أثار أحد حضور أمسية الشاعر الليبي فرج العربي جدلاً واسعاً حول قصيدة النثر وهل يمكن اعتبارها شعرا؟ وتساءل عن القصائد العمودية وأين هي من أعمال الشاعر مطالباً إياه بأن يلقي عليهم قصيدة عمودية. وقد أعاد هذا الضيف ذكرى قديمة كنا نظن انها انتهت حول مدى امكانية اعتبار قصيدة النثر شعراً دون وزن أو قافية! وفي الوقت الذي انقسمت فيه القاعة بين مؤيدين لقصيدة النثر وكانت الغلبة لهم, وبين رافضين لها ــ وقد اقتصر عددهم على اثنين فقط من الحضور, كان واحد منهم يتصيد أخطاء نحوية في نطق الشاعر... جاء تعليق فرج العربي هادئاً وبسيطاً حيث قال: لقد عشت في عالم غير موزون وغير مقفّى, وبالتالي تغير شكل القصيدة وأسلوبها وفقاً للتغيرات الحياتية... ويعد هذا نقاشاً محسوماً منذ فترة طويلة, وإن كان هذا لا ينكر وجود قصائد تفعيلية وقصائد عمودية وغيرها, فأنا لست ضد أي نوع من الشعر, لكنني عن نفسي أشعر بارتياح نحو هذا النوع من التعبير... وليس بالضرورة ان يبدأ الشاعر بكتابة الشعر العمودي حتى يصل في النهاية للشعر المنثور وكأننا نعرف القصيدة على انها كلام موزون ومقفّى... وإلا اعتبرنا السياب والبياتي ومحمود درويش غير شعراء لأن شعرهم غير مقفّى... فالتعريف بالشعر صعب ان نضعه وفق قالب محدد. أما بخصوص الأخطاء اللغوية فقد أجاب الشاعر بهدوء قائلا: أعتقد انني قرأت قراءة صحيحة وكلها مشكلة لغوياً... عموماً المسألة سائدة وعادية ولا تحتاج الى التشنج... وإن كنت أعتقد بأنني قرأت قراءة صحيحة ويمكن ان يكون قد حدث هنّة صغيرة فالكل يتعرض للخطأ حتى لو كان سيبويه... لذا لا داعي ان نتصيد الهنّات. وكان الشاعر فرج العربي قد قدم قبل إلقائه لقصائده نبذة سريعة عن بداية الشعر الليبي منذ الملاحم الشعرية الشعبية مثل (أبوزيد الهلالي) وتطورها وفقاً للتحولات التاريخية التي حدثت في ليبيا, حيث عبّر الليبيون عن مقاومتهم للاحتلال الايطالي, ثم ظهور حركة الشعر الفصيح وصدور أول ديوان شعري في أواخر القرن التاسع عشر للشاعر مصطفى بن ذكرى... ثم ظهر بعده شعراء وواكبوا حركة المقاومة الليبية ضد الاستعمار مثل أحمد بن شارف وإبراهيم الأسطى وعمرو أحمد رفيق الملقب بـ (شاعر الوطن) الذي يعد أهم شعراء ليبيا, الذي شهد على يديه انتقال الشعر من العامية الى مرحلة الفصيح والتأثر بمدرسة أبولو وشوقي وحافظ والزهاوي... ثم انتقل الى فترة الخمسينيات وتأثر الحركة الشعرية في ليبيا بحركة الحداثة التي ظهرت في العراق وعبّر عنها البياتي و السياب. ثم وصل لمرحلة النثر في الشعر والتي أعاد ظهورها الى انهيار الكثير من القيم والمبادىء والأحلام بعد خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان عام 1982 التي كانت في اعتقاد الشاعر نقطة تحوّل على مستوى الثقافة العربية بشكل عام. كتبت أمنية طلعت