بيان (2): تحتل ولاية تاميل نادو الهندية الناحية الجنوبية الشرقية القصوى من شبه الجزيرة الهندية. وفي تلك الولاية النائية توجد مدينة ثانجافور التي تضم واحدا من اجمل وأضخم المجمعات الدينية الهندوسية في البلاد, بأبراجها المزخرفة بترف كبير وزوارها الذين يتجولون جماعات عديدة بين انحائها. وفي قلب هذه المدينة ايضا تقبع مدينة مادوراي التاريخية الاثرية التي اتت امهات الكتب القديمة على ذكرها عام 300 قبل الميلاد, وتضم نحو 33 مليون منحوتة مختلفة ملونة بألوان وفيرة وبشكل عفوي مميز. وإذا ما تجولت في أزقة وطرقات المدينة القريبة من خليج البنغال فربما ترى قرداً يتأرجح فوق مغارة على الشاطىء أو كاهناً يحطم جوزة هند ليطرد الأرواح الشريرة من المكان أو صاحب مطعم تاميلي يدعوك بابتسامته وانحناءته المبالغ بها وكلماته الرنانة (اهلا بك في ارض الاحلام)! لدخول مطعمه. وربما كانت تاميل نادو حقا آخر ما تبقى في الهند من العجائب. اذ ان غيرها من الانحاء اما ان الترويج والاستثمار السياحي قد افقده اصالته او ان التغريب قد غيره. لكن تاميل نادو لا تزال تحتفظ بشواطئها النظيفة وأماكن الاقامة الرخيصة ومساحات الغابات الشاسعة. ومادوراي على سبيل المثال تتحلى بأكثر درجات الغرابة, فهناك يمكنك ان ترى كاهن معبد داخل الرواق الذي تحيط به عشرات بل مئات الاعمدة, وهو يجهز مغطسه, ويسكب فيه 25 كيلوجراما من الزبدة التي تغلي على النار قبل ان يغطس في الزبدة ليقوم حسب قوله بترويج السلم العالمي والانسجام الاجتماعي. ولا يبدو عليه اثر من ألم أو حروق وجلده يظل طرياً بعد خروجه, وليـس كجلـد الدجـاجـة المشوية كما يمكن للمرء ان يتوقع. لكـن العـالم بدوره ايضا يظل عالما يفتقر للسلم والانسجام. وقد يتعب المرء ايضا وهو يراقب هؤلاء الكهنة وهم يدورون مراراً وتكراراً حول الضريح المدهون بالزبد والسمن والتعب متوقع اكثر من ذلك من ان تساوم التجار الكشميريين الذين يفدون ببضاعتهم من السجاد لبيعها للسياح. ولعل المكان الوحيد الذي يستطيع فيه الغريب ان يهرب اليه من هذا الزحام وهذه الغرائب هو منتجع تاج جاردين الذي يعود الى الحقبة الكولونيالية وهو فيلا داخل مزرعة مساحتها 26 فداناً تشرف على المدينة المزدحمة. والأكثر اناقة من تاج جاردين هو فندق (الوريان) في منطقة بونديشيري وهو جيب منعزل على ساحل الكورومانديل الذي لا يزال يحتفظ بطابعه وهويته الفرنسيتين حتى الآن. مع ان الانجليز رحلوا عن الهند عام , 1947 إلا ان الفرنسيين ظلوا موجودين في بونديشيري حتى عام 1954 كما ان الكثيرين من الموظفين الذين عملوا في المستعمرة الفرنسية هناك لا يزالون حتى الآن يقضون فيها حياة التقاعد. ولذلك فإنك تستطيع في هذه المنطقة تناول كل ما تريد من اصناف الطعام والشراب الفرنسية. بل ان افراد الشرطة الهندية فيها لا يزالون حتى اليوم يعتمرون القبعات الفرنسية العسكرية الحمراء المدورة ذات الشرائط الافقية كما ان متحف الشرطة فيها يحتفظ بمجموعة ممتازة من تحف الغال. أما ما تبقى من المدينة فيهيمن عليه زوار ضريح المعلم الهندوسي سري اورو بيندو الذين يأتون من الهند وأوروربا وأمريكا. وهؤلاء يتناثرون بين المنحوتات الصخرية التي تنتشر هنا وهناك بعضها كهوف والأخرى مقابر وغيرها كثير. ومن يريد الاناقة الرخيصة فإن تاميل نادو هي معقدة ايضا, فهناك يمكنك العثور على خياطين يعطونك نسخا طبق الاصل لأشهر ماركات الملابس العالمية بأجزاء يسيرة جدا من سعرها الاصلي, وليس الأمر وقفا على الملابس فقط, بل يمكن للزائر ان يجد ايضا كل شيء مقلداً وخصوصا الموسيقى المسجلة.