نجتمع اليوم على غير ما اعتدنا أن نجتمع عليه, انه اجتماع استثنائي, حيث نلتقي لنجدد الوفاء للراحل الكبير سلطان بن علي العويس, الذي أثبت حتى وهو يرحل عن هذه الدنيا, انه رجل استثنائي, استثنائي في حياته, وفي مماته في آن واحد, فإذا كانت حياته دوحة جمعت الخير, فإن رحيله جمع أيضا كل أصحاب الفكر حول حقيقة الرجل وعطائه.. وأصبح الحديث عن سلطان حديثا حسنا, لانه كان متميزا بين أقرانه واجتمع فيه أكثر من فرد وأكثر من شخصية.. ولعل الشاعر عني أمثاله من الناس في قوله: والناس ألف منهم كواحد وواحد كالألف إن أمر عنا! وإنما المرء حديث بعده فكن حديثا حسنا لمن وعى لن نتحدث من هذا المنبر عن صفاته أو عما أنجزه, لان ذلك له حديث آخر سيتحدث فيه غيري من محبي سلطان هذا المساء وبعده, إنما حديثي هذا إليكم, هو لنستعيد ذكرى رجل خدم وطنه وقومه, وكان لا يرى ان هناك حدا فاصلا بين واجبه الوطني والقومي. فامتزجت أفعاله متخطية الحدود الجغرافية. رحل سلطان العويس في الرابع من يناير من العام المنصرم, عام ألفين.. وبرحيله فقدت ساحتنا الثقافية أحد أهم رجالها الذي حوله الموت إلى رمز ستفتخر به الامارات وتعتز بمواقفه وأعماله. لقد حملنا سلطان العويس (زملائي وأنا), في حياته مسئولية رعاية وإدارة مؤسسته الثقافية التي مولها بماله, ونمت واستقامت بجهد مجموعة آمنت بالثقافة والفكر كأساس لتقدم كل أمة.. فمن فكرة بسيطة وحلم وردي, إلى حقيقة شاهدة وفعل حقيقي, وأمل كبير ينبثق من الامارات ليعم كل ساحات الثقافة العربية بلا استثناء. إن موت سلطان العويس حملنا نحن في مجلس أمناء المؤسسة, مسئولية أكبر, للحفاظ على الأمانة التي ورثناها من الراحل, ذلك لاننا لابد أن نسلم هذه الأمانة إلى أجيالنا القادمة من الشباب, وهي معززة الأركان, قوية الأسس, شامخة البناء, واسعة الأفق, حيادية الموقف, عادلة القرار, وكل ذلك يجعلنا في المؤسسة دائمي القلق, وأن نجدد المحاولة تلو المحاولة, والاجتهاد تلو الآخر, لنصل بهذه المسئولية التي حملناها عن إيمان إلى بر الأمان, في مرحلة أخرى من مراحل نموها وتطورها. لقد ظن البعض ان المؤسسة ستتقوض وتنتهي بانتهاء مؤسسها سلطان العويس, تماما كما حدث لبعض المؤسسات التي قامت على جهد مؤسسيها. ونسوا ان مؤسساتنا قامت ومنذ البداية على قواعد مؤسساتية, تحتاج إلى جهد الفرد في اطار الجهد الجماعي, والمسئولية الجماعية, وبذلك نرى ان رحيله قد حمل مجلس الأمناء مسئولية تاريخية, لابد لنا من قبولها, وأن نبذل المزيد من العمل والجهد, للحفاظ على هذا الإرث الحضاري, والعمل الجاد على تطويره, بما يتماشى مع العصر الجديد الذي جعل من العالم قرية صغيرة. لكننا هنا ونحن نتحمل هذه المسئولية بكل ما فيها من جوانب, نقول: ان المؤسسة ليست ملكا لفرد, بل هي ملك لكل الأدباء والكتاب العرب في أرجاء هذا العالم الواسع, وإذا ما تحملنا نحن في المؤسسة المسئولية القانونية التنظيمية, فإن كل الأدباء والكتاب في كل الوطن العربي يتحملون المسئولية الأدبية وهي الأخطر, وهي الأههم, للحفاظ على هذا الإرث الحضاري العربي الثقافي. نجتمع اليوم لنعيد ذكرى رجل وصديق, عشنا معه عقودا من الزمن, ولا نريد بهذا الاحتفال أن نقول عنه شيئا فوق قدره, فلم يكن نابغة زمانه, ولكن سلطان كان رجلا طيبا, بسيطا في تفكيره وتصرفاته, وطبيعة تكوينه, كان رجلا خيرا, كلكم أنتم, الحاضرون هنا, أو جلكم عرفتموه بهذه الصفات العفوية البسيطة المتميزة. إننا في مجلس الأمناء نجد أنفسنا, ونحن نستذكر صديقنا رفيق عمرنا, مدعوين, كما قلت في مستهل كلامي هذا, لبذل المزيد من الجهد والعمل, لاستكمال ما يمكن استكماله, من هذه المرحلة الجديدة, التي بدأت في عمر مؤسستنا, خاصة وان المبنى الذي كنا وكان الراحل يحلم به, قد أصبح حقيقة, وتبدأ معه هذه المرحلة التي أشرت إليها, وسيبدأ معها عمل جديد, وبرنامج جديد, اضافة إلى الأسس التي تكونت عليها المؤسسة وانطلقت منها. أيها السادة: كلنا نؤمن بقول الله عز وجل: (كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام). لا نريد في هذه المناسبة إلا التذكير بالراحل والاشارة إلى ما قدمت يداه من خير, دون مبالغة. أيها الاخوة الاعزاء: أشكركم باسم اخواني أعضاء مجلس أمناء مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية على تفضلكم بمشاركتنا هذا الحفل. ورحم الله فقيدنا رحمة واسعة.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.