بيان (2): لكن (زهير التايه) عاد في الليلة نفسها, قال: وهو يحتسي الشاي في مقهى نهاية الطرف: ـ عليكم وبسرعة ترك هذا المكان المريض, والرحيل بسرعة أكبر إلى حيث الهواء النقي لئلا يذبحكم البعوض والذباب وتسخر من عظامكم الجرذان والثعابين. في الصباح مات السيد حافظ, لا أحد يعلم كيف مات, لكنهم شيعوه إلى المقبرة وهم يذرفون الدموع على إمام الجامع الذي أحبوه يوم أخبرهم بما لا يعلمون, كان بين الناحبين عليه زهير التايه الذي تبرع لعائلته بألف دينار وهو يلطم على رأسه كما تفعل النساء. أهل تلك المحلة لا يملكون من حطام الدنيا غير الحطام, والبقاء في (القشلة) هو النجاة من الموت والفقر والجوع, ايجار البيت الواحد لا يزيد على دينارين, بينما الرحيل إلى العمران والرفاه والصحة يحتاج إلى عشرين دينارا أو تزيد. زهير التايه لا أحد يعرف عنه سوى انه مات سهوا منذ عامين و عاد إلى الحياة بعد نصف ساعة, قال بعدها ان الله (جل شأنه) أخبره بما ينطق الآن به, وان على أبناء هذه المحلة انقاذ أنفسهم من الموت, أما الفقر الذي يطاردهم فهو محض وقت سينتهي وتبتسم الحياة لهم بعد حين. كرسي للبيع, وحكاية في كتاب, غابة من الوسائد في طريقها إلى البيع, ليس المهم ان نغفو على حلم جميل, ينبغي الخلاص من هذا المأزق العنيف, يالها من صفة رذيلة ان تكون التالي وأنت الأول الذي يستحق الحياة, لا يأس ولا اعتراض على ما قاله زهير التايه, فهو وحده الذي مات وعاد إلى الشهيق. سافر محمود التايه شقيق ذاك الفتى العنيد ولم يعد إلى القشلة إلا بعد عشرة أعوام تبرأ من كلام أخيه, وقال بكثير من القسوة والحماقة: ـ أنا نفسي لا أصدق ما يقوله أخي, الفقر كافر, والجوع كذلك, لكن العقارب والجرذان في هذا الجزء من العالم لا يمكنها قتل أبرياء مثلكم. بعد شهرين من رجوعه إلى بغداد, مات محمود التايه مذبوحاً عند رأس البيوت برغم ان شقيقه زهير راحي يبكي طوال المساء, إلا ان القصابين وباعة الفلافل وسواق الشاحنات قالوا في مقهى المحلة: ان الذي قتل محمود هو نفسه الذي يحتاج إلى ثقة الناس وإيمانهم بما قاله زهير التايه. مات محمود التايه مقتولا, كما هو حال السيد حافظ الذي يحمل عادة نهج البلاغة بين يديه, لم ينتبه إلى حالة القتل الغامضة سوى الرجل الذي غسل الجسدين في المقبرة, وحده الذي رأي ذلك الجرح الخفي المدفون أسفل الرقبة. عنبر من الورد, تاج من الكلمات الحلوة, ودموع غزيرة على قبر(محمود التايه) ثمة رسالة قصيرة مهذبة, عافها (الميت) تحت وسادته, جاءت بها (حسنة) زوجة بائع (الدوندرمة) وأعطتها إلى مختار المحلة, راح يقرأ ما فيها أمام زبائن المقهى. أنا محمود التايه, أدري بأنني سأموت بعد أيام قليلة جدا, سأقول لكم (ان بعض الظن اثم) لكنني على يقين ان شقيق زهير لن يتركني بسلام, ذلك أنه يريد شراء هذا المكان كله, تلك كانت رغبته منذ عشرين سنة, وأنا وحدي الذي قلت له كلا, يريد ان يجعل من هذه المحلة... وليس من بقية للكلام, سقط الماء وعصير الطماطة على بقية المكتوب, لكن السطر الأخير في رسالته يقول: (لاأريد أن أفسر لكم البقية, أنتم أهل البيت وعليكم انقاذه بسرعة. انطفأت سجائر المدخنين, أصبح الدخان محض شيء يدور ويلتف حولهم, ليس من صوت سوى حنجرة المختار وهو يقول: ـ الأمر لكم يا أبناء القشلة.. لا أمر نملكه نحن أبناء (القشلة) غير ان نكون مأمورين, أسلاك تتساقط فوقنا, ضريح نمضي إليه بأنفسنا, نرجو من الله الرحمة والمغفرة والصحة والعافية, زرافات من البشر تذهب صوب النهر, تشعل الشموع, لمن؟ يا رب انقذنا من الحسرات واللوعة وأخطاء الأغنياء. رائحة الثوم تملأ المكان, شيء ما يضيء القلوب برغم كل ما جرى من موت في الطرقات, شيء خفي يضيء النفوس, يسري بين طيات الجلد, له لمعان الفضة ووهج الماس والذهب, زهير التايه لا يريد الشر بكم, انه منكم ومن أهل محلتكم, انه من (ممرات السادة الكرام) نسل الحسب والنسب هو واحد من أشهر أولاد القشلة ورجالاتها, عاش فيها سنوات الطفولة والصبا, وليس من المعقول ان يضربكم على جماجمكم ـ هكذا ـ مرة واحدة وينتهي منكم, وحده الذي مات ومضى إلى يوم الحساب, ثم عاد إليكم يحمل رسالة من السماء إلى المغفلين, والمذنبين منكم, انه الأب الروحي لكل واحد منكم, فماذا تنتظرون؟ ـ من رأى منكم زهير التايه وهو يموت؟ ـ لا أحد والله, كان بيننا في كل أيام السبت والجمعة والأحد. ـ وبقية الأيام؟ ـ كنا نريد القول انه دائما بيننا ولم يفارق المقهى أبدا, لا يوم الاثنين ولا الثلاثاء ولا الأربعاء. ـ هذا يعني انه مات يوم الخميس وعاد في لحظة من ساعات الفجر. قالت: حسنة زوجة بائع الدوندرمة وهي تشهق بالكلمات كمن يغرق: ـ أنا أراه كل خميس. قال شيخ من شيوخ التكية: ـ زهير التايه بالنسبة لي يشبه بيض اللقلق, ما ان أراه حتى يختفي فوراً.. قال آخر: ـ يا ناس, الخميس يجلس بيننا زهير, يقامر حتى منتصف الليل, انه يترك الدومينو إلى الورق ومنهما إلى الرهان على نساء الجيران, هذه ستوافق, تلك ستنتظر حتى تشبع من الهدايا. في رسالة ابن المحلة (محمود التايه) أكثر من ثلاثة أسرار, أولها: انه يتهم شقيقه مباشرة بالقتل, وثانيهما: هو يعرف حقا ما سيفعله زهير في تلك المحلة المريضة المنهكة والتي أراد لها ان تكون كما يريد, ربما قصراً أو سوقاً تجارياً لبضاعة تأتي إليه من وراء الحدود, وثالثهما: اعترافه الصريح بأنه سيموت حتماً بعد كتابته تلك الكلمات, ورابعاً: ـ وربما هي الحقيقة الأولى ـ أن شقيقه زهير التايه يخطط لهذا الحال منذ عشرين سنة, والحكاية كما نرى ليس محض رغبة عابرة, أو أمنية صغيرة جاءت عفواً على مخيلته, انه يريد ان يأخذ المحلة بما فيها من تأريخ وذكريات وبشر. القشلة حوت كبير يسبح بين السمك الكبير, والقطارات لا تمر من هنا طبعا, في طرقات الأمس شخصيات خطيرة مرت من هنا, خرجت من ثوب القشلة ومضت إلى أطراف الدنيا تزهو بالمجد والنياشين, انهم حيتان البيت الأول أصدقاء زهير التايه الذي يشعر بالندم حتما على انه لم يكن (بينهم) غير سمكة من النوع الصغير التافه. في (السردابوف) عثرت فاطمة زوجة صاحب البيت على صندوق صدئ عتيق لم يفتحه أحد من العائلة حتى حضور المختار, وهناك كانت المفاجأة الكبرى, لم يكن في ذلك الصندوق القميء سوى حفنة من النقود القديمة التي ما عاد من قيمة لها, ورسالة مبللة تحكي قصة لا معنى ـ أي معنى ـ لها, رمت فاطمة كل شيء أمام حضرة المختار وقالت: ـ هل الأمر بحاجة إلى أحد؟ قال المختار: ـ الحكاية تبدو غامضة, علينا ان نتركها للحكومة. قال شيخ من الحاضرين: ـ وما شأن الحكومة بأمر كهذا؟ ـ أجاب المختار: ـ الحكومة وحدها من يملك الحق في التاريخ والماضي والأخطاء, بعض التأريخ الذي لا نعرفه انما يباع بالملايين, والحكومة ـ كما تعلمون ـ هي التي تملك الحقوق كلها في البيع والشراء. نحن أولاد محلة (القشلة) طعم الهلاك والأمنيات معا, كبرنا منذ عشرة أعوام مضت, وصار الصبي منا في العشرين من العمر, مازلنا نطلق عليه (السردابوف) ذلك المكان المنسي المهمل في البيت اليهودي العتيق, أعني ذلك الجزء المعتم من ظلمة بغداد المنسية, زهير التايه لم يعد يسأل عما نريد, انه يفعل ما يشاء دون مشورة من أحد.. الأموال تصنع المعجزات, وقد هبطت عليه الدنانير دون حساب, ها هو ــ اليوم ــ يهدم البيوت والأزقة والممرات والمدارس (ايضاً) مع تعويض مضحك عن مئات الأمتار التي رماها خلف ظهره كما يتعامل المرء مع محلة مرهونة تقترب من الزوال ــ هل كنا محلة للرهائن فعلاً؟ ــ مكان للنزهة التعبانة, عيب, والله العظيم عيب, ولكن لمن سنقول ذلك؟ عاد مختار المحلة ــ وهو في السبعين من العمر ــ يفتش عن حقيقة ما جرى وقبل ان نسمع بما راح يفعله من أجل ان نبقى في القشلة, جاء من يخبرنا بموته تحت عجلات (الريم) في ساحة الوثبة, مات المختار بسرعة لا عقل في العالم يمكنه ان يصدقها ابداً.. قرأنا عليه الفاتحة, شاركنا فيها زهير التايه ــ أيضاً ــ وهو يبكي بحرقة, تماماً كما يبكي الانسان على عزيز عظيم, وعلى حين غفلة, اكتشفنا, جميعنا, نحن أبناء المحلة, ان البيوت لم تعد ملك اي واحد منا, وان علينا ان نغادرها في ظرف شهر واحد, وان لم نفعل, فهذا يعني البقاء مشردين في الشوارع والجوامع بين حرارة الصيف وزمهرير الشتاء. يالهذه القشلة التي غدروا بها, رائحة اللون لا رائحة لها, وطعم الذكريات صار محض طعم للكلام الزائد, الكلام المزور, الكلام المعسول, متى تجيء سنوات الحساب ولا مختار لهذه المحلة المنكوبة؟ حل الصمت في أرجاء القشلة, خذ, وانتظر, اسكت حتى نقرر من أنت, النهاية لا يمكن ان تكون هكذا.. ما عاد من معنى للكلمات, عرصم هو الباذنجان, والباذنجان ليس غير عرصم في الطرقات, قصور الملوك شاهقة اكثر مما ينبغي, وبيوت القشلة من طابق واحد يوشك ان يسقط فوق ساكنيه.. لا معنى للكلمات فعلاً, غرغل ــ كما يقال عنها ــ هي البيضة الفاسدة, والحياة في القشلة لم تعد غير غرغل فاسد منذ مئات السنين!. ما معنى كلمة (طولة البال)؟ تمهل, ومن أجل من؟ عتيق هو الأمس, وليس من أحد معتوق, لا حرية للعربيد اذا كان القاتل يملك السكين.. زهير التايه اراد ان يحقق الحلم الذي دام عشرين سنة, ومن اجل ذلك سوف يذبح العاصي والفقير وكل من يقول أو سيقول: كلا. من العيب ان يسكت أبناء القشلة, ذلك ان السكوت من الرضا, وان سكت المئات منهم فماذا سيفعل أبناء (باب السيف) ونساء (الفضل) وبنات (الطاطران) وجماهير (سينما الفردوس) اذا ما خرجوا دفعة واحدة وهم يصرخون: ــ القشلة قشلة الشعب, والشعب وحده من يملك الحق في ميراثها القديم.. الملك عقيم, والزبيب شراب ممتع, انه يشبه النبيذ الأسباني الذي يأتي (خفية) الى البيوت.. محمود التايه كتب الوصية ورماها تحت الضمائر, عساها تفعل شيئاً (أي شيء) لكن شقيقه العنيد تمكن ان يذبح الوصية ومن جاء بها ومن اراد ان يبثها وينشرها بين أهل القشلة, اللعبة الذكية لا يلعبها غير شخص واحد, والخراب انما يأتي من خراب سابق.. يالطعم الزبيب العراقي الذي انتشر بين البيوت, كل واحد يحتسيه يقول ما قال شاربه الأول: ان القشلة ليست محض خروف يذبح, القشلة بيت اصيل, وعليها ان تبقى حتى يأذن الله بنهاية اطرافها وعمودها الفقري. في ذلك المساء الغرائبي المبهم, جلس (زهير التايه) في مكان السيد (المؤذن) في جامع (الشيخ صندل) ونظر الى جمهور (الطلاسم) وهو يحرك يديه شمالاً وشرقاً, لم يتحرك اكثر من حركة مضحكة واحدة أراد بعدها ان يقول: ــ يا سادة يا كرام, ان طين الحكمة الذي جاء به ابونا (آدم) منذ سالف الزمان.. أخبرنا منذ الأزل ان نصدق قول القضاة والحكماء والشرفاء من البشر, وقد جئتكم اليوم حتى اخبركم ان ارض القشلة لم تعد صالحة للعيش, فهي مزحومة بالعقارب والثعابين والجرذان والقمل والبعوض والذباب, وكلها ستأخذكم الى الموت في أقرب ساعة من حياتكم العزيزة علينا, لهذا يا سادة يا أحبة يا كرام, قررنا تعويض كل واحد منكم بما يستحقه المنزل الذي هو فيه من مال واعتبار حتى ينقل نفسه وعائلته الى بيوت الرحمة والهواء النقي في أطراف بغداد الكبرى. بعد صمت عميق, ما من احد فتح فمه, ما من أحد أخذ شهيقاً اكثر مما يجب, عاد زهير التايه ليقول: ــ الحياة يا سادتي تستحق ان نحيا من أجل ان نرى ما سيأتي منها وما سيأتي بعدها, وانا شخصياً لا أريد ان يموت اي واحد منكم.. انتم اهلي واصدقائي وعائلتي, انتم شرفي وضميري وقد رأيت من الحق ان اخبركم بهذه الحقيقة لئلا نخسركم أيها الأحبة. من العيب ان تحكم العيوب علينا, السامر في المسامرة ليس غير سمير مخبول, لا احد يدري من الذي قال بصوت عنيد عنيف قوي جارح: ــ اتركنا يا زهير التايه, نحن نعرف أين مصيرنا وكيف نموت.. لم يعرف أي واحد من الجماهير ملامح ذلك الرجل الذي لم يقل غير تلك الكلمات, لكن أهل القشلة تركوا المكان بسرعة, ولم يعد من أحد يسمع ما يقال, برغم ان زهير التايه اراد اكثر من مرة اعادة الشمل امام عينيه, لكن الجماهير تسربت وتسللت في الأزقة والممرات حتى اختفى الجميع في لمح البصر.. راح واحد منهم يهذي بصوت متكسر: ــ عليكم الرجوع الى التأريخ فهو الحاكم الوحيد في لعبة جر الحبل.. الظنون كلها تقول, ان زهير التايه لم يستطع (بلع) تلك الاهانة, وانه وحده المسئول عن (قتل) ذلك الرجل المخبول. ساعة للبكاء, لا تكفي طبعاً, البيوت التي دامت تحت أقدام أهلها ما يربو على أربعين سنة, لابد من ردم ذكرياتها وترك أبوابها ونسيان زيجاتها ومن مات فيها.. لا عزاء للجبناء في ممرات (السراي الكبير) ولا عزاء للعشاق في شارع المتنبي, لا عزاء للقراء ما بين غرب المكان وجنوبه الشقي.. هكذا يفتح (الدب) فكيه ليبتسم, لعنة الله على دب اسود لا تعرفه بقية الدببة. محمود التايه ترك الدنيا وما فيها, مات من فرط السعادة (وحده الذي تمكن ان ينطق بالكلام السليم) ها هي الكتب المفرطة بالمجد والخلفاء والساسة والسلاطين والأمراء والفاتحين تزاحم أرصفة السراي والرشيد والمتنبي, لا مكان بعد اليوم للحكمة والأرض والفلسفة, لا احد يعطي دنانيره من أجل كتاب عن العشب والأمطار والنكبات والحروب القصيرة.. يالجمال هذه الكارثة الحلوة, من يصدق ان الكتب العظيمة لم تعد غير ديكور في بيوت المرابين والتجار وباعة السجائر وشرطة آخر الليل وهي تأخذ ما تشاء بدون حساب؟ أبناء محلة (القشلة) هم رجال الخوص, رصاصة وقبر مهمل, ينتقلون من باب المقهى الى باب المئذنة, ومن باب البيت الى باب الله, الشاي قرب اليدين والخبز رخيص جداً, كذلك الحليب (كل شيء من اجل المعركة) ومن اجل ان نحارب نسينا طعم الحمص واللحمة والأحلام والزبدة والبسكولاته, بل نسينا ــ الى الابد ــ طعم البقلاوة والبالوتة وبيض اللقلق وعصير العنب.. نسينا طعم الزوجة في الفراش, وطعم الورق عند الكتابة, لم نعد نفهم الفرق بين الصباح والمصباح, ولا الفرق بين السمير والمسمار, يا سلام, ترى ما هو الخط الفاصل بين الشط والمشتط, وما هو الجامع بين السقالة والساقي؟ لم نعد نلتفت الى الكلمات الخطيرة في الخطابات الرسمية المحترمة, ذلك انها اكثر احتراماً من شهيقنا الضعيف, لا شيء يهمنا ونحن نجلس في باطن (السردابوف) غير ما يقوله زهير التايه عن مصيرنا المحتوم الذي سيقرره بعد شهر واحد, هل سنبقى في القشلة (وهذا هو المستحيل) ام سنمضي الى أطراف بغداد الكبرى نتوزع مثل الخراف بين العامرية وحي الجهاد وحي الفرات والميكانيك؟ لكننا والله ــ نحن أبناء بغداد القديمة ــ لا نريد ان نمضي الى هناك, يكفينا العذاب الجميل الذي نعيش فيه, فما جدوى ان نتوزع بين السوجر والشرنب والشعلة؟ وما نفع ان نمد اصابعنا حتى نفتح بها ابوابنا الغريبة في شربالة وكسرة وعطش ونجلس في مقهى (شربط) الذي لا يعرفنا فيه حتى صاحبه (شربوت)؟ صار الجنون سيدنا, اذ لم يبق من الوقت غير اسبوع واحد, ورجال الشرطة تستعد لرمي (تأريخنا) الى الطرقات صار الجنون هو السيد الوحيد بيننا, ضفدع ملثم هنا ينافس ضابطاً في الطريق, الصبي المخبول (بصفارته المعوجة) اصر على الصرير وهو يضرب ثلاثة من رجال الشرطة عند نهاية الزقاق.. شقلاوة تخلت عن شقاوتنا, لم يعد من حاكم يحكمها سوى الله والطبيعة, لم يعد للكلمات من معنى, ضاع العقل في الزوايا وعند غرين النهر, سرسوب مات من الحسرة, بينما راح سخلاط الى النمسا دون ان يمسه الضرر, لا احد يسقي البستان بعد ان عافته سورنجان ومضت الى بيت عشيقها في بيخال السوط لا يشبه الصوت, لابد للقتيل من قاتل (هل يحتاج الامر الى تفسير؟) كيف اجتمع الماريشال الطيب تيتو بالسيد (المذبوح) كيندي؟ الحياة محض جنون على باب شاسع لجنون اكبر اذا ما فتحته على ساقيه سترى ميداناً هائلاً من الجنون.. ومحلة القشلة ــ قبل اسبوع من ذلك الانذار المرعب الوقح ــ صارت منطقة اشباح ومجانين وفلاسفة, ذلك ان السهل لا يشبه السهم, هذا يتساهل في السقوط وذاك لا يسقط الا ليقتل, السنطور لا يشبه الطائر المغرد والسندباد لا شأن له بالسندان, الجنون فنون, هذا ما أراد ان يقوله (زهير التايه), وهو يضرب ألف عصفور من أهل القشلة بحجر واحد. قال زهير التايه: ــ هناك مشروع عظيم, من اجله قد يموت المئات من البشر, او ربما لم تصنع مجدها من العواطف الرخيصة ولا من الرحمة او الشفقة, من يريد المجد عليه ان يفهم كيف تأتي الحضارة ومن تهمه الحضارة وحده الذي يفهم معنى المجد, تاريخنا الخطأ الأول, هو نفسه تأريخ التصحيح الأول في حياة البشر والبشر على انواع, رخيص, وسوي, ومتألق, ونحن نبحث عن الصنف الثالث, النوع السامي الذي يرفض ان ينام كما تفعل الحثالى من البشر.. اسمعوني يا أهل القشلة, انتم اعرف مني بتأريخ هذا المكان العتيق, انه محض سراديب محشوة بالرطوبة والحشرات والخفافيش وليس من أمل في الحياة اذا كان الثعبان هو الزائر الوحيد في تلك البقع المبللة وهي تفرز الروائح العفنة وفضلات الجرذان وما يتبقى من فتات الحيطان وهي توشك ان تسقط عليكم بين لحظة واخرى. لم يبق من الانذار سوى اربعة ايام فقط, هاجر من هاجر, وبكى على نفسه من بكى, لم يعد من شيء يستحق النحيب عليه سوى حفنة ذكريات قتلوها قبل ان تتكرر على مخيلة الناس في طرقات القشلة, ابتسم زهير التايه وهو يرى نصف أبناء المحلة وقد غادروها فعلاً بعد ذاك التعويض المضحك الذي (تكرم) به وأعطاه امام المختار الثاني وبقية زبائن المقهى, تعمد ان يعطي آلاف الدنانير امام الموظفين والفقراء من أهل القشلة يتضورون جوعاً, وهم ينظرون الى دنانير زهير التايه تسقط على المهاجرين دون حساب. طفل منسي يسكن اهله في أول الزقاق, رأى زهير التايه وهو يقدم ولائم النقود الى ابناء محلته, لم يتمكن من الصمت اكثر من نصف ساعة, اذابه ــ وقد مسه الاحساس بالضر ــ يصرخ وراء جمهرة من النساء: ــ يسقط زهير التايه سارق الفقراء. ثم كررها بصوت لا طفولة فيه, أعني كررها فورا وبسرعة: ــ اهتفوا معي بسقوط هذا المسعور الذي يأخذ بيت أبي وأمي و... بيوتكم. ولما سكت العالم كله حول ذاك الطفل الرهيب, أحسّ ــ فورا ــ ان الجبناء في الدنيا اكثر مما يجب, لهذا راح يمسك اطراف (دشداشته) بين فكيه وولى هاربا, ولم يره احد بعد ذلك مطلقا. ابتسم زهير التايه, اراد ان يغطي على جحيم الغضب الذي راح يسري في دمه ــ اثر كلام الطفل العجيب ــ لكنه ابدا ما تمكن من ذلك, لهذا قال بشيء من الجزع: ــ سنأتي غدا صباحا حتى نعطي بقية اهل المحلة ما يستحقون من مال وعطاء. بالنسبة لي يا أبناء القشلة انا زهير التايه قررت ان اعطيكم بعض الهدايا مع ما تستحقونه ــ اصلا ــ من تعويض عن منازلكم المهدمة هذه. عندها, ربما, انقلب شكل الصورة الى جانب غامض لا يشبه ما كانت عليه منذ شهور, اذ تقدم شيخ في الثمانين من زهير التايه, بقي الشيخ امام الحشد ساكتا دون كلام... ولما أحس ان الدنيا بأسرها تنتظر ما يريد ان يفعله, اذا به يبصق في وجه زهير التايه, مرة لا اظن ذلك, انه يبصق مرتين, شكل الصورة لم يعد ابدا كما كان منذ ساعتين, اذ راحت النسوة تبصق, وكذلك خباز القشلة, وباعة الكتب القديمة, وحارس محكمة القشلة, والعابرون من البشر, ربما بصق عليه حتى حارسه الذي يمشي لصق حذائه بعد ان رأى الناس تحكم ولا تحاكم... هرب الحارس تاركا زهير التايه لمصير لم يعرفه احد حتى صباح اليوم التالي. في صباح يوم الجمعة المقدس, رأى صاحب (كعك السيد) اربعة من القتلى, لا احد يعرف هوية اي واحد منهم, فتح دكانه (تحت حالة من الرعب والضجر) رفع التليفون وقال ان الشارع مزحوم بالقتلى. كان الحارس الشخصي لزهير التايه, أول المذبوحين, ثم الطفل المنسي الذي لا يعرف اسمه سوى الشحاذين, قالوا: انه سالم عبدالستار... ابن الرجل الذي قتلوه منذ خمسة اعوام عندما اراد الاعتراض على المجاري, وكيف ان امانة العاصمة لم تعد تلتفت الى فقراء القشلة... اما القتيل الثالث فهو خباز المحلة الشهير الذي تورط ــ بسبب الحماس ــ وراح يبصق فوق رأس (التايه) حتى اغرقه برائحة الثوم والطحين والعرق الزحلاوي المغمس بالحسرات... أما رابع القتلى, فهو حارس المحكمة الشرعية الذي راح يبصق على ثياب زهير التايه وهو مطمئن الى ان (كل شيء) قد انتهى وان هذا الرجل في طريقه الى الزوال... ليس من خطأ بعد اليوم, ليس من يوم مضيء بعد هذا الخطأ العظيم, ربما كانت تلك آخر جلسة في مقهى نهاية الطرف التي حملت الضوء والشجاعة: ــ المهم أيها السادة, نريد من يثبت لنا بالدليل الحاسم ان هذا الزهير التايه مات فعلا ثم عاد الى الحياة. قال صاحب المقهى: ــ وماذا يعني ذلك؟ قال ابن المختار السابق: ــ القصة كما لا تعرفون, تعتمد على اكذوبة كبيرة, هي ان التايه مات وعاد الى الحياة وانه يحمل رسالة من السماء. ــ هكذا مرة واحدة... رسالة من السماء؟ ــ كل ما يفعله اليوم بنا, هو بعض ما يقوله عن رسالة السماء التي جاء بها بعد موته ثم عودته الى الحياة. عاد صاحب المقهى ليقول: ــ يا جماعة, الكل يعرف ان زهير التايه لا يفارق المقهى ولا الزقاق, وانه مجرد مقامر عادي لا تفوته جلسة واحدة من جلسات المتعة والفرفشة. ــ وماذا يعني لأهل القشلة ان نعلم بذلك وهو يصوم ويصلي امامهم, بل يتبرع بالمال وهو يمسك مسبحته ويحكي معها كما يفعل المتصوفة من الناس؟ ــ يا جماعة, يبدو ان بيوت الله صارت مجرد (لعبة) لهذا النوع من البشر, ترى كيف يسمح سبحانه وتعالى ان نموت تحت احذية هذا النوع من الكفرة والكذابين؟ كان المقهى أول مكان هدمه زهير التايه في حملته الكبرى, ذلك ان الجبابرة لا يعبرون النهر مرتين, الفقراء وحدهم من يقرأ التأريخ بالمقلوب... النساء لا مهمة لهن سوى الطبخ والسكوت, اما الرجال فقد انتهت أعمالهم عند الظهيرة, لا أحد يصدق ان (السردابوف) مجرد مكان مهمل داخل منطقة مهملة, وان أهل الزقاق انما يكررون القول مرتين حتى يصدق كل واحد منهم ان ما تبقى سيبقى. لم يعد من أحد يسكن المحلة سوى الطيور وقلة من الصبية الملوثين بالحنين الى منازل الطفولة... راح القصر يمتد ويمتد ويمتد, انه يزحف فوق المدارس والممرات والحدائق والأسرار القديمة, لا أحد من أهل المحلة يسأل عما جرى, أخذ القصر كل شيء من ذكرياتهم وماضيهم, صار يمتد ويمتد ويمتد, نصف من يعمل فيه كانوا من أهل محلة القشلة انفسهم, وهو يمتد ويمتد على عروقهم وضمائرهم, يكبر ويكبر وهم يصغرون أمام شموخه وطوله وجبروته البهي. زهير التايه يبتسم, وهو يوزع الهدايا والأموال على من تبقى من أهل المحلة, والقصر ــ قصره ــ يمتد ويطول ويترفع... أهل القشلة فخورون بما أنجزوه, انهم, مع أولادهم وأحفادهم تمكنوا من بناء قصر عظيم كهذا... بينما زهير التايه ــ ودون ان يصدق اي واحد من اهل القشلة ــ يمضي بنفسه, يوما بعد يوم, ربما ساعة اثر ساعة, وهو يذبح بعض البنائين من أهل القشلة, لئلا يتذكروا ــ أبدا ــ اسرار هذا البيت الشامخ المهيب. عندما أزف الوقت لفتح أبواب القصر والاحتفاء بعمرانه الصارخ الاستثنائي المذهل, تأكد زهير التايه: ان اسرار القصر كلها انما بقيت بين يديه, لا أحد يدري كيف المرور اليه من شعابه وزواياه وخصاصه وخباياه, ما دام كل فرد كان يعمل فيه صار محض رصاصة وقبر مهمل في تراب العراق. برغم كل ما جرى, لم يزل هناك من يختفي عند زاوية القصر, ربما طفل أو شيخ أو شاب أو رجل يحمل سكينا وهو ينتظر مرور زهير التايه من أمام عينيه... لابد من عود كبريت واحد في كل زمان وفي كل مكان, حتى يحترق (الخطأ) ويمضي الى بحيرة الدخان. ربما لهذا السبب صار (الانتظار) هو المهنة الأولى في حياة من بقي حيا من أبناء القشلة.