الإكراه وسيلة كل من لاحجة له, فبالاكراه يجبر الخصم على الرضا بما يملي عليه خصمه, أما القلب فلا يستطيع أي انسان مهما أوتي من قوة ان يتسلط عليه, لأن القلب بيد الله ولم يأذن لأحد أن يطلع على محتواه إلا الذي صنعه, أما الأجسام فهي من عالم الظاهر التي أذن الله للعباد التسلط عليها, والاكراه في الاسلام محظور, فمن أراد الاسلام دخل فيه, وإن أراد غير ذلك فله ما يشاء, أما من دخل في الإسلام وأراد الخروج منه فلا يسمح له بذلك, من باب حماية هذا الدين وصونه من عبث العابثين, إنما يريد أناساً يستحقون دخول الجنة. فإدريس طبره كان مهندسا وقسيساً دخل الاسلام بقلبه وقالبه فأحرقوا بيته وحاولوا قتله لإجباره على الرجوع إلى دينهم, فلماذا لا يجلسون معه جلسة هادئة يحاولون إقناعه بفساد الدين الذي يريده أو انه ترك ديناً صحيحاً؟ على طريق الهداية الرحلة ممتعة هذه المرة, فلم يقتصر صاحبها على نفسه, ولكن تعدى الأمر ذلك إلى الدعوة لدين الله بعد ان تحول صاحب الرحلة من منصر إلى داع إلى الله وأسلم على يديه 65 شخصاً. (ادريس علي طبره) ـ القس تشارلز واندو سابقاًـ قال عن رحلته من المسيحية إلى الإسلام: (كانت نشأتي في أسرة مسيحية كاثوليكية متعصبة كل التعصب في احدى المدن بالجنوب السوداني وبعد ان أتممت تعليمي (اللاهوتي) في (أوغندا) رحلت إلى الجنوب السوداني لكي أنضم إلى طائفة القساوسة والمنصرين. وعلى الرغم مما كنت أقوم به من الدعوة للمسيحية كان يثور في نفسي شك يصحبه قلق شديد طيلة الأعوام السابقة على إسلامي, وهذا الشك كان يدور دائما حول ادعاء المسيحيين (ان المسيح ابن الله) فكيف يكون لله ولد؟ وكيف يكون المسيح ابن الله؟ إذ ظلت هذه الأسئلة تثور في نفسي حتى جاءني في ليلة من يقول: اشهد.. اشهد.. اشهد.. ثم رجع وقال: أشهد أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله, وأخذ يكرر علي هذا الكلام حتى نطقت وراءه. وانطلقت في اليوم التالي إلى شمال السودان إلى احدى المدن حيث يقطن فيها المسلمون وقلت لهم أريد أن أعرف الإسلام, ومن إلحاحي عليهم أخذوني إلى أحد المساجد القريبة ولا أكون مبالغاً إذا قلت انني شعرت لأول مرة بالراحة والصفاء النفسيين وسط السكون والخشوع الذي يكتنف المكان داخل المسجد, وأخذ إمام المسجد يحدثني عن الإسلام, الدين الذي يحمل أسباب سعادة الدنيا وفوز الآخرة لبني الانسان ثم أرشدني إلى القاضي الشرعي فأعلنت اسلامي أمامه ونطقت بكل إيمان وثقة: (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله). ويكمل ادريس رحلة إسلامه قائلاً: قصة اعتناقي الدين الإسلامي لم تنته بإشهار إسلامي وحصولي على وثيقة تثبت أنني مسلم, وإنما امتدت إلى المعوقات والتحديات التي لاحقتني وعلى وجه الخصوص التحديات التي تعرضت لهامن قبل قساوسة الجنوب السوداني الذين كنت أعمل معهم, ففي بداية الأمر نالني منهم حظ من السخرية والاستهزاء, وقالوا: كيف لقسيس ذي مكانة عالية ومرموقة بين قومه ولا ينقصه شيء من متاع الدنيا ان يفعل هذا إلا ان يكون انسانا مجنوناً غير عاقل؟ وأخطر المضايقات التي قابلتني من القساوسة أنهم أوعزوا إلى أنصارهم بحرق منزلي وبالفعل تم حرق المنزل كله, ولكن الله سلم إذ خرج جميع الأبناء دون ان يصيبهم أذى, واستمرت هذه المضايقات لدرجة أنهم هددوني بالقتل أكثر من مرة, وعندما شعرت بذلك انتقلت إلى الشمال حيث احتميت بالمسلمين هناك, ولو عدت إلى الجنوب مرة أخرى لحاولوا قتلي بشتى الطرق غير انني سأبذل جهدي للعودة إلى الجنوب السوداني لكي أدعو إلى الله مهما كانت العواقب. وعن أسرته يقول ادريس: لدي ثلاث زوجات وأحد عشر ولداً, والزوجات كلهن مسلمات والحمد لله, لقد كانت لدي زوجة أصرت على عدم ترك دينها فدعوتها لدين الإسلام فامتنعت فلطلقتها وتزوجت بمسلمة. والحمد لله جميع أبنائي مسلمون موحدون وهم الآن يلتحقون بالمدارس الإسلامية ليتعلموا الدين الإسلامي الصحيح, وأملي في الله كبير ان يصبحوا جميعاً دعاة إلى الإسلام الحنيف. ويضيف ادريس وأنا الآن أركز عملي في الدعوة إلى الله تعالى و العمل لادخال النصارى في دين الإسلام, وبحمد الله أسلم ما يقرب من خمسة وستين من أهل الجنوب علي يدي وأعمل الآن مع مجموعة من الإخوة المسلمين الذين دخلوا الإسلام حديثاً داخل التجمعات المسيحية لشرح الدين الإسلامي الحنيف واجراء حوار حضاري وتقديمه في صورته الناصعة. وأنا أهيب بكل مسلم ان يفطن لما يقوم به المنصرون في جنوب السودان, فالجنوب كما نعلم يضم المسلمين والوثنيين وكل من المسلمين والوثنيين يعيشون في حالة من الفقر والجهل, أما الطائفة الثالثة ـ المسيحية ـ فهي ذات ثراء واسع وهي المهيمنة على الاقليم وتستنزف جميع الموارد به, هذا فضلا عن الدعم المادي الهائل الذي يصل إليهم من دول أوروبا وأمريكا. الحقيقة الناصعة ان السودان بلد مسلم لم يعرف النصرانية إلا أيام الاستعمار, فقد أدخلوها إلى الجنوب بالقوة لا بالإقناع.