بيان (2): نكتة ظريفة جدا, ولاذعة جدا, حكاها لي أحد أصدقائي.. قال إن جهاز التلفزيون في بيته قد تعطل عن العمل, وان تلفزيونه في رمضان قد توقف عند قناة فضائية واحدة, لا تتغير ابدا مهما ضغط على ازرار (الريموت كنترول). ويكمل حكايته فيقول إنه استدعى مهندس الصيانة ليصلح الجهاز, ولكن المهندس اخبره بأن ازرار (الريموت كنترول) سليمة, والتلفزيون تمام التمام. يقول صديقي: تعجبت في بادىء الأمر.. ولكنني اكتشفت بعد ذلك اسباب خطئي, وهو العيب في القنوات الفضائية التي تشابهت جدا في رمضان.. من خلال مسلسلاتها وأفلامها وبرامجها وإن اختلفت مسمياتها وطريقة تقديمها, ومواعيد عرضها. بلا شك ان كلام صديقي يحمل الكثير من المبالغة ليضفي على حديثه بعض الطرافة, ولكن الأمر لا يخلو من بعض الصدق, وإن كل ما قاله يعتبر نقدا لاذعا. حقيقة, لقد تشابهت في شهر رمضان برامج القنوات الفضائية وتطابقت ــ إلى حد كبير ــ وخصوصا برامج المسابقات, وشاب كثير من تلك البرامج ارتجالية من يقدمونها, وسطحية فكر من يقومون بإعدادها وضحالة معلومات الضيوف الذين تمت استضافتهم, وللأسف معظهم من النجوم ــ المثل الأعلى لأبناء الجيل الجديد. وكان لابد لنا من تحري هذه الظاهرة, لذا نستعرض بعض السلوكيات السيئة التي يحاول (بياعو الهوا) ــ أقصد أصحاب برامج القنوات الفضائية ــ حشو العقل العربي بها مرارا وتكرارا مع سبق الاصرار والترصد! ففي برنامج تلفزيوني تعتمد فكرته على المسابقات التي تقدم معلومة من المفروض ان تكون صحيحة ومؤكدة ولا تقبل الشك خصوصاً اذا ارتبطت بـ (سيرة الرسول), نجد ان هناك لبسا وتداخلا في الاجابات بشكل غير موثق مما يعطي انطباعا سيئا عن البرنامج مهما كانت امكانياته وقدرات معده ومقدمه. وعلى قناة فضائية رائدة نرى المذيعة في برنامج يقوم ايضا في فكرته على المسابقات, الطلب من الفائز الاتصال بها في وقت لاحق على الفاكس لكي يعطي اسمه وعنوانه حتى ترسل له جائزته, دون تحديد ماهية الجائزة أو ما يؤكد جدية ارسالها؟ وهل يستحق ان يكلف نفسه عناء الاتصال عن طريق الفاكس, وذلك بلا شك يعطي عدم مصداقية لهذه البرامج مقارنة بالملايين الاخرى التي تقدمها مؤسسات عملاقة سواء عن طريق الشاشة الفضائية أو من خلال سماعة الهاتف. وعلى قناة تلفزيونية ارضية قام نجم مشهور بتقديم برنامج ظهرت فكرته وكأنها تصفية حسابات بين الفنانين والصحافيين, ورغم الاعلانات الهائلة التي صاحبت البرنامج, الا ان اجماع الجمهور على عدم قناعتهم بإمكانيات النجم كمقدم برامج, والحملة الشديدة التي تعرض لها من النقاد والصحافيين, دفعت النجم لإعلان توبته عن الخطأ الذي اقترفه من خلال تجربة قللت من رصيده الجماهيري. وخلال برنامج تلفزيوني لمحطة فضائية عربية اخرى, وأثناء لقاءات مع فنانين عرب, وجهت اليهم المذيعة اسئلة بسيطة ولكنها تحمل رؤية عميقة, وفوجئت بالمستوى الثقافي الضحل لعدد كبير من فنانينا, الذين لم أتوقع ان تكون مستويات المعرفة لدى بعضهم سطحية لدرجة الخجل. لذا أرفض هذا الشكل وهذه الحوارات, فالنجومية ليست شكلا جميلا, وصوتا حلوا فقط, بل هي حضور ولباقة, وفكر, ومعلومات وثقافة في شتى المجالات. وفي زمان مضى, كانت النجومية معرفة, وتوسيع مدارك, وإجادة فن الدخول لموضوع والخروج منه بسهولة مع القفشة الظريفة والتعليق الهادف. وبالتالي, فأنا أرثي لحال هؤلاء النجوم لأنهم لم يأخذوا فرصتهم في تحصيل العلم, حتى يصلوا الى النجومية الشاملة, ومن ثم فإنني أشفق على مستقبل أجيالنا التي تتخذ من أولئك الفنانين مثلها الأعلى رغم سطحية المعرفة وضعف الثقافة. والمعادلة الصحيحة حيث يدفع ابناؤنا الثمن باهظا مع نجوم تحمر وجوههم خجلاً أمام أسئلة عادية وبسيطة, وعبر برامج معادة ومكررة شكلاً وأسلوباً في القنوات الفضائية المختلفة. ونحن كمشاهدين لن نقبل بمنطق تعبئة البرامج والاحتيال الفكري لعقولنا. المطلوب ممن يقومون بإعداد وتقديم البرامج التدقيق في اختيار الضيوف الذين يقومون بتعليمنا وإعطائنا النصيحة. كما انه مطلوب التنسيق بين القنوات لتحاشي عملية التشابه الموجودة في معظمها, فمن غير المعقول ان أشاهد البرنامج أكثر من مرة خلال فترة زمنية متقاربة. بل الأعجب والأغرب في مسألة التشابه تلك نجده خلال عرض المسلسلات والأفلام في معظم القنوات خلال فترات متقاربة, وكأنهم يؤكدون لنا المثل القائل (التكرار يعلم الشطار).. عفواً, المعنى الآخر في بطون (القنوات الفضائية)!! أسـامـة عســل