بيان (2): عمان ـ هيام شرقاوي: تعتبر محمية ضانا القرية القديمة الأكثر توضيحا لنموذج الطراز المعماري القديم لما كانت عليه القرية الأردنية, في بداية القرن العشرين, تلك التي يتميز بناؤها بالحجارة والتبن والطين وخشب ، السنديان والبطم والبلوط والقصيب المتواجد على ضفاف أوديتها السحيقة, حيث تتمتع ضانا بوجود ذلك التنوع الحيواني والنباتي الفريد من خلال ازدحامها ببعض الحيوانات النادرة فيها مثل الثعلب البري وحيوان (البدن) اضافة إلى وجود تلك النباتات المتنوعة جدا والمستخدمة في أغلبها للعلاج الطبيعي. ان الناظر إلى طبيعة تلك المحمية الواقعة (جنوب الأردن) يجد انها ليست جامعة لذلك التنوع الحيواني والنباتي, وإنما تحتوي أيضا على تنوع في تضاريسها الطبيعية مثل الوديان والجبال والهضاب وينابيع الماء والشلالات حيث هناك نبع ماء دائم الجريان بمياهه النقية الذي لم تصل إليه يد التكنولوجيا والملوثات الكيماوية والبشرية ليبقى بحيويته رافدا للري والسقاية لأهلها, أما كرومها وبساتين التين والجوز فتزداد مع مطلع كل فجر شموخا وعطاء لتكون مصدر رزق لأهالي القرية منذ مئات السنين. إن قرية ضانا تعتبر الأم الحنون والولود التي أنجبت أجداداً وأبناء مدينة القادسية, وهي المدينة التي تتبع لها ضانا, والتي يفوق عدد سكانها اليوم 8 آلاف نسمة حيث هجرها سكانها ولم تبق منهم إلا عائلات قليلة عز عليها الفرق ونسيان ذكرياتها وأفراحها في مسقط رأسها ومكان ولادتها وتزاوجها, الأمر الذي أدى إلى ضرورة توفير ما يلزم من مصادر رزق لهؤلاء قرب أماكن سكناهم, وتزامن هذا الأمر مع تطلع المهتمين في الأردن إلى اعادة انعاش هذه المنطقة التي أصبحت فيما بعد محمية طبيعية, حيث عمدت المؤسسات المعنية الرسمية والخاصة إلى انشاء مشاريع انتاجية لتوفير الدعم المادي والمعنوي لأسر هذه المنطقة لتبقى بجانب بساتينها. ومن خلال زيارتك لمنطقة ضانا يمكن ان تشاهد عن قرب تلك المشاريع الصغيرة التي قامت على أيدي أهالي المنطقة مستخدمين تلك الثروة الطبيعية التي تملكها ضانا لتوسيع أبواب رزقهم. أول من ستلتقي به في محمية ضانا هي الحاجة نوفة التي يعرفها الجميع هنا وقد اشتهرت هذه الحاجة بجمع الفواكه من داخل ضانا لتصنع منها المربيات الطازجة والفواكه المجففة. إلا ان الأمر لم يقتصر على ما تفعله (نوفة) بل ان المشاريع الانتاجية تطورت بعد ذلك لتضم عددا كبيرا من فتيات القرية اللاتي كن على استعداد كامل للعمل في هذه المشاريع وقد فعلن, خاصة بعد افتتاح معمل تجفيف وتعليب الفواكه, اضافة إلى معمل الفضة حيث احتوت هذه المعامل عدداً كبيراً منهن, ويعود السبب في ذلك الاقبال الكبير من فتيات القرية على هذا العمل من أجل مساعدة أسرهن التي تعتمد بصورة كبيرة في عيشها على الموارد الطبيعية التي تحتويها ضانا, اضافة إلى رعي بعض قطعان الماشية. وتجدر الاشارة هنا إلى الصناعات التي اشتهرت بها ضانا بعد ذلك والتي أصبحت منذ وقت تتمثل بصنع أشكال الفضة المختلفة, من خلال الاختصاص بنقش الموجودات الطبيعية في ضانا مثل نقش رسومات الحيوانات وبعض أشكال النباتات المشهورة هناك. وفيما يتعلق بالاقبال السياحي على منطقة ضانا, يمكن القول انه مازال محدودا إلى حد كبير, وذلك على اعتبار ان ضانا ليست معروفة كثيراً لدى السياح القادمين من دول مختلفة مما جعل العدد المتوافد إليها من السياح قليلا, إلا ان وزارة السياحة وبالتعاون مع جمعية حماية الطبيعة ومحمية ضانا يعملون اليوم على ترويج هذه المحمية سياحيا بوسائل مختلفة على اعتبار انها من المناطق السياحية الهامة في الأردن والتي مازالت (عذراء) تحتاج إلى رعاية كافية. خلال زيارة السائح إلى محمية ضانا فإنه سيمارس بالضرورة مجموعة من الطقوس التي شكلتها طبيعة المنطقة أولا وثانيا رؤية ادارة المحمية لأفضل الوسائل والطرق التي تمكن السائح من الاضطلاع على المحمية, بالاضافة إلى التأكد من انه نال قسطا وافراً من البهجة والحياة المختلفة. في البداية سوف يضمن السائح في تلك المنطقة النائية عن المدنية مكانا للاقامة يسمى في محمية ضانا بيت الضيافة حيث بني على شكل فندق أفقي وليس عمودياً على طريقة البناء القديم لقرية ضانا من الخارج, أما الفندق من الداخل فيحظى بطبيعة حياة عصرية ضمنت الحداثة مع الأصالة. وينتقل السائح بعد ذلك إلى مخيم الرمان المرحلة التالية من برنامج رحلته السياحية في المحمية بعد الانتهاء من بيت الضيافة, حيث يتم نقل هؤلاء السياح إلى هذا المخيم عبر وسائط نقل قديمة نوعا ما تعبيرا عن أصالة المنطقة وهذا المخيم هو عبارة عن خيمة رئيسية كبيرة تحيط بها خيم بيضاء صغيرة الحجم تتسع لشخصين أو ثلاثة يتم استضافة السياح في هذه الخيم عدة أيام, أما التفاصيل الأخرى التي يمتاز بها مخيم ضانا فهي مجموعة من المرافق الصحية ذات الطابع الأثري من الخارج والحديث من الداخل وذلك كي لا يبعد السائح عن الجو العام للمنطقة. لكن أبناء ضانا يفضلون عدم اقبال السياح على هذه (لكن) المحمية بصورة كبيرة جدا, لكي لا يتأثر جمالها بذلك الازدحام وحتى لا يتعكر صفو تلك المنطقة الهادئة في النهار والليل حيث لا تسمع سوى أصوات الحيوانات وخرير المياه, إلا انهم في الوقت ذاته يدعون الجهات المعنية في الدولة إلى العمل على صيانة وترميـم بعــض بيـوتهــا وصيـانـة نبع الماء الذي يخـترق القريـة ويـروي الأشجار القديمة في منطقة الوادي والبساتين. يذكر ان الجمعية الملكية لحماية الطبيعة كانت قد أبدت الاهتمام بهذه القرية والمناطق الطبيعية المحيطة بها وشمولها بالعناية والاهتمام حيث تم اعادة رصف شوارعها بالحجارة وترميم بيوتها ومسجدها التاريخي القديم لتصبح هذه البقعة الفريدة نقطة جذب سياحية لما تتميز به من تنوع أثري وتراثي وتاريخي و طراز معماري أكسبها سمعة عالمية متميزة, وتبقى هذه القرية بعمق أصالتها وتاريخها المحفور على جدرانها وبسكانها الذين امتزجت حبات عرقهم بترابها تزخر بالعطاء وتدعو كل عاشق للطبيعة وجمالها لزيارتها.