من لطف الله بعباده المؤمنين انه اذا وقع منهم خطأ طمأن قلوبهم بتقديم العفو عنهم قبل ان يذكر الذنب الذي فرط منهم, وذلك على نحو ما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم لما قبل الاعذار المختلفة التي تقدم بها المنافقون: (عفا الله عنك لم اذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين). وفي اواخر سورة آل عمران ــ في النصف الاخير الذي تضمن معركة احد نجد ان رب العالمين فتح ابواب المتاب ويسر للمسلمين الذين وقعت منهم اخطاء ان يرجعوا الى ربهم وان يتخلصوا من اخطائهم وان يجدوا الطريق امامهم مفتوحا لاحراز الثواب الكثير, وذلك في قول الله جل شأنه: (وسارعوا الى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والارض اعدت للمتقين). ان هذه الآية وما بعدها نزلت في اثناء الكلام عن معركة (أحد) وما وقع فيها من احداث. والحديث عن معركة احد بدأ من قول الله تعالى: (واذ غدوت من اهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم). بدأ الكلام من هذا الموضع ثم قبل ان تذكر الهزائم التي وقعت والالام التي احس بها المؤمنون في قوله تعالى: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) (ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الاعلون ان كنتم مؤمنين). قبل ان تذكر هذه الهزائم نجد هذه الآيات (وسارعوا الى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والارض اعدت للمتقين). وهذا من رحمة الله بعباده فانه لم يفترض ان المؤمنين معصومون وانما فرض في الطبيعة البشرية انها تخطىء, فالخطأ جزء من كيانها وما يجرؤ احد على القول بأنه لم يقترف طول حياته ذنبا ولم يفرط في جنب الله ويقع منه التقصير ما يجرؤ احد على القول بهذا, ولذلك فان من عناصر التقوى ان يسارع الانسان بتنظيف نفسه من الخطيئة اذا سقط فيها (والذين اذا فعلوا فاحشة او ظلموا انفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب الا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون اولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ونعم اجر العاملين). اما الرجال الذين اشتركوا في معركة احد ووقعت الهزيمة ــ ان صح التعبير ــ وهم يقاتلون فان الله تعالى اعلن صفحه عما بدر منهم: (ان الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان انما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم ان الله غفور حليم), والكلام عن معركة احد يحتاج الى شيء من التوضيح والتفصيل فان الهزائم لا تستوي, هناك هزائم تقع لاصحابها بعد ان اعدوا الخطة للمعركة وبعد ان بذلوا الجهد في بلوغ النصر الذي يحرصون عليه ولكن عدوهم انتزع النصر منهم لانه اكثر عددا او لانه اشد سلاحا او لانه احكم خططا او لأسباب اخرى قضت بها حكمة الله جل شأنه. الفارق كبير بين هزيمة وهزيمة هناك هزائم تقع لأصحابها فيشعر المنتصر بأن خصمه رجل كبير وان انتصاره عليه انتصار له ثمنه وهناك هزائم تقع لأصحابها فيشعر المنتصر بأنه انما كان يقاتل من لا وزن لهم ولا قيمة. الذين اشتركوا في معركة احد طراز من الرجال لا نظير له في الدنيا ولذلك يرفض بعض المؤرخين القول بأن هزيمة وقعت في احد ويكتب السيرة النبوية على هذا الاساس ويقول: لقد وقع قتال فعلا ولكن موقف المسلمين في نهايته يشبه موقف المشركين, كان يمكن ان نقول: ان المسلمين انهزموا لو ان ما اصابهم اسقطهم في الحلبة فلم يستطيعوا نهوضا ولكنهم بعد يوم كانوا يشتدون في دروب الصحراء يطاردون العدو ويطلبون منه ان يتوقف كي ينازلوه مرة اخرى ثم شيء آخر وهو انهم دخلوا المعركة بايمان راسخ ويقين باذخ فانتصروا في اولها انتصارا كاد يكشف جيش الشرك بل ان المشركين رأوا وهم يشتدون في الارض هربا ولولا ما حدث من مخالفة لاوامر النبي صلى الله عليه وسلم ما كانت الخسائر التي نزلت بالامة الاسلامية يومئذ. لكي ندرك من هم الرجال الذين قاتلوا في احد نعرف كيف يصنع الايمان البطولة وكيف يغري بالتضحية وكيف يحبب الى الناس لقاء الله وكأنه ذهاب الى حفل تكريم يسعى الانسان اليه ببشاشة ورغبة, ان الرجال الذين يكتبون التاريخ بدمائهم ويوجهون زمامه بعزائمهم هم الذين صلوا هذه الحرب في احد وحفظوا بها مصير الاسلام في الارض. ثم قال القرآن في واقعية ينبغي ان تعرفها الامم ــ للمهزومين او للمتعبين (ان يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الايام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين). ونرى في هذه الغزوة ان الله جل شأنه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: كيف تعامل اصحابك بعد ان حدث ما حدث هل تلومهم؟ هل تعاتبهم؟ لا كن بهم رحيما, كن معهم رقيقا, طيب خواطرهم, تلطف معهم ولا تبرم امرا الا بعد ان تعرض الامر عليهم وان تشاورهم (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فاذا عزمت فتوكل على الله ان الله يحب المتوكلين). صدق الله العظيم