انما تمثل اساس كل شيء ولبه, ان لم تكن الشيء الوحيد الذي يريده الشاعر هنا. ولو تغيرت الخميرة وهي القابلة دوما للتغيير تحت تأثير الفعل البشري لعادت الحان السعادة الى القيثارة وملأت جنبات العالم واركانه, وسحرت مخلوقاته, فبعثت الفرح والسرور في نفسه, وافرحت ما حوله واخضعته لسلطانه فأعادت الحبيبة المفقودة بل كل ما هو عزيز مفقود, ولكان الشاعر كذلك قادرا على طرد الجهل, وان يصنع لها سرير الحب الذي يحن اذ يعلم كم هي في حاجة اليه بعد ذلك الموت في قفص الاسر. هنا يتفرع هذا العجز ليتشكل بمعايير اخرى يقيس بها عناصر التكوين الاخير لما هو مطلوب, فيطرد العجز بالجهل, اذ لا يتوصل الى اتقان صناعته التي طالما اعتاد ممارستها, حتى انه ليقصر عن اداء الخدمة التي لا بعدها, ولا اقل منها, وهذا تسليم بالامر الواقع الذي لا فكاك منه, فلقد افلت الزمام وانتهى المطاف به, ترى اليس من الجيد عند هذا الحد ان يحاول المحاولة الاخيرة فيقدم شيئا لنفسه يعرف انه لا يستطيع تقديمه الى اخر فربما يكون في ذلك عزاء وتسلية, وربما يكون في ذلك مقدرة, ولو انها جاءت في غير موعدها, ولكنها على كل المحاولة التي تضفي على الطبيعة وقعا ينسجم مع هذه النفس الطموح, لاسيما وان الاخر لا يدرك حتى هذه اللحظة مدى العجز والخيبة اللذين يسيطران على الموقف, ثم يتعالى الصوت او قل يتلاشى حتى يصل الى درجة العجز الاخير, وهي الموت: يموت من يموت, اورفيوس والزمن الراكض في عينيك يكبو, وفي يديك ينكسر القيثار فيعترف به لنفسه اولا لينقله الى محدثه ثانيا, ليس ليسوغ هذا العجز المسيطر على ذاته, ومقدرته, بل ليؤكده له كحقيقة تصطبغ بها الاشياء جميعها من دون استثناء, فما من شيء بعيد عن المحصلة التي آل اليها, والزمن في جموحه سيقصر بسبب ما, لا تحديدا ولا اطلاقا, فطبيعة الاشياء والمواد هكذا خارجة عن نطاق السيطرة يدفعها الى هذا المآل الواقع الذي يزري بها على غير رغبة او ارادة منها, وكذا تنكسر القيثارة, وتضعف الرؤية ـ بصرية وذهنية ـ وتحدد طاقات الانسان الذاتية المنبعثة من داخله, فيرى الاشياء لمحا على حافة النهاية وكأن العالم قد صغر فلا يكتمل له بنيان ولا تكتمل له رؤية او صورة, وعندها لابد من ان يعيش ما هو مفروض عليه ان يعيشه, فيكون الزهر غناء, والماء صوتا, ليدل بدلالة واقعية انه ضمن هذه الدائرة من المعرفة مجبر على الوقوف عاجزا مستمعا لما يفرض عليه من دون ادنى محاولة للمقاومة, وهو اخر ما يمكن ان يسمعه من ضوضاء جاء بقالب اخباري صحيح على شكل حقائق كونية مسلم بها: المحك الان على الضفاف رأسا, وكل زهرة غناء والماء مثل صوت بعد ذلك ينقل لنا جانبا اخر من الصورة صاغه بقالب تشكيلي اخر, في اطار محاولة لدفع الانسان الى ان يطاول والى ان يدلي بدلوه ليعيد الكرة من جديد, فيخرج عن صمته, ويحرك لسانه وحواسه المنغلقة لكي يعطي انطباعا اخر من اشكال الحيوات, فبعد ان انتهى الامر به الى اشلاء ممزقة تعود مزق الاشلاء هذه لتتجمع مرة ثانية, وتعود ظلا لشكل واحد قادرة على تمثيله, فيخرج عن الطوع, مبشر او لنقل منذرة ـ اذا اخذنا بعين الاعتبار النهاية الحتمية لها ـ ببداية جديدة لعالم جديد بعيد عن مدار استهلك وقضية كانت خاسرة: اسمعك الان اراك ظلا يفر من مداره ويبدأ الطواف واخيرا, وضمن القول الاسطوري التناسخي او بعيدا عنه, فانني استطيع ان اؤكد ان الحقيقة التي يعيشها بنو البشر هي ما استطاع الشاعر ان يلقفه, فيسطر بها مضامين هذه الكلمات المعدودات المبتسرات, وبخصوصية شفافة, ربما كان يقصد ان يعكس الواقع العربي المرير الذي ما فتئ الشاعر ينقر على وتره كثيرا, متمنيا لو انه يستطيع ان يجد مخرجا اسطوريا يعيد للعرب سابق مجدهم بعد ان قحلت الارض بهم ومحلت, لتمطر عليهم السماء سابغ خيرها, فتهتز الارض من تحتهم بفعل صرخات الخلايا المنتشرة على امتداد الزمان والمكان, باعثة الحياة ومعيدة الخصب من جديد.