لكل امة من الامم منهج تسير عليه في حياتها لتربية افرادها, وهذا المنهج اما ان يكون مستمدا من وحي الهي او من اعراف وتقاليد, ومنهج التربية في الاسلام مستمد من الشريعة الاسلامية ومن تطبيقاتها في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي مدرسة الصحابة والتابعين والسلف الصالح, حيث تركوا للامة ميراثا يرسم لها الحياة الكريمة افرادا وجماعات, وادب التربية لابد ان تكون مفاهيمه خاضعة لأوامر الشرع ونواهيه ويقوم كذلك على مبدأ الاعتدال وعدم الشطط او الافراط او التفريط, كما اراد الله سبحانه وتعالى للامة الاسلامية ان تكون امة وسطا ولذا فقد استطاعت ان تخضع شعوب الارض بحضارتها المختلفة لمفاهيمها السمحة السهلة البعيدة عن التعقيد والالتواء ولمبدأ المساواة في العمل. وقد راعى الدكتور احمد محمد نور سيف مدير عام دار البحوث بدبي هذه المفاهيم ويلحظ القارىء من خلال البحث الذي قام به والذي يحمل عنوان (من ادب المحدثين في التربية والتعليم) أثار تلك الاداب في تهذيب النفوس وتعويدها العادات الحسنة والاخلاق الحميدة ويدرك الاساس الذي قام عليه صرح الحضارة الاسلامية. وتم تقديم هذا البحث القيم في اربع حلقات: الحلقة الاولى: في أداب المتعلم, والحلقة الثانية: في رسالة المصلح, والحلقة الثالثة: في وسائل التعليم, والحلقة الرابعة: في آداب مجالس العلم. ويقول الدكتور احمد نور سيف ان علماء الاسلام بعامة والمحدثين بخاصة تنبهوا الى اهمية الادب في التربية واولوا ذلك عناية خاصة جعلتهم يستشعرون ضرورة الالتزام بهذا المبدأ في حركات طالب العلم وسكناته. ورسم المحدثون لطالب الحديث منهجا يسير عليه في حياته الخاصة والعامة ومع من يتعامل معهم من طبقات الناس ولهذا الغرض, افردوا علما من علوم الحديث في كتبهم يتناول (اداب طالب الحديث) وافرد له البعض مصنفا مستقلا كما فعل الخطيب البغدادي في كتابه (اخلاق الراوي وآداب السامع) وكذلك فعل المصنفون في تأليف السنن النبوية فخصصوا كتابا للادب في مصنفاتهم او افردوه بكتاب مستقل كما فعل البخاري رحمه الله في كتابه (الادب المفرد). ويقول الدكتور احمد نور سيف ان مباحث هذا العلم تدور حول المنهج الذي يجب ان يلتزم به طالب الحديث في كل عملية تعليمية سواء كانت وسيلة او اداة او طريقة او غاية, وماذا يجب على طالب الحديث ان يأخذ به نفسه, من التحلي بأجمل الاخلاق والاداب وما يجب عليه ان يترفع عنه من سيىء التصرف او ما ينفر من قبيح العادات, او يكون مدعاة للسخرية والاستخفاف, ولذا لم يتركوا امرا إلا ونبهوا الطالب الى ما ينبغي ان يسير عليه فيه, في حرصه على طلب العلم وملاحظة اخلاص النية في التوجه, وما يراعى في الاهتمام بالوقت وعدم تضييعه, وفي أدب الخروج من بيته, وما يراعيه في استئذانه ودخوله على شيخه, وما يجب عليه من حق الاجلال والتكريم وما يستتبع ذلك من حسن تصرف في ادب السؤال والاستماع والقراءة والتدوين, وما يراعيه في هذا التدوين من التزام بالاصول المعبرة عند المحدثين. السيد الطنطاوي