بيان (2): القاهرة ــ نيرة صلاح الدين: يكون أو لا يكون.. هكذا قرر المخرج الشاب خالد يوسف حينما وقف على أول الدرب ليخطو أولى خطواته فى الاخراج السينمائى.. قرر أن يكون مخرجا متميزا يحقق المعادلة الصعبة التى تجمع بين الفن الجيد والموضوع الجاد, أو لا يكون على الاطلاق, وبالفعل نجح فيما يصبوا اليه وحقق فيلما أشاد به النقاد وأدمعت له الأعين فى مهرجان القاهرة السينمائي.. فيلم يقدم وثيقة فنية عن التمزق العربى والتفرقة التى أدمت أوصال العرب. فيلم (العاصفة) الذى حصد جائزة الهرم الفضى للدورة الأخيرة لمهرجان القاهرة السينمائى, وجائزة أفضل فيلم عربى.. وعن هذا الفيلم دار الحوار التالى الذى استهله خالد يوسف بحديثه عن الجائزتين قائلا: لقد أسعدتنى الجوائز التى حصدتها من مهرجان القاهرة, لأنها ليست فقط تقديرا لمجهوداتي في الفيلم ولكن الأهم لأننى كنت بفيلمي أمثل مصر فى مسابقة المهرجان, وهذه الجوائز تعني أنني كنت تمثيل مشرف لبلدي. اهمية المهرجانات وكلامي لا يحمل تعاليا على الجوائز خاصة أننى أقدر المهرجانات السينمائية وأعرف أهميتها, وبالطبع فإن جوائزها تسعدنى كأى فنان, ولكنى فى حقيقة الأمر هناك هم أكبر من الجوائز يسيطر على وهو هم التواصل مع الناس.. مع الجمهور الذى يمثل الضلع الثالث فى عملية الابداع بعد العمل الابداعى والحركة النقدية, فإن همى الأساسى والأول هو التواصل مع هذا الجمهور ومعرفة مااذا كان فيلمى سيخلق معه حالة من الجدل أم لا..؟! وبعد ذلك أفكر هل سأحصد جائزة..؟! * أشاد كثير من النقاد بفيلمك وقالوا أنه الفيلم المناسب فى الوقت المناسب.. ولكن ما تعليقك على ماقاله البعض بأن الجائزتين اللتين حصلت عليهما لأسباب سياسية تتعلق بالوضع العربى الراهن..؟! ــ لا أفهم بالضبط ماالمقصود بالأسباب السياسية التى يعنيها هؤلاء البعض, فأنا لم أدخل فى دهاليز لجنة التحكيم, وكل ماعرفته هو ماأعلنه رولاند جو فيه رئيس لجنة التحكيم حينما كان يقدم الجائزة حيث قال نحن نمنح الجائزة للمخرج لتكنيكه وادائه, وأيضا قال عن جائزة الهرم الفضيل قد استحقها الفيلم لأنه استطاع أن يحقق المعادلة المستحيلة التى تضم بين طرفيها تكنيك جيد وموضوع سياسى ساخن, بل أننى تقابلت مع رئيس لجنة التحكيم بعد الانتهاء من حفل توزيع الجوائز وقال لى كلام شديد الجمال والروعة عن فيلمى لم يكن فيه رائحة السياسة على الاطلاق. * (العاصفة) لا يشكل فقط التجربة السينمائية الأولى لك, ولكنه ايضا كان التمثيل المصرى الوحيد فى مهرجان القاهرة السينمائي.. فكيف واجهت هذا الموقف..؟! ورطوني ــ بصراحة.. لقد شعرت بالورطة, خاصة أن قرار مشاركة الفيلم فى المهرجان لم يكن قرارى أنا وانما كان قرار المنتج الذى وافق على طلب ادارة المهرجان بأن يشارك العاصفة في المسابقة وأنا بدورى وافقت بعد ذلك وقلت هذا أشرف لى, وكنت أتصور انه سيكون معى أفلام مصرية أخرى, ولكنى فوجئت بأن فيلمى هو التمثيل المصرى الوحيد, وهنا شعرت بعبء المسئولية التى عاتقي على كاتفى, فقد رحبت بالدخول للمهرجان للتواصل مع الحركة النقدية ولكى أعرف كيف تسقيم أولى خطواتى السينمائية فإذا بي وحدي مع فيلمي نرفع الراية المصرية فى المسابقة الرسمية والحمدلله كنت على قدر المسئولية ولم أخذل ثقة اختيارهم لى لهذا التمثيل. * فيلمك يتناول حرب الخليج الثانية.. ألم تر فى ذلك نوع من المغامرة, خاصة أنك تخطو خطواتك السينمائية الأولى؟ ــ لم أحسبها هكذا, ولم أشغل بالى اذا كانت مغامرة فيها مخاطرة أم انها ليست مخاطرة على الاطلاق وبالفعل كان لدى أكثر من مشروع استطيع من خلاله ان ابدأ مشوارى الفنى, ولكنى اخترت (العاصفة) الذى ألح عليّ كثيرا وطاردنى على المستوى الوجدانى والعقلى والفكرى, لذا آثرت أن أكون صادقا مع نفسى ومتسق مع قناعاتى, وابتعدت عن الطرق السهلة والبدايات المضمونة, و(العاصفة) كان ضالتى المنشودة فى التعبير عن همومي والكشف عن الجرح الغائر فى الوجدان العربى, لذلك أقدمت عليه بإحساسى ودون حسابات مسبقة.. * ولكن هل كان لابد أن تنتظر عشر سنوات هى عمر ذلك الحدث.. أو ذلك الجرح حتى تقدمه فى فيلمك؟ ــ نعم.. كان لابد من ذلك, لقد تأخر هذا المشروع عمدا حتى أتعلم جيدا وأتمكن من أدوأتى, وقبل كل ذلك حتى نبتعد عن هذا الحدث بمسافة مناسبة ووقت كاف لكى يتسم بالموضوعية, لأنه عندما ينزف الجرح بشدة فى البداية لابد أن نترك فترة لكى يهدأ ونستطيع تناوله دراميا.. وبالرغم من أن ماحدث مازالت له آثارا قوية فى الوجدان العربى ومازال الجرح ينزف, الا أننا ابتعدنا قليلا عن الحدث نفسه, ومن هنا أعتقد أننى استطعت رؤيته بشكل أكبر من الموضوعية فشرعت فى تناوله دراميا. رسالة مهمة * وماهى الرسالة التى يحملها فيلمك..؟! ــ الرسالة موجودة بالفيلم وعلى الناس أن يتلقوها كل بطريقته, فأنا لن أصادر على درجات التلقى, ولدى قدر كاف من الوعي يجعلنى أستوعب أن النقاد والجمهور هم الذين يقررون ان كانت هناك رسالة ورؤية أم لا, حيث لا يمكننى الادعاء بوجود رسالة باعتبارى صاحب السيناريو ومخرج العمل, ولكن هذا لا يمنع أن أقول أننى ومنذ بدأت كتابة هذا الفيلم ولى هدف واحد هو الدعوة الى وحدة الشعوب العربية و الخروج من مأزق التفرقة والتمزق الذى نعيشه, وهي الدعوة التي تعبر عن موقفى أنا كمواطن عربى ضد الغزو العراقى ومع تحرير الكويت وأيضا ضد استخدام القوات الأجنبية فى المنطقة. * بمناسبة هذا الموقف.. هل تغير رأي الذين هاجموك من قبل, بعد أن شاهدوا الفيلم؟! ــ نعم.. وقد أخبرونى أنهم سيكتبون عن فيلمى ويقولون لقرائهم.. (أرجوكم تعالوا لتشاهدوا هذا الفيلم), (فالعاصفة) ليس به أى تحيز, وأنا رجل قومى عربى, ومنتصر دائما للشعوب العربية, وأعلنها دائما أنا مع كل الشعوب العربية وضد كل الحكومات العربية, وهذه هى قناعاتى الموجودة بالفيلم, لم أتحيز للنظام العراقى أو الكويتى أو أى أنظمة أخرى, أنا عرضت التمزق العربى فى حالة شديدة الإنسانية دون أن أدين أحد على وجه الخصوص ولكنى أدين الجميع.. كلنا شاركنا بنصيب فى هذه المأساة العربية الكبرى. * فى فيلمك, أيضا, ركزت على الحركة الطلابية, ونحن نعرفك واحدا من الذين شاركوا فى هذه الحركة.. فما الذى تمثله لك؟! ــ في الجامعة قضيت أخصب فترات حياتى وأكثرها ثراء, حيث شاركت فى الحركة الطلابية حتى تخرجي فى العام ,1990 وهى حركة نبيلة اعتز بانتمائى اليها, لأنها كانت أصدق تعبير عن كل الأحداث التى مرت بالأمة العربية, وقد عبرت في فيلمي عن الحركة الطلابية وأنا سعيد بذلك, خاصة أن فيلمي يعد أول في لم يعبر عن الحركة الطلابية ويرصدها ويقدم لها تحية. * نصل الى محطة أستاذك يوسف شاهين.. فإلى أى مدى تأثرت به فى (العاصفة)..؟! ـ مسألة التأثير والتأث ر متروكة للحركة النقدية , فهى التي تحدد إذا كان هذا التلميذ تأثرا بأستاذه, وهل هذا التأثر ايجابيا أم سلبيا, وهل استطاع أن يتعلم منه التكنيك المضبوط وكيف يكون متمكن من أدواته, وفى النهاية لا يكون الانسان الا نفسه, لقد تعلمت من الأستاذ يوسف شاهين وتخرجت في مدرسته, وحاولت أن أكون نفسى وأعبر عن شخصيتى وهمومى وهموم شريحة من جيلى, لأننى لن استطيع أن أعبر عن يوسف شاهين لأنه نشأ وعاش وحلم بشكل مختلف عنى وصادفته هموم أخرى تختلف عن همومي وهم جيلي.. ومن هنا فقد استطعت أن أحافظ على شخصيتي المستقلة, وهذا بالضبط مايريد أستاذى يوسف شاهين من كل تلاميذه.