بيان (2): اذا كان لكل شاعر سمة تسم شعره, وتميزه من شعر سواه, فالسمة الغالبة على ما وقفت عليه من شعر الشاعر الاماراتي محمد خليفة بن حاضر هي العفوية في النظم, والتدفق والانسياب في التعبير, وارسال النفس على سجيتها في تصوير ما تتصور, والاندفاع مع تيار العاطفة الى مداه الاخير, ومجانية التكلف في الصياغة, والبعد عن التشدق والتقعر والاغراب في المفردات. ولك ان نجمل ما فصلته لك بكلمة واحدة هي: الطبع. تجد هذه السمة في شعره النبطي كما تجدها في شعره الفصيح, وتطل عليك من موضوعاته الانسانية والسياسية كما تطل عليك من الموضوعات الذاتية. ولولا ظهورها في شعره كله ما جعلناها سمة تسمه, او ميزة تميزه. ولما كنت عاجزا عن فهم شعره النبطي المنظوم بلهجة لا افهم كل مفرداتها حق الفهم, والمنطوي على صور بدوية اصيلة لا ادرك دلالاتها الفنية حق الادراك فقد انصرفت عما لا افهم الى ما افهم, فرحت اتعقب شعره الفصيح, واتصيده من الصحف والمجلات راجيا ان تتحول شرائد القصائد الى ديوان يجمعها, فتجد فيه وطنا يحميها من آفة التبدد والتشرد, ويجد فيه الناقد منتجعا يوفر عليه مشقة الترحل والتنقل, فيكون الحكم لها او عليها اشفى وأوفى, وأصدق وأدق. وحسبنا ههنا ان نتخير من شعر هذا الشاعر المطبوع مقطعات تصور موقفا واحدا من مواقفه وهو موقفه من الجهاد, لا لأن الجهاد هو الشغل الشاغل للانسان العربي في هذه الايام, بل لأن هذا الموضوع, كما يخيل اليّ, هم يثقل صدر الشاعر, وهاجس يؤرقه. انه يحتمل قسوة الحياة كلها, ولا يحتمل قسوة الهوان, ويذعن لقضاء الله راضيا, ولا يذعن لغطرسة العدو, ويجب ان يسود الخير والامن العالم كله ولكنه يكره الاستسلام المغلف بغلاف حضاري يسمى السلام العتيد, ويتمرد على الذل المتنكر بثوب مبهرج يسمى النظام الجديد: كن رغاما لا يبالي او تمرد كن حمام حجرا في كف منهوك تهاوى تحت اقدام السلام وبعد ان تمرد الشاعر على هذا النحو الثائر, نظر فيما حوله, فوجد الناس يسخرون منه, ويتهمونه بالتخلف, ويزعمون انه وافد على عصر المدينة من عصر البداوة, وان الصحراء نشأته على المصاولة والمنازلة, وراضته بالعنف, فعشق الاخذ بالثأر. ومن كان هذا شأنه فلا موضع له بين السادة المهذبين الذين صقلت طباعهم الحضارة, فلانوا حتى هانوا, فكيف يعايشون هذا البدوي العصلبيّ؟ بدوي انت.. عد شكلا الى صحراء قحطان الى عهد الخيام لا مكان لك في العصر وقد ساد العظام حيث لن يقبل قزم عندما يأتي السلام واذا كان ادعياء السلام قد سخروا من الشاعر, ورموه بالتخلف والتطرف, وبالبداوة والقساوة, فهو وان لم يرمهم بالفسولة والضؤوله, يتكلم بلسان الحق, ويصدر فيما يحكم الامور ويحكم لها او عليها عن منطق التاريخ الذي لا يكذب, ولا يتأثر بالعواطف والاهواء. ومنطق التاريخ يقضي بأمرين قضاء لم ينقضه حاكم, ولم تلغه محكمة. اول الامرين ان الحق توأم القوة, وانه مهما ينمق ويزوق يظل شاعرا براقا حتى تترجمه القوة الواقعية الى حقيقة واقعية. وثانيهما ان الجهاد المستند الى عقيدة راسخة هو الذي يصنع السلام الجدير بالاحترام, اما السلام الذي يمن به القوي على الضعيف, او يتصدق به المنتصر على المنهزم فليس اكثر من نكبة تضاف الى تاريخنا الحديث الحافل بالنكبات والنكسات, ولما كان الشاعر غيورا على تاريخه القديم والحديث فإنه ينصح للانسان العربي بأن ينصرف عن الجهاد بالكلام الى الجهاد بالحسام, وان يتعلم فلسفة العمل في ظلال العزيمة والصمت, وان يلتمس السلام في ظلال السيوف المفضية الى الموت: عد الى واجهة الدنيا حساما لا يعي الموت شعارات واشعار رواة وكلاما بل جهادا لا يبالي بسوى الحق سلاما واذا كان الجهاد في نظر الدعاة الى السلام شكلا من اشكال البربرية فلماذا يدّخر اعداؤنا من آلات القتال اكثر مما تدخر من الاموال؟ ولماذا يدربون ابناءهم, حتى يتقنوا الرمي بالبنادق والعيش في الخنادق, وندفع ابناءنا الى المتارف والمقاصف؟ وحينما نقيس انفسنا بهم فنرى تمرسهم بالسلاح وتكاسلنا, وتحمسهم للكفاح وتخاذلنا نلجأ الى التوسل والتسوّل, والى الوقوف على ابواب الدول الاجنبية نستجدي التأييد والتعقيد, ونلتمس من الشرق والغرب النفرة لمظاهرتنا, والنصرة لحقنا, فلا نظفر بغير الصد, ولا نعود بغير الخيبة. كأننا لم نقرأ قول ابي الطيب: ولا تشك الى خلق فتشمته شكوى الجريح الى الغربان والرخم اما ابن حاضر فقد قرأ ديوان المتنبي كله وحفظ جلّه, ولهذا نراه يسخر من الاستخذاء والاستجداء, فيقول: سافرت شرقا في البسيطة طالبا مددا, وغربا اشحذ الانصــارا فإذا الجميع تصدني او غادهـا وتسد دون طلابي الامصـارا فأعود صفرا, لا أرى لي منفـذا غير اللجوء الى العويل مدارا ويبدو ان فهم هذه الحقيقة التاريخية لا يحتاج الى شاعر قديم كأبي الطيب, ولا الى شاعر معاصر كابن حاضر, وانما يحتاج الى شيء اخر يصعب علينا ان نتعلمه, واذا تعلمناه صعب علينا ان نعمل به, وهو حب النفس على طريقة الشرفاء, لا حبها على طريقة الضعفاء. فمتى احببنا انفسنا على طريقة الشرفاء توجنا هذا الحب بحب الجهاد: فحب الجبان النفس اورده التقى وحب الشجاع النفس اورده الحربا انه ألأم انواع الحب اذا اقترن بالخوف والاثرة, وأكرمها اذا اقترن بالجرأة والاثيار, فماذا نختار؟