بيان (2): لم يتغير المكان كثيرا, الارصفة, الابنية, الشوارع, المقاهي, المحال التجارية, المطاعم, الوجوه الضاحكة والعابسة, العيون المحدقة والحالمة, تداخل زحمة الناس وزحمة السيارات. الضجيج اليومي للمدينة نفسه لم يتغير.. كل شيء يوحي بالحياة والاستمرار. وما إننا دخلنا في عام جديد وفي سؤال آخر وحلم اخر. تفرّ الايام مسرعة نحو عصر جديد, نحاول التقاط اللحظة. ما الذي حصل؟ اين مدينتنا التي كانت تأخذنا من يدنا الى حيث نشاء؟ لا شيء يشبه شيئا مع ان المكان لم يتغير كثيرا! ما الذي استفزني لأرسم هذه الكلمات بعد ان ارتحلت اللحظة وظننتها بلا رجعة؟ ربما صديقي آخر الحالمين هو مصدر الاستفزاز.. تائه يبحث عن اميرته المنشودة بين ركام الاحلام المتناثرة, يلملم اشلاء القضايا الكبرى عن ارصفة حفريات عصر العدالة والحرية. افكار عتيقة شبّ عليها, ودغدغت مخيلة الصبا, بحث عن وعاء يضع فيه احلامه, فلم يعثر الا على مدن الجن والملائكة, لم يعلن هزيمته بعد. اذ اعاد صياغة صورة حبيبته وصورة الوطن, توغل مجددا في المشهد, يحمل في يده قنديله, وفي قلبه عشقه القاتل, وفي عقله قلقه الدائم الحالم الشديد الرومانسية, ويقترب شيئاً فشيئاً من السؤال البريء: ما هو المجدي في الحياة؟ كيف لا يوجد متسع في هذا العالم لحلمه؟ اهدأ قليلا يا صاحبي.. وتأمّل ما يجري حولنا وفينا, تعال نوفّق بين شروق الشمس وغروبها.. (توليفة) على (الموضة). انه منطق العصر الموعود. مرة شاهدت احدهم فرّ منه الحلم, رحل عن مدينته لأنها اصبحت بلا روح, يجلس على شاطئ البحر, ينظر الى الافق البعيد (يدندن) بعض الكلمات التي لا افهمها. اسأله: كيف امكنك ان تترك حبيبتك وحيدة. الا ترى بأن الغربة قاتلة, والوحدة قاسية, والشوق مضن. يبتسم الرجل بهدوء ويأتيني الجواب: لقد علمتني الحياة ان اضحك عليها حتى لا اهان, مازالت هذه الكلمات حاضرة في ذاكرتي. لا مكان على هذه الارض لأمراء الاحلام. لقد تعبت كثيرا من البحث تحت الشمس, اذ لم اعثر الا على سراب. لا اخفيك يا صاحبي بأني استحسنت الفكرة ووجدت فيها ضالتي, لقد خسرنا معركتنا الكبرى, لنتراجع خطوة الى ذاتنا ونتحصن داخلها حتى لا يسقط الموقع الاخير ونخسر الحرب. لكن دبيب القلق يدوي صباحا ومساء. ومرة جديدة تتدافع الافكار في الرأس متلاطمة كموج البحر الهادر, ولابد من مخرج لائق لهذا القلق, والنهوض مجددا لتجديد الفكر ومعاودة الحلم. كم انت عنيد ايها الامير تتشدد في زمن المرونة.. لقد تغيّرت الايام.. اغمد سيفك المشهور. لقد انتهى زمن حملة القضايا ولم يبق الا الهامشيون. اخلع عنك رداء الافكار العتيقة, وادخل الى العالم الجديد, عالم السهل الممتنع, وآخر انجازاته آلة حديثة (تبرمج) احلاما لكل الايام والفصول من مختلف المقاسات والاحجام, حلم للصيف وحلم للضيف وحلم لغدر الزمن, لا تتلكأ والا فاتك القطار. اترك اشلاء احلامك على ارصفة المحطات, ربما يأتي جيل بعدنا يلملم حلمك من جديد. تحضرني تلك التداعيات, في الامسيات الغابرة, حيث نروي وننسج حكايات وردية عن الوطن والمرأة.. عجبا يا صديقي هذا (الهذيان).. الا ترى بأن وطننا بات بحجم الشركة, وامرأتك ذات الوجه الباريسي تلبس اقنعة المدينة, وحبيبتك المنشودة رحلت مع الطيور المهاجرة. نسمع اغنية (يا علي) ونوغل في البحث عن ارض لرأس طليق ويدين حرتين.. نصدّق ما تردده الاغنية وما يصوغه الشعراء نبني حلما من وهم, نعود مجددا الى حقيقتنا.. فلا نجد شيئا.. فر الحلم وبقي الوهم. تاهت الكلمات من القصيدة, وظل الواقع كما هو (فاقع) الوضوح.. اراك هائما في المكان الذي يشبه كل الامكنة الا نفسه افرح لرؤياك, فارد التحية بمثلها.. اسألك عن الحال والاحوال.. (لا بأس ماشي الحال) ادعوك لتناول القهوة.. تعتذر. انظر الى عينيك الحائرتين ترتسم عليها اسئلة بلا اجوبة. ثم استدرك مجددا.. تعال نمارس طقسا قديما, ونتناول القهوة في المقهى المقابل.. تعتذر مجددا: اني على عجلة.. استودعك واتابع السير شاردا, لقد تغير كل شيء. لا ادري اكتب عنك او عني. لكن يا صديقي ربما في مكان ما من هذا العالم سوف نجد رقعة من جلد ثور نبني عليها امارة احلامنا. فلنتابع البحث مجددا.