بيان (2): كمبالا ــ (البيان): انتشرت الطوائف الدينية ذات التوجهات الشاذة في وسط القارة الأفريقية في عقد التسعينيات, وأخذت تشكل خطورة حقيقة على السلام الاجتماعي لمجتمعات القارة السمراء .. ولم تكن الحكومات تعير هذه الطوائف اهتماما كبيرا إلا من خلال موقفها السياسي فقط, إلى أن فوجئت بأحداث طائفة الوصايا العشر المسيحية التي انتحر أعضاؤها داخل كنيستهم في غرب دولة أوغندا في مارس الماضي, في أسوأ حادث انتحار جماعي على مستوى العالم راح ضحيته نحو 1000 من أعضاء الطائفة اغلبهم من النساء والأطفال .. وقد هزت الحادثة وصور المنتحرين المتفحمة الضمير العالمي بأسره .. وعندها فقط بدأت الحكومات في البحث والتقصي عن هذه الطوائف واكتشفت أعدادا كبيرة لطوائف مختلفة كما اكتشفت تأثيراتها الهدامة على المجتمعات المتخلفة والبسيطة في دولها. واغرب النتائج التي توصلت لها لجان التحقيق التي بحثت أمر الطوائف الدينية هو أن 80% من المنطوين تحت لواء هذه الطوائف من النساء والأطفال وان ضحايا كارثة طائفة الوصايا العشر كان اغلبهم من النساء والأطفال. وأعادت السبب إلى أن الأديان الرئيسية المؤثرة لا تعطي مشاكل النساء في هذه المجتمعات البسيطة اهتماما يذكر, بينما الطوائف تعرف كيف تخاطب مشكلات المرأة واهتماماتها, بالإضافة إلى أن الكنائس الرئيسية في هذه البلاد ليس فيها مكان للمرأة الزعيمة, لذلك نشأت العديد من الطوائف الشاذة تحت قيادة نسائية بالإضافة للعاطفية المفرطة عند النساء وانفعالهن مع هذه الدعاوى. أما الأطفال فيعود وجودهم وسط الضحايا لارتباطهم بأمهاتهم اكثر من آبائهم . أسباب نشوء الجماعات الشاذة في وسط أفريقيا يقول الباحثون أن أهم الأسباب التي أدت لنشوء العدد الكبير للطوائف الدينية الشاذة في مجتمعات دول وسط أفريقيا هو: * عدم ضبط الحكومات لعمليات الدعوة والتبشير في هذه المجتمعات وإتاحة الحرية لأي صاحب فكرة أن يدعو لها مهما كان شذوذها. * التنافس الشديد بين الكنائس المسيحية المختلفة في مثل هذا المجتمع البسيط, والإمكانات الضخمة المتوفرة لهذه الكنائس, وقد تجد في الأسرة الواحدة أن الأب ينتمي للكنيسة الانجليكانية والابن للأرثوذكس والبنت للكنيسة الرومانية.حتى قادة الطوائف الشاذة تجدهم كانوا قساوسة في الكنائس المختلفة. * محاولة البعض المزج بين الأديان الرئيسية والعادات والعقائد المحلية مما خلق إرباكا للمواطن البسيط. * الخطاب الديني للمبشرين المسيحيين الغير مفهوم لهؤلاء البسطاء حديثو العهد بالأديان السماوية. * العدد الكبير للمعتقدات الدينية فمثلا في أوغندا تجد المسلمين السنة والشيعة والإسماعيلية والأحمدية, وأيضا تجد كل أنواع الكنائس المسيحية وفروعها, وكذلك تجد البهائيين والبوذيين الذين يعودون للجاليات الآسيوية الكبيرة المنتشرة والمستقرة في وسط أفريقيا, بالإضافة للأديان التقليدية الموجودة أصلا'' في مجتمعات وسط أفريقيا والمربوطة بالسحر وآلهة المطر والشمس. يقول الباحثون أن الأسباب التي تساعد على النمو السريع للطوائف الدينية الشاذة تعود للجهل وتفشي الأمية الدينية والذي يدفع الناس البسطاء لتصديق الخرافات والمعجزات التي يتوهمها أو يؤلفها زعيم الطائفة .. كما للتخلف والفقر دور كبير وهام يجعل الكثيرين يبحثون عن حل لمشكلاتهم وأزماتهم من خلال بركات الزعيم. أما اكثر الأسباب التي تجعل الناس تنضم لدعاة المعجزات هؤلاء, فهي الأمراض خاصة المستعصية على العلاج ويأتي على رأسها مرض الإيدز .. ويؤكد الباحثون أن أعدادا كبيرة من المنتمين للاتجاهات الدينية الشاذة مصابون بهذا المرض وان زعماء هذه الطوائف يزعمون بان لهم قدرة على شفاء هذا المرض. طائفة الوصايا العشر أصبحت هذه الطائفة اكثر الطوائف الدينية شهرة في أفريقيا بل على مستوى العالم بعد أن ضرب عدد أعضائها المنتحرين حرقا في مارس الماضي الرقم القياسي العالمي, وسنسرد فيما يلي قصة بداية هذه الجماعة أما النهاية فقد تابعها العالم لحظة بلحظة. بدأت قصة جماعة الوصايا العشر أو جماعة يوم القيامة بان امرأة تدعى كاليدونيا قالت أن السيدة مريم العذراء جاءتها في المنام وأخبرتها أن القس جوزف كيبوتيري سيكون مخلص البشرية, كما أخبرتها أن نهاية العالم ستكون بنهاية الألفية الثانية .. وكانت كاليدونيا التي تعمل معلمة في إحدى المدارس التابعة للكنيسة الرومانية قد شاهدت كيبوتيري للمرة الأولى عندما حضر لمدرستهم ليعظ التلاميذ في أحد أيام عام 1995 . وأرسلت المرأة من يخبر كيبوتيري بحلمها, سافر الرجل مع زوجته إلى المرأة التي حلمت بمجده القادم لأنها كانت تعيش في قرية أخرى, وبعد اجتماعه معها خرج الرجل موقنا انه مخلص البشرية, وبدأت أول نواة لهذه الطائفة من رجل وثلاث نساء, كيبوتيري وزوجته وكاليدونيا وزميلتها. وذاع خبر الحلم في منطقة كانونقو المتخلفة بغربي أوغندا التي كان بها منزل الزعيم الجديد كيبوتيري والذي اصبح المركز الرئيسي لاستقبال الذين آمنوا ببركات كيبوتيري. زادت أعداد المنتمين للطائفة ووصل الرقم إلى الآلاف واصبح لهم كنيستهم الخاصة التي يقيمون فيها طقوسهم وفروع وكنائس ومدارس في دولتي كينيا ورواندا بالإضافة للفروع المحلية في أوغندا. في منتصف عام 1999 أمر كيبوتيري اتباعه ببيع ممتلكاتهم وإخراج أبنائهم من المدارس للتفرغ للعبادة ليفوزوا بالفردوس فالنهاية قد اقتربت. ومع اقتراب نهاية الألفية الثانية وبينما كان العالم يتجهز للاحتفال بنهاية القرن والألفية كان اتباع طائفة يوم القيامة يتجهزون للموت, وكلما اقتربت النهاية زادت العبادة حتى وصلت في الأيام الأخيرة للعام الماضي إلى اكثر من 20 ساعة يوميا, ولكن مرت نهاية الألفية بسلام وارتبك أعضاء الطائفة حتى أن كيبوتيري نفسه لم يجد ما يقوله لتابعيه في البداية, وبعد أيام قال لهم أن السيدة مريم العذراء جاءته في المنام وقالت له أن نهاية العالم ستكون بنهاية العام 2000 . وفقد بعض اتباع كيبوتيري الثقة فيه وبدءوا في تحريض الآخرين الذين مازالوا يؤمنون ببركات الزعيم, كما بدءوا المطالبة بقيمة ممتلكاتهم التي باعوها وأموالهم التي دفعوها, وعندها كان لابد لزعماء الطائفة أن يضعوا النهاية بأيديهم فدعوا كل أعضاء الطائفة من كل الأنحاء وأقاموا الاحتفالات النهائية ثم أغلقوا عليهم كل المنافذ في كنيستهم بالأخشاب والمسامير وسكبوا على أنفسهم كميات كبيرة من البنزين وأشعلوا النار عليهم. طائفة الروح القدس تختلف هذه الطائفة عن سابقتها اختلافا كليا في الشكل العام والأهداف والوسائل, فقد تكونت الطائفة في بداية التسعينيات في منطقة قولو على الحدود السودانية الأوغندية بزعامة امرأة تدعى أليس لاكوينا, وادعت هذه المرأة أنها على اتصال بالروح القدس وان الروح القدس أمرتها بإزاحة الرئيس الأوغندي يوري موسفيني من سدة الحكم وتنصيب نفسها في مكانه. وقالت إن إعجازها يتمثل في زيت قالت لها الروح القدس أن من يتمسح به لن تخترق جسده طلقات البنادق. وجمعت حولها أعدادا كبيرة من المؤيدين خاصة المناوئين لنظام موسفيني مع العلم أن مناطق شمال أوغندا تعتبر مناطق نفوذ للرئيس السابق عيدي أمين, وكذلك الرئيس السابق أبوتي . وفي أول صدام مع قوات الحكومة ظهر كذب المرأة, ومات عدد كبير من اتباعها وتشتت شمل الباقين وهربت الدعيّة إلى كينيا حيث تعيش إلى الآن كلاجئة في أحد المعسكرات. نجح أخوها القس جوزف كوني في جمع أشلاء جماعة أخته, ونزح بهم إلى جنوب السودان. وصادف نزوح كوني التوتر الشديد في العلاقات السودانية الأوغندية واتهام الخرطوم للنظام الأوغندي بدعم حركة التمرد التي يقودها جون قرنق, مما دفعها للترحيب بجوزف كوني وجماعته. غيّر كوني اسم حركته من طائفة الروح القدس إلى جيش الرب للمقاومة, وما زالت أوغندا تدفع ثمنا باهظا من جراء نشاط كوني العسكري في المناطق الشمالية للدولة.