شهد اليوم الثاني من فعاليات احتفالية مؤسسة سلطان العويس الثقافية بالذكرى الأولى لرحيل الشاعر ورجل الأعمال سلطان العويس جلستين نقديتين وذلك صباح أمس في فندق البستان روتانا في دبي. وقدم الباحث المغربي الدكتور محمد العلمي دراسة احصائية وصفية للايقاع العروضي في شعر سلطان العويس. ورصدت الدراسة الايقاع العروضي للأشعار التي تضمنها ديوان العويس الذي شمل اعماله الشعرية كاملة, وتناولت الدراسة توزيع القصائد على البلور حيث أشار الدكتور العلمي الى ان بحر البسيط كان له القسط الوافر من قصائد العويس التي بلغت 96 من هذا البحر, ومن ثم البحر الكامل بقصائد وصلت الى 67 قصيدة, والبحر الوافر 59 قصيدة, وبحر الطويل 18 قصيدة, وبحر الرمل 16 قصيدة وبحر المتدارك أربع قصائد وبحر الرجز قصيدة واحدة. وأضاف الدكتور العلمي ان العويس لم ينظم في بحور المديد والهزج والسريع والمنسرح والخفيف والمضارع والمقتضب والمجتث والمتقارب. وطرح الباحث ثلاث ظواهر متميزة لدى العويس وهي قبض عروض الوافر المقطوفة وتحريك سين مستفعلن في البسيط الأول, لتؤول الى متفاعلن وأخيرا حذف ساكن الوتد المجموع في البسيط. واختتم الدكتور العلمي بحثه بالاشارة الى ان العويس قد كتب قصيدة بالشكل الحديث المعروف بالحر وهي قصيدة بعنوان (ترانيم عاشق) وبناها على ايقاع الخبب وفي أسطر يختلف عدد تفاعيلها من سطر الى آخر, الا انه التزم فيها قافية واحدة وبذلك يكون العويس قد اضاف الى مظاهر التجديد الايقاعي المشار اليه سابقا ظاهرة اخرى هي عدم التحرج من الكتابة على النمط الجديد الشائع. وفي المداخلة النقدية الأولى لجلسات الأمس قدم الباحث محمد جمال باروت ورقة بحثية بعنوان (محددات عالم العويس الشعري) وبدأ باروت مداخلته بمقولة (الانسان يولد شاعرا) والتي ينسبها العويس الى أحد الفلاسفة الغربيين وتكثف المقولة جوهر نظرة الشاعر الى العلاقة البدئية ما بين الانسان والشعر, وهنا يعني بالشعر حالة الشعور أو التجربة الجمالية العفوية التي تسبق بطبيعتها أي بناء أو تجنيس أو تنظيم هندسي وجمالي لها في شكل القصيدة. ويضيف باروت ان العويس قد انطلق من فهم العلاقة ما بين الشعر والعالم من نظرة محاكاتية ترى (ان الانسان يحاكي الطبيعة بما يرتعش فيها من اصوات وألوان وحركة مرئيات على اختلاف انماطها وجمالها, والانسان نتيجة للطبيعة, وبخاصة لغة الطيور فيها, ينشد الشعر أو يغنيه). وأكد الباحث ان العويس لم يكن منظراً أدبياً, وليس مطلوباً منه أو من أي شاعر ذلك, لكنه كان شاعراً حاول ان يعبّر عن تجربته بلغة بسيطة خالية من التعقيد النظري مع انه وضع نفسه في سياق ما بات يحتمل ان يعرف في التاريخ الشعري الاماراتي المعاصر بـ (جماعة الحيرة) التي تشكلت عفوياً في القرية الواقعة بين امارتي الشارقة وعجمان. وهذه الجماعة قد حافظت على الشكل الكلاسيكي كإطار فني ودلالي لها في التعبير عن التجربة الشعرية. وأشار باروت الى تميز العويس ببيئة ادراكية متجاوبة مع الروح العامة للحداثة, وإن لم تكن متسقة بالضرورة مع اشكالها. وقد فهم العويس الشعر في سياق هذه البيئة ببساطة بقوله (أنا لا أدعي التفوق الشعري. إنما أكتب لشيء حميم في نفسي وأواصل الكتابة). فالشعر لديه كما تسعفنا بعض تعليقاته المنثورة هنا وهناك في المقابلات, هو تجربة الانسان بوصفه شخصاً وليس فرداً. واعتبر باروت أخيراً ان قصائد العويس القصيرة تقوم على وحدة الدفقة التي توفر انطباعاً شعرياً مكثفاً. وهذه السمة هي ما سماها العويس بالفكرة ــ اللمحة. إن العالم الشعري هنا هو عالم متناهٍ في الكثافة والصغر وليس عالماً متناهياً في الكبر. فيترادف الشعر هنا مع اللحظة والبارقة والدفقة والومضة. وخلص الباحث الى القول بصورة عامة ان نمط القصيدة المهيمن على ديوان العويس هو نمط (القصيدة القصيرة). بمعناها كنوع شعري فرعي, إلا أننا حين نعثر على قصيدة طويلة نسبياً أو متوسطة فهي ترتبط على العموم لديه بشعر الموضوعات أو المناسبات. ولقد كان العويس مقلاً الى حد بعيد في هذا النمط الأخير, الذي كان يضطر اليه بوصفه شخصية اجتماعية أكثر منه شاعراً, ونجد شعر الموضوعات لديه ضعيف القيمة فنياً. د. محمد إبراهيم حور: الإيجاز ميزة شعر العويس وفي الجلسة النقدية الثانية قدمت ثلاث أوراق بحثية أولها دراسة للدكتور محمد ابراهيم حور بعنوان (توقيعات وطنية وقومية في شعر سلطان العويس) أوضح فيها ان استخدامه لمصطلح التوقيعات في عنوان بحثه استعارة من التراث الادبي العربي وهو مصطلح ألصق بالنثر منه بالشعر لما لشعر سلطان العويس من غلبة في التركيز على المعنى والايجاز في عدد الابيات بحيث ان كثيرا من مقطوعاته الشعرية لم تجاوز البيت المفرد, وهو بذلك اقرب لفن التوقيعات منه للقصائد وقد اتخذ العويس الايجاز (التوقيعات) وسيلة فنية يعبّر بها عما يريد كونه لم يشأ ان يكون مكررا نفسه في شعره فلجأ الى الايجاز والتوقيع. واعتبر الدكتور حور العقد العاشر من القرن العشرين منعطفا قوياً في شعر العويس من حيث القضايا الموضوعية, اذ غلب على شعره في السابق الطابع الغزلي واعتبرت الصبغة الرئيسية لأعماله من قبل الباحثين, لكن مطلع التسعينيات من القرن المنصرم حمل تغيراً مفاجئاً وانقلاباً كبيراً في شعره, وغلّب القضايا الوطنية والقومية على شعره الغزلي. ويعود ذلك وفقاً لرأي الدكتور حور الى ثلاثة أسباب أهمها حرب الخليج الثانية التي كان لشاعرنا رأيه فيها وموقفه منها صاغه بفنه الذي عرف به, والتغير أو السبب الثاني هو الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي جاءت رداً على العجز العربي وعايش العويس هذه الانتفاضة وأدرك مراميها فقال بهذا الصدد (أما الانتفاضة فلم أكتب عنها بعد, إذ أنني احسبها تعبيراً جذرياً جداً, وأكثر فاعلية, وأقوى من أي كلام). وهدأ العويس من ذهوله, وعاد الى فنه فصاغ في الانتفاضة أجمل كلام. والسبب الثالث للتغير الذي طرأ على سيرة العويس الشعرية كما يرى الدكتور حور جائزة سلطان العويس الثقافية التي أنشأها من ماله الخاص فجاءت علامة بارزة في تاريخنا الثقافي والتي دلت على اعتزازه بعروبته وأمته. وتطرق الدكتور حور الى موقف العويس من المرأة المحور الأقوى الذي دارت قصائده حوله, لأنه رأى انها مهضومة الحق مكسورة الخاطر, ومجتمعاتنا ما زالت تقف موقفاً سلبياً اذا بُشر أهلها بولادتها. وفي السياق نفسه فقد تمسك العويس بحق المرأة في الزواج ممن تُحب. وما تعانيه من شقاء وبؤس حين تجرد من حقوقها فيفاجئنا الشاعر بصرخة امرأة (فكوا قيدي يا عتاة!) عاشت في بيت تكره زوجها فيه وتبغض ضرة لها. وخلص الدكتور حور الى القول في نهاية بحثه ان العويس قدم في العقد العاشر من القرن العشرين وهو العقد الذي ختمت حياته بانتهائه, صورة مغايرة لسلطان العويس قبل ذلك وإذا كان قد أجمع الباحثون على انه شاعر الغزل والمرأة قبل عام 1990, فقد اعتبره الباحث شاعر الوطنية والقومية بعد ذلك التاريخ. د. عيسى علي العاكوب: انشغل شعره بالتجديد والابداع وقدم الدكتور عيسى علي العاكوب الباحث في اللغة العربية من جامعة حلب ورقة بحثية بعنوان (آفاق الابداع والتقليد في شعر سلطان العويس) وأشار الى ان العويس وعي قدراً مقبولاً من ذاكرة الشعر العربي في عصور ازدهاره ولدى اعلامه الكبار, رغم انه لا يمتلك تحديدا دقيقا لمادة هذا الذي أسس عليه شعره من تراث العرب الشعري, مؤكدا ان العويس قارئ جيد للقرآن الكريم إذ تشكل آفاقه اللغوية وعباراته جزءا من حافظته, وأضاف الدكتور العاكوب انه إذ كنا نعتد بمقولة ان (لكل شاعر طريقته الخاصة التي لا تناقض استيعاب الماضي وما يسمى اللاشعور الجمعي للشعر العربي) فاننا نطمح إلى استجلاء بعض عناصر هذه الطريقة الخاصة عند العويس. ونوه الدكتور العاكوب إلى اهتمام العويس بالعبقرية واعجابه بعطاءاتها الخلاقة, فقد سجل العويس من خلال أعماله الشعرية اعجابه بالملحن عاصي الرحباني وما أضافه من تجديد إلى مسيرة الألحان العربية وعبر كذلك في شعره عن اعجابه بأم كلثوم, فقد كان العويس منشغلا بالتجديد والابداع ومأخوذاً به وفي هذه الوجهة يجأر بالشكوى من تكرار الشاعر لنفسه في شعره. واعتبر الدكتور العاكوب بأن الشاعر يعول كثيرا على ما يسمى الوهم أو الخيال الزخرفي, ولديه القدرة على تنسيق مدركات الخيال وترتيبها ترتيبا بليغا. ومن ميزات شعر العويس, العقل التركيبي للشاعر الذي يجمع أحداث الفكرة الواحدة رغم تباعد بعضها عن بعض في مادتها الأصلية, وبين الدكتور العاكوب ان ظاهرة استعارة النصوص من القرآن الكريم, أو ما هو قريب مما يسمى الاقتباس في لغة البلاغة العربية, تشير إلى حافظة قوية وقدرة واضحة على الاستحضار لدى العويس. وفي نهاية مداخلته أوضح الدكتور العاكوب ان الطريقة التي تناول فيها العويس المادة القرآنية والمادة التراثية قد حددت بعض آفاق الابداع والتقليد لديه مؤكدا ان الحديث عن الابداع في اطار مادة موجودة منجزة يكفينا مؤونة الحديث عن التقليد الصرف, الذي نعتقد انه غير موجود لدى شخص أعطي لقب شاعر. د. سيد حسونة: المرأة ... الملهمة الأولى لشعر العويس وجاءت مداخلة الدكتور سيد حسونة عن (صورة المرأة في شعر سلطان العويس) حيث بين ان هذه الصورة لم تكن الوحيدة في شعره, إذ لم يقف الشاعر عند الغزل والحب وكان يتفاعل مع الأحداث الوطنية والقومية, وأشار الدكتور حسونة بان العويس قد استلهم معظم تعبيراته من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والتاريخ ويصلح أن يوضع ديوانه في منصة التناص. وأكد الباحث ان المرأة تلتهب في صميم كل الشعراء القادرين على التعبير عما يحسونه ويعيشونه, وصورة المرأة عند الشعراء هي بمثابة حكاية, وحكايتنا في هذا البحث هي حكاية سلطان العويس, الذي كان بعيدا إلى حد ما عن السياسة لانها كانت في نظره غير مستقرة على العكس الغزل والحب, والحب بالنسبة للعويس أشبه بالقدر وعليه مواجهة هذا القدر, وقد استشرى حب حواء في جسده ودمه والتي مثلت بالنسبة له كل شيء, والمرأة هي الملهمة الأولى لشاعرنا, وتميز شعره في هذا السياق بالرقة والعذوبة والجمال, وبين الدكتور حسونة ان هذا ما أخذه عليه بعض النقاد لكثرة تناوله للغزل والصور الفياضة التي يفيض بها عندما يخاطب المرأة وتتألق هذه الصور في هذا الشأن, وتضعف عند تناوله الموضوعات الأخرى. وأشار الدكتور حسونة ان للطبيعة اثرا كبيرا في شعره وسخرها لوصف المرأة, ومنها نسج أهم الصور وأكثرها عمقا وجمالا, إذ جعل العويس الطبيعة تحس به كما يحس الإنسان, ويحاور الطبيعة ويمزجها لتوظيف الصور الشعرية. وأضاف الباحث ان للبحر خصوصية كبيرة في شعره, كونه امتهن الملاحة ومن ثم تجارة اللؤلؤ. ويرجع الشاعر للمرأة والطبيعة ليس للهروب من الواقع بل لانه يجد راحته التامة. متابعة: أشرف الشكعة
