بيان (2): امستردام ــ ميكلي شيركوني: غرق الغواصة النووية الروسية كان قصة مروعة تصدرت العناوين والاخبار الرئيسية في اجهزة الاعلام العالمية: طاقم البحارة مأسورون، في غواصتهم المشلولة في قاع البحر بينما كانت حكومتهم عاجزة عن فعل اي شيء لانقاذهم وعن اخفاء الكارثة عن العالم والشيء الوحيد الذي كان يبعث على العزاء هو احتمال ان يكون جميع البحارة قد قضوا على الفور من جراء الحادثة, ولكن عندما وصل الغواصون الى مكان الحادث تأكد لهم أسوأ المخاوف وهو أن كثيرا من البحارة بقوا على قيد الحياة لعدة ايام قبل ان يموتوا موتا شنيعا في كفن حديدي بارد. وعثر على 106 جثث محصورة داخل ما تبقى من الغواصة كورسك التي كانت مفخرة الاسطول البحري الروسي من الغواصات و لم ينج أي من طاقم البحارة عندما غرقت في 12 اغسطس الماضي. وبعضهم عاش لعدة ساعات قبل ان يخضع في النهاية الى البرد القارس ونقص الاوكسجين في قاع بحر بارينتس المتجمد. فرق الانقاذ التي نظمتها الحكومة الروسية والعلماء النرويجيون لم تتمكن الا من انتشال 12 جثة تاركين البقية ليرقدوا في مثواهم المائي. ولكن لاتزال هناك شكوك حول اسباب الانفجارات التي سببت في غرق كورسك فقد سجل معهد نورسار لعلوم الزلازل النوريجي هذه الانفجارات في ذلك اليوم المشئوم. وتؤيد احدى الدراسات الروسية نظرية انفجار طوربيد داخل الغواصة. والمعلومات متفرقة حول وضع المفاعلين النوويين في الغواصة اللذين يشكلان الآن أكبر تهديد بيئي على الاطلاق للمحيطات العالمية. وتجنبا لأي كارثة محتملة ولالقاء الضوء على لغز كورسك اضافة الى انتشال الغواصة ودفن الضحايا بشكل رسمي, قدمت الحكومة الهولندية يد المساعدة لموسكو واقترحت المشاركة في تمويل عملية الانتشال وكذلك اجراء دراسة جدوى حول ما قد تسفر عنه الاجراءات. وشكلت الحكومتان مؤسسة كورسك لتنسيق عملهما, وتضم المؤسسة نائب ادميرال البحرية الروسية ميخائيل بارسكوف والاكاديمي سباسكي ممثلا للشركة المملوكة للدولة التي صممت كورسك اضافة الى خبراء من حكومات غربية. والشخص المكلف ادارة المؤسسة وحملة الدعاية لجمع التبرعات للعملية هو ديفيد ويبر الرئيس السابق لمجموعة جلوب انترناشونال البيئية. ويحمل الرئيس الشاب وعمره 31 عاما على شهادة في العلوم الاقتصادية ودكتوراه في العلوم البيئية مما يؤهله لهذه المهمة. وفي مقابلة خاصة تحدث عشية الحملة الدولية لانتشال كورسك عن اهداف العملية وابعادها. وفيما يلي مقتطفات من المقابلة: * ما هي نتائج دراسة الجدوى على انتشال كورسك؟ ــ أوصت الدراسة بضرورة اغلاق الاقسام التي تعرضت لاكبر الاضرار والتي سببت المشاكل الرئيسية خلال حملات الانتشال الاولى ومن ثم أوصت بضرورة رفعها الى السطح. وبذلك سيتم في المرحلة الاولى فقط انتشال القسم الذي يضم المفاعل النووي والاجزاء الاقل أمانا, وبعد ذلك سيغوص الغواصون من جديد لانتشال البقايا و القطع الاخرى للغواصة. * ما هي التقديرات المالية اللازمة لتنفيذ ذلك؟ ــ التكلفة التقديرية ستكون حوالي 120 مليون دولار امريكي, والاتفاق الذي ابرمناه مع السلطات الروسية ينص على ان التكلفة مناصفة اذ ستدفع الحكومة الروسية نصف التكلفة والمانحون الدوليون النصف الآخر. * متى تتوقع ان تبدأ عملية الانتشال؟ ـ حسب المؤسسة يجب أن تبدأ عملية الانتشال بأسرع وقت ممكن واقرب تاريخ هو صيف عام 2001 لأنه من المستحيل حاليا القيام باي عمل بسبب الاحوال الجوية في فصل الشتاء. * من سيكون المانح الرئيسي لعملية الانقاذ؟ ــ الاتحاد الاوروبي وحكومات الاتحاد الاوروبي ودول اوروبية اخرى ستلعب الدور الرئيسي لأن قضايا البيئة في أعلى أولوياتها ولأنها تنظر الى هذه العملية بانها فرصة لفتح الباب أمام اقامة علاقات افضل مع روسيا. ومن المرجح ان تلعب المملكة المتحدة وألمانيا وكذلك النرويج وجميع البلدان الاسكندنافية دورا رئيسيا بسبب التزامها بالبيئة ولأنها الاكثر تعرضا للمخاطر التي قد تنجم عن أي تسرب نووي. اسباب الانفجارات * في ضوء المهمات الاخيرة لانتشال الغواصة هل ظهرت أي دلائل حول اسباب الانفجارات التي دمرت الغواصة كورسك؟ ــ الياكل يبانوف رئيس اللجنة الروسية الخاصة المكلفة بالتحقيق في اسباب غرق الغواصة وخبراء آخرون ومسئولو البحرية الروسية ينظرون في ثلاثة احتمالات: اولا اصطدامها بسفينة اخرى وثانيا اصطدامها بلغم من الحرب العالمية الثانية وثالثا استعصاء احد الطوربيدات المصممة عام 1967 في انبوب القاذفة قبل الانطلاق وبالتالي انفجاره داخله, وقد يكون هذا قد سبب لاحقا في انفجار بقية ذخيرة الاسلحة وهذا يفسر اسباب حدوث الانفجار الاول الذي أعقبه انفجار اضخم. ويتضح من البيانات المتوفرة ان كورسك كانت قد نجحت لتوها في اطلاق احد الطوربيدات ضمن جدول التدريبات. وذكرت منظمة بيلونا وهي منظمة غير حكومية ان دراسة صدرت اخيرا عن الحكومة الروسية تظهر بوضوح ان سيناريو الطوربيد حقيقي. * ماذا عن الخطر البيئي الحقيقي الذي قد ينجم عن المفاعلات النووية التي تحملها غواصة كورسك؟ ـ من الصعب الرد على ذلك, لأن عندما غاص الغواصون لانتشال الجثث كان من المستحيل عليهم الدخول الى اعماق الغواصة بسبب كبر حجم معدات الغوص وضيق المداخل الى باقي الغواصة. وهذا هو ايضا أحد الاسباب الرئيسية لعدم تمكنهم من انتشال اكثر من 12 جثة. ولم يستطيعوا ايضا الدخول الى المقاسم التي توجد فيها المفاعلات النووية. ولذلك لا أحد تمكن من تقديم صورة حقيقية وواضحة لوضع المفاعلين النوويين. وتقول مصادر رسمية انهما في وضع مستقر, ولكن لا أحد يستطيع ان يعلم الى مدى سيكون وضعهما مستقرا وصرح نائب رئيس الوزراء الروسي اخيرا بان المفاعلين سيكونان آمنين لعشر سنوات أخرى حسب تقييم اجراه خبراء روس. وقد يكون هذا صحيحا ولكن يجب التنويه الى ان خلال عشر سنوات لن تكون الغواصة في حالة مستقرة لانتشالها. واذا حدث تسرب نووي خلال عشر سنوات سيكون انتشالها اكثر صعوبة. * ما هي نصيحة سباسكي رئيس وحدة الشركة المملوكة للدولة التي صممت كورسك وهو ايضا عضو في مؤسسة كورسك؟ ـ انه يتفق تماما مع نتائج دراسة الجدوى ويعتقد انه يجب انتشال الغواصة باسرع وقت ممكن, وأن الحكومة الروسية كلها توافق موافقة تامة على ان انتشال الغواصة هو الحل الوحيد. ونحن متأكدون من انه لن تكون هناك أي معارضة على الاطلاق من قبل الحكومة الروسية. وحتى اذا لم يظهر أي دليل بعد على وجود مخاطر فان الحكومة تتفق معنا على أن انفجار طن أو اثنين من تي ان تي في مثل هذا المكان المحصور سيكون له تأثير دراماتي وكبير ليس على الغواصة نفسها فحسب بل على المفاعلين ايضا وصحيح ان مقاسم المفاعلين النوويين مبنية بناء خاصا يجعلها قادرة على تحمل قدر معين من الصدمات ولكن لا يمكن استبعاد احتمال حدوث تشقق في المفاعلين. ومن الواضح ان وجودهما في اعماق البحر حيث جميع عوامل التآكل موجودة مثل المياه المالحة, سيزيد من اتساع التشققات مع مرور الزمن وسيؤدي في النهاية الى تسرب اشعاع نووي. * هل هناك أي أدلة على وجود نشاط اشعاعي نووي في المنطقة التي غرقت فيها كورسك؟ ـ في الوقت الحالي توجد سفينة روسية عند الموقع تقوم برصد مستويات الاشعاع ولم توجد حتى الآن أي زيادة في مستويات الاشعاع النووي, وقد وضعت اجهزة تحسس لفحص أي نشاط اشعاعي في مقسم المفاعلين خلال احدى بعثات الانقاذ الروسية. * ما هي التأثيرات المحتملة لأي تسرب نووي؟ ـ من المحتمل جدا ان يصل أي تسرب لاشعاع نووي من كورسك الى بحر الشمال وبحر البلطيق وشواطىء انجلترا والمانيا وبولندا. وقد تنتشر بصورة لا يمكن التوقع او التحكم بها ويقول بعض الخبراء انه قد ينتشر بكميات صغيرة في منطقة واسعة ولكن بحر بارينتس من الناحية الاقتصادية مصدر قيم وثمين للثروة السمكية ليس لروسيا فحسب وانما للنرويج ودول أخرى ولا أحد يستطيع فعلا ان يتوقع مدى تأثير تسرب الاشعاع النووي على الثروة السمكية لأنها تعتمد كليا على انسياب التيارات واحوال البحر ولكن الخطر ماثل.