بيان (2): للعيد مظاهره الاجتماعية المضيئة المحببة .. فهو ممارسة دينية واجتماعية معاً, نعتز بهما, ونحرص على أن نعيشها بإخلاص وتلقائية, وقد اختلفت مظاهر الاحتفاء بالعيد, باختلاف الزمان والمكان والظرف, على الرغم من ان الكثير من صيغه الاجتماعية ما زالت باقية, ومنها تجمع الاولاد والبنات في بيت العائلة الكبير, للسلام على الوالد والوالدة, وحصول الأحفاد على (العيديات) والهدايا .. والزيارات المتبادلة بين الجيران للتهنئة .. لكن الكثير من شباب اليوم غيروا بعض الصيغ التي أعطت للعيد مظهره البهيج, فهم يعمدون الى ان يستغلوا عطلة العيد للسفر الى مكان معين .. يتخلصون فيه من أعباء العمل, ويقضون وقتاً للعب واللهو .. كما تغيرت أماكن تجمع الاطفال عند (المراجيح) ووسائل اللهو كانت تقع سابقاً في آخر المدينة, فأصبح لكل حي أو زقاق مكاناً يتجمع فيه الاطفال .. وتغيرت وسائل النقل التي كانت تستخدم من ضمن وسائل اللهو والمتعة التي يعيشها الصبية والصغار .. من عربة الحنطور, الى سيارة مكشوفة أحياناً أو أية عربة ملائمة .. كما صارت مدن الألعاب بديلاً حياً عن المراجيح حيث يشارك الأهل في رعاية الصغار, بدلاً من تركهم وحدهم يتمتعون بيومهم السعيد. بعض الناس يولمون في العيد, ويعززون افراحا مؤجلة بالزواج والخطبة .. ولكن يظل للتغيير الاجتماعي عمقه النفسي بالنسبة لرجل جاوز الستين, مثلاً حيث يستقبل الاولاد والبنات ويزور بعض الاصدقاء في اليوم الأول .. الا ان شرخاً خاصاً يجده في الذات, الا وهو ان زمناً طويلاً قد قضى على انحسار البراءة, و(صرف أول درهم في أول عيد). بين العيد والناس والسوق وتتلقفنا الصور والرؤى .. فتشع في الذاكرة تلك اللحظات الطفولية .. كنا نرقب العيد, ونغوص في ملامح انثياله الممتع, عبر عشرات الأحلام والأمنيات البريئة .. ولكن, بين حسرة تنحشر في ثنايا القلب, وبين تأمل مظاهر الحياة الآن .. لا يزال العيد, يحمل اشلاءه وهداياه, ينثر الذكرى والأماني مع أول خيط لشعاع الشمس وهي تعلن بداية يومه السعيد. * هناك في أحد أسواق الكاظمية: وبين مجاميع متداخلة من الناس, وهي تبحث عن شيء جديد تشتريه .. زحام غريب, ومسافة تكتظ بالخطى والضجيج والأشياء .. نقف عند الحاج عبد الزهرة عبود (59 عاماً) .. يعمل قماشاً في ذلك السوق .. سألناه عن حال العيد والناس والسوق .. فرد قائلاً: ــ العيد, مناسبة مهمة ومقدسة عند العراقيين, وهم يعدون العدة لاستقباله بأجمل المظاهر, فترى الجميع (قبل حلوله) يعيش الهمة والنشاط والفرحة, تجد هذا كله سواء في السوق أو المدينة أو البيت .. وفي موسم العيد تنشط حركة السوق, حيث يعمل الجميع على شراء حاجاتهم كافة, للاحتفاء بهذه المناسبة الجليلة, فمنهم من يشتري ملابس للاطفال وأفراد الأسرة, ومنهم من يقوم بترتيب منزله بأشياء جديدة, ومنهم من يشتري الهدايا, ومنهم من يشتري الحناء والعطور والبخور والكثير من المواد الغذائية, وغيرها من اللوازم التي تعطي بوجودها لوناً مميزاً لهذه المناسبة السعيدة. وليس خافياً ان حال السوق قبل الحصار, كان شيئاً آخر .. فأغلب العوائل اليوم ذات دخل محدود, وهي تعمد الى شراء أشياء محدودة إكمالاً لفرحة العائلة والاطفال بالعيد, فالدخل محدود وأسعار الحاجات مرتفعة نوعاً ما .. الا انه على الرغم من كل هذا, نرى الناس هنا تعمل على احياء هذه المناسبة بشكل يحقق للجميع سعادة ملموسة. تقاليد اجتماعية * وعبر انتقالة أخرى, نرى فسحة نتأمل من خلالها حياة العائلة وهي تقضي أيام العيد .. مع الحاج علي الخفاجي, الذي تحدث عن العيد وطقوس العائلة البغدادية قائلاً: ــ تستقبل العائلة البغدادية العيد بفرحة كبيرة .. فالجميع يجب ان يعرب عن سعادته بقدوم هذه المناسبة, على وفق تقاليد اجتماعية معينة .. فربة البيت تعمل على اعداد صينية الاكليجة والكيك والحلوى حتى يتسنى لها تقديمه للضيوف .. والبنات يقمن بإعداد البيت وفرشه وتحضير الحناء وخياطة الملابس الجديدة .. والاطفال يحلمون بصباح أول يوم العيد للحصول على العيدية ومن ثم يندسون بين مجاميع الاطفال الذين يتجمعون للهو واللعب, ورب الأسرة يعد نفسه والعائلة لصلاة العيد, ومن ثم استقبال الناس, وزيارة الجيران والأقارب. والعيد ليس مناسبة تهتم بالأمور الشكلية, بل هو مناسبة اجتماعية مهمة, يحرص الجميع على ان يظهروا فيها بمظهر يليق باحترامهم لايام العيد والروابط الاجتماعية أو العرف الاجتماعي .. العيد مشوار سعيد يقضي فيه أفراد الأسرة أيام حافلة بالفرحة والسعادة. العيدية هدى العزاوي (35 سنة) تنثال استذكاراتها فترسم العيد عبر هذه الكلمات: ــ لو اعادنا الزمن الى ذلك الحلم الطفولي الذي كان يطرق ابوابنا كل عيد, لابصرنا أغنيات كثيرة, تحف بنا من كل جانب, أغنيات الانتظار والفرح والثوب الجديد .. بعض تلك الأحلام كان يتحقق وبعضها كان يغيب بين أروقة الحرمان .. لكن شيئاً واحداً لم يغب عنا أبداً وهو (العيدية) التي طالما احببتها فأدمنت على هذا الحب حتى هذه اللحظة! لقد ارتبطت تلك المبالغ البسيطة التي اتسلمها في العيد بالكثير من الأمنيات: شراء الحلوى أو اللعب أو البالونات الملونة .. وأحياناً كثيرة كانت تذهب الى اصدقاء آخرين لم يتسلموا (عيدياتهم) مثلي, ليكون الجميع فرحين, وبنفس المستوى, بالحلوى التي تطحنها اسناني بعد لحظات من استلام العيدية, بل انني احياناً كنت أعطي عيدية من عيديتي الى اقارب يصغرونني بالسن, وأفرح كثيرا بهذا التصرف, لانه يشعرني انني امتلك مالا استطيع توزيعه على من اريد. وبين عيد الأمس وعيد اليوم مفارقات واختلافات وتشابه .. و(العيدية) ما زالت تنبض بالحياة والمودة, ما زالت تتشبع بها جدران بيوتنا العتيقة, وثياب العيد قد تغيب أو تحضر, لسبب من الأسباب .. ولكن الروح ما زالت عامرة بالمحبة, وتتخذ في هذا الظرف أشكالاً متعددة لتعم (العيدية) على من لا قدرة له على امتلاكها, وتصبح ثياب العيد, وان كانت قديمة بعض الشيء, جميلة, مطرزة بالألفة بين الأحبة والأهل. العيد ومرارة الحصار وفي انتقالة أخرى يحدثنا الصحفي هادي عبدالله عن العيد, حيث يقول: العيد ذكرى طفولة محفورة في الذاكرة والوجدان, فرحة دائمة لا تفارق طرف اللسان بالرغم من مرارة الحصار. اذكر العيد في الحي الشعبي الذي قضيت فيه طفولتي, في حي الوشاش .. كان حياً قد لا يختلف كثيرا عن مئات بل آلاف الاحياء الشعبية في العراق .. الا ان الذي يختلف هو الزمن, لقد كان زمنا لفرحة ذائبة في الماء الذي نشربه .. ممزوجة بالتراب الذي لا نتردد عن اللعب به, بالرغم من نصاعة ملابسنا ووصايا امهاتنا. العيد فرحة نتنفسها في دولاب الهواء, ولعبة (الكلو) والركوب على ظهر حمار عجوز يطوف بنا زقاقاً أو زقاقين. اتذكر ذلك وانظر الى ولدي عبدالله وهو وسط زحام من الآلات التي نصبت لنشر الفرحة بين الاطفال .. ولكن لا أرى حجم السعادة المرتسمة على وجهه .. المتمثلة في القفز والحركة والركض والصياح .. لم أجد هذه السعادة بذات الحجم الذي كانت عليه سعادتنا .. اتمنى له سعادة أكبر حين يكبر, واردد مع نفسي الحمد لله على كل حال .. ربما هو الحصار الذي يحجب عنا رؤية الفرح بحجمه الحقيقي, وربما هو الزمن, إذ تتغير مقاييس السعادة .. وأشكر الله مرة أخرى لأن ولدي ما زال يضحك. أهازيج الصبية والأطفال محطتنا قبل الأخيرة مع الباحث فخري حميد القصاب .. كي يحدثنا عن أهازيج الصبية والاطفال في العيد .. حيث بدأ حديثه قائلاً: ــ في عصرية اليوم الذي يسبق انبلاج فجرالعيد, وهو ما يطلق عليه يوم (الاشراق) بالنسبة لعيد الفطر, و(عرفات) بالنسبة لعيد الاضحى, ينطلق الصبية والاطفال على شكل مجاميع في المحلة, وقد أخذهم الفرح كل مأخذ, وهم يرددون انشودة متوارثة: (باجر عيد ونعيد ونخرب بيت سعيد وسعيد كرابتنه ونذبحله دجاجتنه) ولا يعرف من هو (سعيد هذا على وجه الدقة, بيد ان الشيخ جلال الحنفي يذهب الى ان المقصود هنا هو سعيد باشا والي بغداد في العهد العثماني, الذي كان سيء الصيت, وقد قتله داود باشا الذي خلفه في الولاية. ويبيت الاطفال ليلتهم على أحر من الجمر وفي مخيلتهم أجواء مسارح اللهو والانطلاق المتمثلة بفضاءات (المراجيح) ودواليب الهواء والكواريك التي تتناثر في هذه الزاوية أو تلك, وتسمى (الوكفة), وما ان تشرق شمس اليوم الأول من العيد الا وتراهم متشبثين بالمراجيح وقد راح صاحبها ينشد ومعه الاطفال يرددون على حركة ايقاع المرجوحة. (شوط شوط يا عيده واحمله وازيده وجفيه على المنخل شنخل شنخل شنخل .. إلخ) وتعد نهاية المقطع الأخير لهذه الأنشودة بمثابة الإعلان, من قبل صاحب الأرجوحة, عن انتهاء الوقت المخصص لركوب الاطفال, ليأتي دور الآخرين في الصعود اليها, وما ان يأذن اليوم الأخير من العيد بالانصراف وقبل ان يسـدل الظـلام أسـتاره حـتى يطفق الأطفال منشدين وهم يودعون أيام العيد: (راح العيد وهلاله وكلمن رد على جلاله) أهازيج العربات والسيارات ويستطرد الباحث فخري القصاب قائلاً: ــ مثلما كانت للأراجيح أهازيجها وأغانيها, كانت للعربات, والربلات التي تسحبها الخيول .. بل وحتى السيارات الخشبية التي كان يندس في جوفها الأطفال .. كانت لها أغانيها وأهازيجها الخاصة بها .. وكأن هؤلاء الأطفال, كانوا يفقهون مقولة (لكل مقام مقال) فكنت ترى مجموعة منهم وهم يملأون أحد الربلات, ومشيرين إلى أحدهم: (واي واي صبت يا ولد هي هاي سنه ذهب) وقد راح (العربنجي) يلهب ظهور جياده بسوطه على أنغام هتافاتهم الصاخبة, بينما تشاهد في الجانب الآخر من الشارع أو الطريق سيارة خشبية حبلى بمجموعة أخرى من هؤلاء الاطفال وهم يصفقون ويغنون لسائقها الذي ارتسمت على شفتيه ابتسامة عريضة تفصح عن الرضا والإعجاب بنفسه. (هذا سايقنه الورد هسه يوصلنه ويرد) في حين تلمح مجموعة أخرى داخل سيارة مماثلة يتغنى راكبوها من الأطفال بسيارتهم المحبوبة التي تمشي الهوينى على الطرق المبلطة وغير المبلطة: (سيارتنه المحبوبة تتدعبل مثل الطوبة) وهذه جمهرة من الأطفال تستقبل عربة, وهم ينشدون والابتسامات تطرز شفاهم الطرية: ( يا عيد يا بو نمنه خذنه وياك للسينمه يا عيد يا بو مرايه خذنه وياك مشايه) عالم سحري * لماذا كلما نتحدث عن العيد .. نستذكر طفولتنا ونتأمل لحظاتها, وهي تنثال بين ثنايا أيام العيد السعيدة؟ ــ ولكن .. لا يشهق الاطفال بالفرح في حياتهم الطفولية, قدر شهقتهم بإطلالة العيد الملفع بالمباهج والأفراح, فهذا الطالع الذي يأتيهم مرتين في العام (عيد الفطر وعيد الأضحى) لا يحسبونه أياماً معدودات تمر بهم فلا تلبث ان تمضي كما تمضي سحابات الصيف .. وانما يعدونه عالماً سحرياً مضمخاً بعبق الأطايب من كل لون, ويحسبون كل يوم من أيامه القليلات دهراً يفيض بالمرح والنشوة .. ففي العيد يلبسون كل جديد من الرأس حتى القدمين .. وفيه تمتلئ الجيوب الخاوية بقطع النقود (العيدية) التي تحقق لهم ما تشتهي أنفسهم من صنوف الحلوى والكرزات والعنبة والبيض والشربت واللبلبي وركوب (المراجيح) والعربات التي تجرها الخيول بأنواعها .. فتراهم يمتطون ظهور الحمير الحساوية من منطقة الى أخرى بزهور ولا كزهور عنتر بن شداد ..!