بيان2: في العصر الجاهلي ظفر الشاعر العربي بمكانة مرموقة, نافس بها رئيس القبيلة, وكاد ينفسه. وتعود هذه المكانة الى ما عرف به اكثر الشعراء من نضج فكري, وحكمة رزان, ودفاع عن المثل والمآثر. واذا كان الناس يحتكمون الى شيخ القبيلة في مشكلات السياسة, فقد كانوا يحتكمون الى الشاعر في امور العقل, ويعتقدون ان فيه قوة سحرية خارقة تحرك لسانه بما لا يحسنون, او شيطاناً موصول النسب بعبقر, يبث في خاطره مالا يخطر على قلب بشر. ومما يدلك على مكانة الشاعر في قومه ان كل قبيلة كانت تباهي بشعرائها كما تباهي الدول الحديثة اليوم بصحفها وقنواتها الفضائية. فاذا نبغ شاعر أتتها الوفود مهنئة او حاسدة, واتقاها الناس خائفين. ولم تنحط منزلة الشاعر في الاسلام كما يدعي بعض النقاد, بل رسخت وشمخت, وادل ما يدلك على ذلك ان سعد بن أبي وقاص جمع الشعراء في يوم من ايام القادسية الفاصلة, وقال لهم: (انطلقوا, فقوموا في الناس بما يحق عليكم ويحق عليهم عند مواطن البأس, فانكم من العرب بالمكان الذي انتم به وانتم شعراء العرب وخطباؤهم, وذوو رأيهم ونجدتهم وسادتهم, فسيروا في الناس, فذكروهم, وحرضوهم على القتال). واليوم, برغم تطور وسائل الاعلام ورقيها, لم ينزل الشعر عن مكانته, بل احتفظ بموقعه من الوقائع, وبمنزلته في النزال, لان امة العرب امة شاعرة بالفطرة, وشعرها لا يعبر عن فطرتها وحسب, بل يفجر هذه الفطرة, ويبث فيها الطاقة المحركة التي تحفظ استمرارها وتجددها. واقوى البراهين الحية على ما ندعي شعر الارض المحتلة الذي عايش احداث القضية الفلسطينية اكثر من نصف قرن, وظل يواكبها, ويوجهها, ويذكي روح المقاومة في اشبالها, ويؤجج نار الجهاد حتى ايامنا هذه, غير مخدوع بأصوات السلام المزعوم, وغير مستكين مع من استكانوا, وغير منضو تحت هوان من هانوا. وبالامس تعاقب على عيني واذني جمر ورماد, وصحو وسهاد, وشمس وضباب, وحضور وغياب, فسر عيني الجمر والصحو والشمس والحضور, وساء أذني الرماد والسهاد والضباب والغياب, اذ تلقفت السرور من وجه صحيفة, وغمر أذني الغم من فم صديق. اما الصحيفة فقد قرأت فيها قصيدتين لشاعر من شعراء الارض المحتلة, واما الصديق فقد صب في أذني من الغثاء والبلاء ما حبب الي الصمم والبكم لئلا اسمع ما قال, وانقله, فيقع علي اثم الناقل, ثم تذكرت ان ناقل الهذر ليس بهاذر, فأحببت ان اعرف القارىء ما عرفت. اولى القصيدتين اللتين حملتهما الصحيفة الى العينين تصور الاطفال الابطال, وهم يتحدون الصهاينة, ويقولون لهم بالعبرية (كديمه) اي: تقدموا. والشاعر المبدع حول هذه اللفظة العبرية الى قصيدة عربية, نغمتها كالموسيقا العسكرية, وافكارها مستوحاة من الواقع الذي تعايشه الانتفاضة, وعواطفها تعبير عفوي قوي عما يتخلج في القلوب الصغيرة من معان كبيرة تخفق لها وبها قلوب العرب والمسلمين اجمعين لا الفلسطينيين وحدهم. فيها الغضب والاصرار والايمان والثقة والتفاؤل والاقدام والعنفوان. يقول الشاعر: تقدموا تقدموا, كل سماء فوقكم جهنم وكل ارض تحتكم جهنم يموت منا الشيخ والطفل ولا يستسلم وتسقط الأم على ابنائها القتلى ولا تستسلم لن تكسروا اعماقنا, لن تهزموا اشواقنا نحن القضاء المبرم فلم افرغ من قراءة الابيات حتى صرخت: لله ابوك, ولا فض فوك! ما اروع هذا التصوير الذي يملأ حواس الصغير والكبير! واقرأتها صديقي, فتلقاها بطرف قاصر, وحس فاتر, وقال اين هذا التصوير المباشر مما اقول؟ قلت: وما تقول؟ فأنشد: اغرق في غيبوبة طينية الاصقاع اغرق حتى القاع لادفن الوصول في غيبوبة الذهول وانبش الوحول عن كل ما تنقشه غيبوبة الضياع في دفتر العدم من شعري الغارق في غيبوبة الملل والعق السأم فيحتويني اليأس والغيوب والندم فقطعت عليه الانشاد, وقلت: حسبك, انني الى حسوة من قهوة, تمنحني الصحو احوج مني الى اللغو, فكف عني غرب لسانك, واخرج من هذيانك. لقد فشت فاشية الغيبوبة في شعرك وفي الشعر الحديث حتى صار حضور الوعي فيه مرفوضاً, كأنك من عالم آخر غير العالم الذي نعايشه, وتناقش وضعاً غير الوضع الذي نناقشه. او كأنك يا صديقي تتصيد الافكار والصور من عالم يفصله عن عالمنا برزخ, لا يعبره الا الشاعر الحداثي من مريديه. ثم انك يا صاحبي تناقض نفسك, فأنت تدعي الغيبوبة ادعاء, ولو انها احتوتك لافقدتك الوزن والتوازن, ولما كان شعرك موزوناً فهذا دليل على انك تكذب على نفسك وعلي, اخرج من احلامك واقرأ معي هذه الرائية للشاعر نفسه الذي يقول فيها ما يعيد اليك وعيك, اذ يصور التاريخ تصويراً حياً يبعث صلاح الدين من مرقده, ويأتي به من دمشق الى القدس: هذا قميص صلاح الدين متشحاً ازهار حطين في قيلولة الظفر افلا يعذر القارىء اذا فضل ما يفهم بالفطرة على ما تريد ان تفهمه إياه بالاكراه؟ او اذا آثر ان يرتشف بشفتيه من هذا الفرات السائغ على ان ترزق في عضلاته المتوثبة ابرة من كدرك وحذرك؟ ان كنتم يا معشر الحداثيين حراصاً على الانغماس في الناس فخاطبوهم بما يفهمون, واذا ارفضوا عنكم فعلى من تقع تبعة الارفضاض؟ اعلى من تعمد الانفصال ام على من يعيبه الاتصال؟ اقول لك باختصار: انها غيبوبة غير مطلوبة, والعوبة غير محبوبة, تخرج منها وانت من الآخسرين اعمالاً. ومن اثر الوصول الى العقول, والاحساس بما يحس الناس, فليتذكر قول العرب: اذا كنت في قوم فاحلب في انائهم, وقوله تعالى: (وما ارسلنا من رسول الا بلسان قومه ليبين لهم) وقوله ايضاً: (لسان الذي يلحدون اليه اعجمي, وهذا لسان عربي مبين).