افتتحت صباح أمس الثلاثاء بفندق البستان روتانا دبي فعاليات اليوم الأول للذكرى السنوية لرحيل الشاعر ورجل الأعمال المغفور له سلطان بن علي العويس. وحضر الافتتاح معالي حمد بن ناصر العويس، وزير الكهرباء والأديب محمد المر رئيس ندوة الثقافة والعلوم في دبي والأديب عبدالغفار حسين وعبدالحميد أحمد الأمين العام لمؤسسة العويس الثقافية وأعضاء مجلس أمناء مؤسسة العويس الثقافية وأفراد من عائلة الراحل وعدد كبير من كبار الشخصيات والأدباء والمثقفين المحليين والضيوف. استهل الحفل بتلاوة عطرة من الذكر الحكيم, تلتها كلمة مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية ألقاها الأديب عبدالغفار حسين أشار فيها الى ان هذا اللقاء جاء لإعادة ذكرى رجل وصديق, عشنا معه عقوداً من الزمن, وليس المطلوب بهذه الاحتفالية أن يقال أي شيء فوق قدر الراحل, ولا تضخيم الأمور. فسلطان العويس لم يكن نابغة زمانه, لكنه كان رجلاً طيباً, بسيطاً في تفكيره, وتصرفاته, وطبيعة تكوينه وكان رجل خير, والجميع يعرفه بهذه الصفات العفوية البسيطة المتميزة, وليس المطلوب من هذه المناسبة إلا التذكير بالراحل والاشارة الى ما قدمت يداه من خير ودون مبالغة. ثم ألقى حميد بن علي العويس شقيق الراحل كلمة عائلة العويس أشار فيها الى ان عائلة العويس وهي تستقبل هذه الذكرى التي تجدد فيها الحزن, انما يتجدد الاعتزاز بالراحل خاصة وسط هذه الانشطة الثقافية التي شارك فيها طليعة من المثقفين العرب ومن عموم الأقطار, فهذا التواجد ان دل على شيء فهو يدل على قيمة انسانية وأخلاقية عالية توازي قيم الراحل الاخلاقية والانسانية وتعادل فيه العطاء الذي ظل يستثمره حتى في رحيله. وبعد استراحة قصيرة, افتتح المعرض التشكيلي الذي يحمل عنوان (بصائر شعر ولون) بمشاركة عدد كبير من الفنانين التشكيليين المحليين والعرب المقيمين. وعقب افتتاح المعرض انطلقت فعاليات الندوة الثقافية التي أقيمت على فترتين صباحية ومسائية شارك فيها كل من: د. يمنى العيد, د. وليد محمود خالص, د. محمد القاضي ود. رمضان بسطاويسي. جمالية البساطة في شعر سلطان العويس بهذا العنوان قدمت د. يمنى العيد ورقتها في الندوة الثقافية قالت فيها: التقيته مرة واحدة, هنا في الامارات, ولفتني شخصه. هذا الهدوء, هذا الصمت, هذه النظرة المنعطفة الى الداخل.. كأنه صفحة لمياه يوهمك صفاؤها برؤية قعرها, حتى اذا ما اقتربت وحدقت, ادهشك عمقها وغورها البعيد, وأدركت ان عليك كي تكتشف سر الصورة المتسمة بالهدوء والصمت أن تغوص. ويوم دُعيت للمشاركة في هذه الذكرى, ذكرى مرور سنة على وفاة الرجل الذي أصر على ان تكون الجائزة التي يمنحها مستقلة عنه, وأن يكون هو مجرد ممول لتأسيس استقلالها, لم أستطع ان اعتذر, وقد فكرت بذلك لارتباطي بأكثر من عمل. كانت صورة الرجل الذي يتراجع جسده النحيل داخل ثوبه الأبيض, وترتسم على وجهه ملامح لها في عينيه دلالات التصوف.. كانت تلك الصورة للشاعر تدعوني لقراءة شعره, ولم أكن قد سمعت منه, أو قرأت له الا القليل.. وكنت وأنا اصغي لتلك الدعوة أواجه سؤالاً, أو أسئلة, يبدو لي البحث عن جوانب لها هو مما يقلق أمراً مهماً من أمور التجربة النقدية الحديثة, أو هو مما قد ينوّع عليها بما لا يمكن دحضه. ما هي العلاقة بين الشاعر وشعره؟ هل يستقل النص عن صاحبه كما ينظّر لذلك معظم النقد الحديث؟ وفي حال وجود علاقة ما, كيف تتحدد أو تتجلى. وهل تترك هذه العلاقة أثراً يتحكم بفنية النص؟ تتوالد الأسئلة ويبقى محورها واحداً يدور حول العلاقة بين الشاعر ونصه, بين النص ومرجعياته, علماً بأن الشاعر باعتبار حياته وتجربة عيشه وثقافته هو بين هذه المرجعيات. أسئلة لها تاريخ في المباحث النقدية يتجاوزني, ويتجاوز وقفة عند شاعر عزمت على تناول شعره في فسحة من وقت قد لا تسعفني للذهاب بهذه الأسئلة حيث يستدعي البحث الذهاب بها. غير ان الشاعر نفسه أسعفني, ليس فقط بمقطوعاته الشعرية التي قرأتها فوجدتها تتوهج بهذه العلاقة الحميمة بينه وبينها, بل أيضا بتنظيراته اللمحية والنافذة في آن الى جوهر المسألة الجمالية التي بها يتشكل شعره, بل الشعر بصفته علاقة ابداعية بين الذاتي وتعبيراته الفنية. على قاعدة التواصل كان نص العويس الشعري يتشكل بجمالية يمكن تسميتها جمالية البساطة, ويكمن سر هذه الجمالية في كونها تعبيراً عن العلاقة بين الشاعر وحياته. فصياغات العويس الشعرية تحفل, أساسا, بالموسيقى المستمدة من بحور الشعر العربي الموروث وأوزانه. يحرص الشاعر على هذه الموسيقى. غير ان حرصه لا يعني التمسك بالموروث لذاته بل هو حرص من يوظف موسيقى الوزن لتوليد متعة التواصل. ان موسيقى الوزن هي عامل تواصل جمالي مرهون بالسماع والمشافهة بتوصيل المعنى وتحسس دلالته الفنية بأكثر من القراءة, بالايقاع الذي يوسع مساحة التواصل ويغنيها. فاعلية الحس وشعرية النغم في ديوان العويس تحت هذا العنوان قدم الدكتور محمد الدناي من كلية الآداب ــ فاس المغرب ــ ورقته التي جاء في مقدمتها: رحل الغائب الحاضر في الوجدان الشعري المرحوم سلطان بن علي العويس, بعدما كان قد كشف للمتلقين والقراء عن شخصيته الابداعية, فأدركوا انه (تاجر استهواه الشعر) فاستطاع ان يوفق بين شخصيتي التاجر والشاعر أو ممارسة الاقتصاد والتجارة. لكن يبدو ان البروز الصريح لهاتين الشخصيتين كان السبب في حجب شخصية عويسية ثالثة هي شخصية الأديب الناقد, فالمقولات التي أجاب بها عن الأسئلة النقدية العميقة التي طرحت عليه في حوارات عديدة وثائق نفيسة تكشف عن معرفة نقدية واسعة بالأجناس الأدبية وحاضر الأدب العربي وماضيه, وعن احاطة اتاحها له شغفه المبكر بقراءة الكتب وحفظ الأشعار, واطلاعه على أمهات المصادر الأدبية وكنوز التراث كما يفهم من مثل قوله: في العشرين والثلاثين من عمري قرأت الكثير من الروايات. وعندما تقدم بي العمر اتجهت إلى قراءة الكنوز التراثية من مثل الأغاني ودواوين الشعراء الفطاحل وكتب الجاحظ, ونادرا ما أقرأ كتباً سياسية بحالها, تراني أركز في القراءات حاليا على كتب الشعر والأدب بعامة. ولذلك لا نستغرب أن يميل كل من يقرأ هذه المحاورات النقدية العميقة, ويعرف مدى رحابة ثقافة الشاعر الراحل وشدة اهتمامه بالمعارف الشعرية والأجناس الأدبية, إلى التنبؤ بأن ديوانه سيكون ترجمة فنية لهذا الاهتمام الثقافي الموسع, واعتناء متأنقا بأساليب الصناعة الشعرية وقواعدها المدرسية التي تتبعها النقاد والعلماء وعددوها في مصنفاتهم. لكن ما يفاجأ به المتلقي ــ ولو لم يكن ذا خبرة بالشعر ونقده ــ انه يحس كلما توالدت القصائد العويسية التي يقرؤها بأنه أمام نمط من الكتابة الشعرية المنسابة, يخاطب فيه الشاعر الوجدان الإنساني بلسان الفطرة والسليقة البشرية التي لا تبالي بأصباغ الثقافة وتأنق المنتسبين إليها. وإذا كنت قد وسمت الشعرية العويسية بالفطرية, لان المقصود من استعمال مصطلح فطرة في التعريف بلسان العويس الشعري, أن المتلقي الذي لم يسبق له العلم بتنوع ثقافة الشاعر واكتمال شخصيته الأدبية الناقدة قد يعتقد جازما عندما يقرأ أشعار الديوان أو يسمعها, ان صاحبها شاعر مجبول يحتكم في قرض الشعر إلى غريزته أو حسه الشعري الفطري, غير مفتقر إلى الأقيسة والقواعد التي حصرها العلماء وعددوها وهم يحاولون استقصاء قوانين الصناعة وتبسيطها لتقريبها إلى ناشئة الشعراء والنقاد. ويبدو ان هذا المنحى الفطري السليقي في الكتابة الشعرية العويسية كان من أهم ما لفت انتباه بعض النقاد المتذوقين الذين عاشروا سلطان العويس أو سبقوا إلى دراسة أشعاره. وأما الأسباب التي يمكن أن نعلل بها هذه الفطرية المقصودة في شعره فنذكر منها وعيه النقدي بأن الشعر في حقيقته وأصله قوة بشرية فطرية كامنة تنشأ مع الإنسان منذ مولده, ولا يفيدها السماع والحفظ والرواية والتعلم والتحصيل إلا التحقق والخروج إلى مرحلة الفعل الشعري, أي الانجاز اللغوي ــ الجمالي. وقد عبر العويس ــ كارسطو والفلاسفة اليونان والمسلمين ــ عن اقتناعه بأن الشعر استعداد فطري يكمن في نفس كل إنسان كمونا غريزيا. وتوالت أوراق هذه الندوة حيث قدم الدكتور يوسف حسن نوفل ورقة حملت عنوان: (إثارة التخييل بناء التخييل), كما قدم الدكتور دراسة تحت عنوان جدلية المرأة والطبيعة في شعر سلطان العويس. أما الدكتور رمضان بسطاويسي فقد تناول بدوره تجربة الراحل الشعرية من باب ارتباطها بالحب والجمال. حيث جاءت دراسته بعنوان (تجربة الحب والجمال في ديوان سلطان العويس), وكانت الوقفة الأخيرة مع الدكتور محمد القاضي الذي قدم ورقة حملت عنوان (السردي في شعر سلطان العويس).
