بيان (2): يمتلك بريان بروبرتس خططا هائلة ورائعة لتطوير الضواحي الاسترالية. ففي مكان ما من الاراضي الممتدة والشاسعة في شمال غرب سيدني, يحلم بريان بتشييد محطات طاقة ضخمة تنتج ، مئات الميجاواطات من الكهرباء, وعلى الرغم من ان كل واحدة من هذه المحطات سوف تمتد لمسافة 28 كيلومترا, فمن المرجح الا يعارض سكان المنطقة تشييدها بالقرب من مناطق سكناهم, وفي الحقيقة لن يلاحظ وجودها اي شخص تقريبا. ويعمل بريان مهندسا في جامعة غرب سيدني. وقد حدد كيف يمكننا استخلاص الطاقة من الغلاف الجوي عبر سلسلة من الطواحين الهوائية التي تصدر ازيزا قويا اثناء دورانها, والمربوطة بحبال تمتد لمسافة 4 كيلومترات فوق سطح الارض. وفي هذا المكان تتدفق الأنهر الهوائية المسماة بالتيارات الجوية النفاثة, فوق سطح الارض. وبالمقارنة مع الريح المتقلبة التي تهب بهدوء قريبا من سطح الارض فإن الهواء في هذا المكان يبدو كالسيل الهادر الذي يتدفق بسرعة قصوى تصل الى 500 كيلومتر في الساعة! وتزيد الطاقة في التيارات الهوائية النفاثة بألف مرة عن تلك التي يمكن تجميعها حتى من اعتى الرياح في اعالي التلال. ويعترف بريان بأن تشغيل مزارع الرياح عند هذا الارتفاع الشاهق لن يكون هينا, لكن هذا اكثر من مجرد حلم في البرية. فقد بنى هو وفريقه وشغل عددا من الطواحين الهوائية الدوارة التي تعتبر تهجينا بين طائرة الهليوكبتر والطائرة الورقية. والآن وبعد ثلاثين عاما من البحوث, اصبح بريان جاهزا اخيرا لارسال اسطوله من الطواحين الى الاعالي. وكان بريان قد فكر في المرة الأولى بطاقة الرياح اثناء ازمة النفط في اواخر السبعينيات. وسرعان ما اردك ان الرياح القريبة من سطح الارض اضعف كثيرا من ان توفر موردا منتظما للطاقة. ويشير الى انه مع وجود الدوامات الهوائية والاحتكاك الارضي في ذلك المكان, فإن سطح الارض يعتبر اسوأ مكان لاقامة مزرعة للرياح فيه, وتمثل الحل الامثل بوضوح مولدات الطاقة في وسط التيارات الهوائية النفاثة التي تهب حول الكوكب بصورة متلاحقة يوما بعد يوم. وتهب هذه الرياح بصورة رئيسية عند ارتفاع يتراوح بين 8.12 كيلومترا فوق سطح الارض. وثمة نوعان رئيسيان من التيارات النفاثة الأول يتدفق سريعا بالقرب من القطبين الشمالي والجنوبي, والآخر يحوم حول الكرة الأرضية من الغرب الى الشرق عند ارتفاعات تتراوح درجة ميلانها بين 30 و 40 درجة شمال وجنوب خط الاستواء. وهذه تهب فوق الصين واليابان والولايات المتحدة في النصف الشمالي من الكرة الارضية وفوق جنوبي استراليا, وجنوب افريقيا والارجنتين في النصف الجنوبي. وتخزن التيارات النفاثة كميات هائلة من الطاقة. ويبلغ معدلها في سماء نيويورك على سبيل المثال نحو 17 كيلوواط لكل متر مربع هذا بالمقارنة مع4.0 كيلوواط لكل متر مربع قريبا من سطح الارض. وبكلمات اخرى فإن الطاقة المتوفرة في الاعالي تزيد بمئة مرة عن الطاقة التي يوفرها اي مصدر اخر للطاقة واحد افضل المواقع كما يشير بريان هو نيوساوث ويلز مما يجعل القارة الاسترالية محظوظة بدرجة كبيرة. وتتمثل العقبة الخفية بالدرجة الأولى في رفع هذه المعدات ونصبها في الجو اذ من المؤكد ان ايجاد منطاد ضخم يكفي لرفع مراوح قوية ومولدات للطاقة عدة كيلومترات في الفضاء سوف يكون مكلفا دون شك. ويتعين ان تكون الطائرات الورقية او اجهزة الانزلاق ضخمة الحجم ايضا. يقول بريان في هذا الصدد: لحمل توربينات تولد طاقة قدرها ميجاواط واحد, يتعين ان يضاهي حجمها طائرة جمبو نفاثة. لكن بريان ادرك ان بالامكان استخدام نوع من طائرات الهليوكبتر التي لا تعمل بالطاقة لكنها تركب الرياح وتستفيد من طاقته لرفعها كالطائرة الورقية وتدعى (الجايروميل) اي الطاحونة الدوارة. وبصورة مثالية يمكن استخدام آلة خفيفة لجسم هيكلي وطائرة سفلية صغيرة ذات ذيل صغير وجناحين متشابكين بشكل انسيابي. وكل هذه الاشياء مصنوعة من انابيب معدنية قوية. ويجب تركيب داسرة او مروحة ضخمة ومولد كهربائي عند طرفي الجناحين ونصب شفرات المروحة في زوايا مستقيمة. ومن اجل الحصول على اقصى القوة والبساطة يجب ان تكون المروحتان ذات انصال مفردة مع ثقل مضاد (انظر الشكل 2). واثناء دورانها توفر المراوح الدوارة طاقة رفع قوية تكفي لابقاء كافة هذه الاجهزة محمولة في الهواء. ولمنع تباعدها عن بعضها يجب ربط المراوح بالارض بمجموعة من الكابلات القوية. واثناء دورانها تولد طاقة قوية يمكن تمريرها عبر اسلاك موصلة للكهرباء من الالومنيوم توصل من الكوابل, الى محطة ارضية ومن ثم الى شبكة كهربائية حيث تقدر الطاقة المتولدة عنها بأكثر من 10 ميجاوطات. وبنى بريان طاحونته المعلقة الأولى في الثمانينيات واختبرها في نفق هوائي في جامعة سيدني. وعلى الرغم من الصناعة البدائية للطائرة فإنه كان موفقا في اختيار المولد الكهربائي الذي اقتبس تركيبه من المثقب الكهربائي وكان لدى المحركات طاقة قوية قياسا الى الوزن وانتج كل مولد عدة كيلوواطات من الكهرباء اثناء دوران المراوح. ونظرا لعدم وجود مورد مالي دائم, اضطر بريان الانتظار لسنوات اخرى قبل ان تتمكن طائرته الصغيرة من التحليق, وركب مع فريقه طاحونته الهوائية الضخمة على مقطورة مع زوج من المراوح التي يبلغ طولها 4 امتار وقادها باستخدام سيارته الى مطار مهجور. وسار بسيارته عبر المراوح جيئة وذهابا لمحاكاة الرياح القوية فارتفعت الآلة المربوطة نحو متر في الهواء. واثبتت هذه التجربة ان طاحونة هوائية بهذا الحجم قد تولد طاقة كافية للطيران وتوفر الكهرباء لكن بريان تعلم ايضا الكثير عن افتقار الطائرة للتوازن والثبات في الهواء. ونظراً لأن الآلة كانت تتأرجح بصورة غير متوقعة تعين على الباحثين تركيب دروع معدنية على مؤخرة السيارة لحماية انفسهم, وتمثلت الخطوة التالية باختبار هذه المزرعة الهوائية الأولية في جولبيرن بنيوساوث ويلز حيث تمكنت من التحليق الى ارتفاع 30 متراً. وعند هذه المرحلة قرر استخدام خمسة كوابل ربط للتحكم بالطاحونة الدوارة التي بدت كالطائرة الورقية. واجريت مزيد من التجارب في منتصف التسعينيات في جامعة غربي سيدني حيث عين بريان هناك كبروفسور في هندسة الميكانيكا الآلية. وركب مع طلابه جهاز جبروسكوب على الطائرة لتحديد الارتفاع وجهاز معالجة ذاتية, وبرنامج كمبيوتر للتحكم آليا بالارتفاع وبموضع الطاحونة الجوية المربوطة بالارض. واصبح لديه الآن قوة الرفع والطاقة والتحكم والثبات في الطائرة. ومنذ ذلك الحين ركز بريان على جعل تصاميمه تقسم بالكمال. وتحديد النسبة المثالية للطاقة الى الوزن, ووضع خطة عملية لاقناع شركات الطاقة بأن مشروعه ليس مجرد فطيرة محلقة في الهواء كما حلل فريقه معطيات الرياح لثلاثين عاما مضت بعد ان حصل عليها من مكتب الارصاد الجوية. وقد اظهرت هذه المعطيات ان طاقة التيارات الهوائية النفاثة في شمالي نيوساوث ويلز, تصل الى 19 كيلوواطا لكل متر مربع على ارتفاع 9 كيلومترات. لكنه ادرك ايضا بأنه للحصول على افضل النتائج من طواحينه الدوارة يتعين الا تحلق على ارتفاعات شاهقة جدا. اعتى الرياح تكون طاقة الرياح اقوى ما يمكن في بؤرة التيار النفاث وتتلاشى تدريجيا قرب سطح الارض. لكن استغلال طاقة الرياح في بؤرة التيار الهوائي تعني استخدام كوابل طويلة بصورة غير عملية من ناحية تكلفة التصنيع والصيانة. وبالنظر الى ذلك والى مصادر الطاقة المنافسة في استراليا, قدر بريان بأن افضل عائد من ناحة الاستثمار يتمثل بتحليق الطائرة عند ارتفاع نحو 5.4 كيلومتر. ويعتزم بريان ارسال اسطول من الاجهزة التي تولد طاقة قدرها 10 ميجاوطات مربوطة فوق حقل دائري يبلغ قطره 28 كيلومترامما سيوفر حيزا كافيا لابقاء الاجهزة متباعدة عن بعضها مسافة كيلومتر وهو هامش هبوط آمن في حالة الطوارئ. وفي الاسفل توجد اكشاك للصيانة ومحولات لايصال مولدات الكهرباء الطائرة بشبكة الكهرباء. وتضاهي مزرعة من الرياح مؤلفة من عشرة اجهزة نتاج محطة طاقة من الحجم المتوسط. كما ان ادارة مزرعة رياح عند هذا الارتفاع لها مزايا هامة. فالسكان الذين يقيمون بالقرب من هذا الموقع لا يسمعون هدير المراوح الضخمة وهي مشكلة رئيسية يعاني منها الناس في مزارع الرياح الحالية. واذا تعين نقل مزرعة الرياح الى اي مكان اخر لسبب او لآخر فمن السهولة بمكان نقل المنظومة بأكملها. واذا ما حاولنا تطبيق ذلك على محطة مطاقة تقليدية فسنجد ان مصاعب كثيرة تقف امامنا كحجر عثرة. وتتيح هذه السهولة في نقل مزرعة الرياح الجديدة تتبع التيار الهوائي النفاث اثناء تنقله من الشمال الى الجنوب خلال العام وبالامكان تركيب الاجهزة على قطار متجه بعيدا عن العمران. او جرها بواسطة سفينة مارة باتجاه جنوب اليابان لتوجيهها اسفل التيار النفاث بشكل دائم. وعلى الرغم من ان طاقة التيارات النفاثة لا تتطلب ان تكون الطواحين الهوائية ضخمة الحجم وثقيلة الوزن كحال توربينات الرياح الارضية. وتقام مزارع الرياح على سفوح التلال المكشوفة, او في الجزر وغالبا ما تتعرض لضربات الرياح العاتية مما يعرض اجهزتها الميكانيكية للاهتراء. لكن الرياح التي تهب على ارتفاعات شاهقة اكثر ثباتا وحتى عندما تكون هوجاء فبامكان المحطة ركوبها فترتفع وتهبط فيها كالطائرة الورقية بدل ان تقف امامها بصلابة. وهذه الحركة تقلل القوى المؤثرة على المراوح والاجهزة الميكانيكية الاخرى. ويؤكد الخبراء ان الاجهاد المعدني سوف يكون اقل تأثيرا لذا يعتقدون ان بالامكان صنع الطواحين الهوائية بصورة اخف واكثر واقعية من توربينات الرياح الارضية. وحتى عندما تحتاج توربينات الرياح لبعض الصيانة او تهددها رياح عاتية فبالامكان اعادتها الى الارض ومن ثم ارسالها الى الفضاء مرة اخرى بعد هدوء العاصفة. وبالامكان جعل المولدات الكهربائية تعمل بصورة معاكسة اي نقل طاقة خطوط الطاقة الام عبر الكابلات لادارة المراوح الموجودة في هذه المولدات. وقد اصبح بالامكان الان التحكم بالمحطة الهوائية بصورة شبيهة بالتحكم بالهليوكبتر الكهربائية. ويمكن استخدام هذه الوسيلة التحايلية ايضا لابقاء اسطول المحطات محلقا في الاعالي خلال الفترات الصغيرة من سكون الرياح كما في الفترات الطويلة والتي تمتد لثلاثين ساعة في الاسبوع في المتوسط, فيمكن انزال المحطات الهوائية على الارض. وعلى الرغم من الاحتمالات الواسعة لتوفر طاقة خضراء غير محددة صديقة للبيئة لا يبدو الجميع في استراليا قانعين بفكرة بريان, فعلى سبيل المثال قد لا تحظى اجهزته برضا الطيارين لأنها تتعدى على مجالهم الفضائي. وعلى الرغم من ان الارتفاع 5.4 كيلومترات اقل من الارتفاع التطوافي بالنسبة لطائرات الركاب النفاثة اعربت سلطة سلامة الطيران المدني عن قلقها من هذا المشروع. وبحسب التشريعات الحالية لا يسمح بتحليق الاجسام المربوطة لأكثر من مسافة 100 متر فوق مستوى سطح الارض دون الحصول على تصريح خاص بحيث يتم اضاءتها بصورة ملائمة حتى لا يرتطم بها اي جسم طائر. والمعروف ان استراليا واحدة من اكبر مصدري الفحم في العالم لذا يتوقع بريان بعض المعارضة لمشروعه من ارباب الصناعات الذين لهم مصلحة في الحفاظ على الوضع الراهن. وعبر السنوات جرى تمويل بحث بريان تدريجيا لكنه واجه صعوبات في الحصول على التأييد الكافي للحصول على حقل تجارب لطواحينه الهوائية الطائرة. فقد رفض مكتب البيت الاخضر الحكومي الاسترالي الذي يتعامل مع المسائل المتعلقة بالبيوت الزجاجية طلبه للحصول على منحة مشترطا في البداية تجهيز طائرة بالمعدات اللازمة. وعندما حصل على التمويل الكافي في نهاية الامر, تخيل بريان تصميم طائرة لها مراوح ضخمة يبلغ قطرها 35 مترا قادرة على انتاج 20 ميجاواطا من الكهرباء واقترح اجراء تجربة بالقرب من موقع اطلاق الصواريخ في وومبرا بجنوب استرالي حيث يحظر تحليق الطائرات. واذا ما نجحت التجربة فإن هذا النوع من الطائرات قد يزود مناطق شاسعة بالكهراباء. ولكن حتى لو سمح لبريان باختبار اجهزته في الاعالي, ثمة مشاكل اخرى قد تحطم احلامه. ويشير المسئولون الاستراليون الى وجود قانون بشأن الحد الاقصى من الطاقة التي يتم توليدها من المراوح الدوارة والأهم من ذلك هناك مسألة المصداقية بشأن نسبة تكاليف البناء الى النتائج وهي مسألة خاسرة قد تقضي على المشروع. وعلى الرغم من ذلك لايزال بريان واثقا من نجاح مشروعه. فقد انهى لتوه دراسة تحليلية بالنسبة لمزايا التكلفة, وتظهر هذه الدراسة بأن العائد الاستثماري بالنسبة لطاحونة الرياح التي تولد خمسين كيلوواطا من الكهرباء سوف يكون صغيرا اما الطاحونة الكبيرة فقد تسد نفقات تكلفتها في غضون سنوات قليلة. وبرغم ان الهدف الرئيسي لبريان هو استخدام الطواحين الهوائية المعلقة لتوليد الطاقة الكهربائية. فانها ما ان تصبح فعالة حتى يمكن تسخيرها كما يقول في مجال الاتصالات او عمليات الاستطلاع الجوي لأن لديها مدى رؤية واسعا لميل الى مئتي كيلومتر. ويمكن باستخدامها كذلك التخلص من 95 في المئة من ابراج الهواتف المتحركة في تلك المناطق. واذا ما نجحت التجارب على الارض فلماذا لا تنجح على الكواكب الاخرى؟ قدم بريان على هذا الاساس لوكالة الفضاء الامريكية (ناسا) اقتراحا يشير الى ان اجهزته سوف تكون ملائمة لحسب الطاقة من التيار الهوائي النفاث للمريخ خلال مهمة جوية لاستكشاف الكوكب الاحمر. وباكتمال معظم مشاريعه يركز بريان حاليا على اثبات ان مشروعه مربح ماديا.