وبعد ان تذوق المسلم حلاوة العبادة في شهر رمضان واستمتع بثمرات الصوم في جسمه وروحه الا ينقطع عن ممارسة العبادة تطوعا بعد انقضاء رمضان لان صيام التطوع يدل على قوة الاخلاص في العبادة لله تبارك وتعالى، وهو من النوافل التي قال عنها ــ سبحانه ــ في حديثه القدسي: (ومايزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى احبه فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ولئن سألني لأجيبنه ولئن استعان بي لأعيننه). ذلك لان النوافل وهي العبادات غير المفروضة انما يكون الدافع اليها شدة الرغبة في الاقبال على الله والاستزادة من فضله ورضوانه واداء حق الشكر على نعمه وآلائه ولهذا تبلغ بصاحبها مقام الحب الالهي وما يفيضه على المؤمن من انوار الهداية ومنح العناية واول ما يلحق برمضان من هذه النوافل صيام ستة ايام من شوال وعن ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان ثم اتبعه ستا من شوال فذاك صيام الدهر), اي كأنه صام العام كله يفسر ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (من صام رمضان وستة ايام بعد الفطر كان تمام السنة من جاء بالحسنة فله عشر امثالها) ذلك ان كل يوم من ايام رمضان يعدل صيام عشرة ايام فالشهر يعدل ثلثمئة يوم وستة من شوال تعطي في ميزان الله صيام ستين يوما فتلك ايام العام كله, ثلاثمئة وستون. وان في صيام ستة ايام من شوال لحكمة جليلة انه امتداد لاسلوب العبادة الذي ألفه الصائم في رمضان لفترة يندرج فيها بين الصيام المستمر لمدة ثلاثين يوما وبين الافطار بقية العام. وقيام الليل من اعظم القربات الى الله ولقد وصف الله تعالى عباد الرحمن الذين كرمهم بأن نسبهم الى نفسه فقال مما وصفهم به: (والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما), وقال تعالى في وصف المؤمنين: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون) وقيل في تفسير قوله تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة) استعينوا بصلاة الليل على مجاهدة النفس ومصابرة العدو وقال تعالى لرسوله الكريم بعد ان انزل عليه الوحي ليهيئه لحمل تبعات الرسالة: (يا ايها المزمل قم الليل الا قليلا نصفه او انقص منه قليلا او زد عليه ورتل القرآن ترتيلا انا سنلقي عليك قولا ثقيلا ان ناشئة الليل هي اشد وطأ واقوم قيلا ان لك في النهار سبحا طويلا واذكر اسم ربك وتبتل اليه تبتيلا). وفي فضل قيام الليل يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: افضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل). ففي الليل تصفو النفوس من مشاغل الحياة فيكون اقبالها خالصا على الله, انها لتجد في ظلام الليل نور الله يتجلى على عباده فتطيب القلوب بمناجاته وتشرق الوجوه باجتلاء آياته. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان من الليل ساعة لايوافقها عبد مسلم يسأل الله تعالى فيها خيرا من امر الدنيا والآخرة الا اعطاه الله اياه وذلك كل ليلة) فما اجمل ان يتوجه الانسان الى الله بالدعاء في جوف الليل وقد هجعت القلوب ونامت العيون ان الدعاء عبادة وهو مخ العبادة كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالليل احرى بالاجابة والقبول حيث يكون الانسان قريبا من رحمة ربه التي يتجلى بها على عباده. كما ان تلاوة القرآن الكريم آناء الليل واطراف النهار والاستماع اليه وتدبر معانيه وتمثلها في القول والعمل افضل انواع الذكر واعمقها اثرا في النفس واكثرها قبولا عند الله يقول الله تبارك وتعالى: (ان الذين اتقوا اذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فاذا هم مبصرون) ويقول تعالى (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) ويقول صلى الله عليه وسلم: (ما عمل ابن ادم من عمل انجى له من عذاب الله من ذكر الله عز وجل, قالوا: يارسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله الا ان تضرب بسيفك حتى ينقطع ثم تضرب به حتى ينقطع ثم تضرب به حتى ينقطع). ان خير ما يتزود به المؤمن ويعمر به ايامه ولياليه كتاب الله يتلو آياته ويتدبر احكامه ويتصل بكتاب الله ما يعين على فهم مقاصده من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم واقوال العلماء في كل ما يتصل بعلوم القرآن من تفسير وفقه وفي العبادات والمعاملات وما يتفرع عن ذلك ويعبر عنه من علوم وآداب, يقول الامام علي رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ستكون فتن كقطع الليل المظلم) قلت: يا رسول الله وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله تبارك وتعالى, ويقول صلى الله عليه وسلم: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم الا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وخصتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده). علينا ان ندرك ان الغاية من الصوم هي علاج النفس من ادوائها فتكتسب ارادة حازمة وعزيمة صادقة فلا تتهافت على الشهوات ولا تتهالك على الرغبات واللذائذ بل تملك الصبر على الحرمان والقوة في مواجهة الغرائز وتترقى من ذلك الى الابتعاد عن الرذائل واجتناب الدنايا, فالمسلم حين يمتنع طائعا عن الضرورات التي يحتاج اليها بحكم الغريزة فانه لا ريب يمسك عن المحرمات ويجتنب المنكرات وينشأ في نفسه الضمير الحي والوازع الخلقي الذي يوجهه الى الخير ويعصمه من نزغات السوء. حين ينجح المسلم في تجربة الصيام ومجاهدة النفس في رمضان فهو على الكفاح في سبيل الحق اقدر اما اذا قصر وضعف عن تكاليفه فهو في ميدان الجهاد اجبن واضعف. فما اجل معنى الصيام والعبادة الطاعة وما اقدس حقيقتها فهي تجربة حية تدل على صدق الايمان وتحوله الى قوة قادرة على التوجيه والعمل. وبالله التوفيق