إننا على أعتاب القرن الحادي والعشرين لا يغيب عن بالنا ما تعانيه الأمة الإسلامية من فرقة وتخلف وتناحر نجم عن ابتعادنا عن الفهم الحقيقي للإسلام. الوسطية مطلوبة في الدعوة إلى الله خاصة وأن الداعية لا يعبر عن رأيه ولكن يزن ما يحدث بميزان الإسلام ـ نطالب دائماً بإعداد الدعاة إعداداً جيداً وتأهيلهم فكرياً وثقافياً بما يتناسب مع تطورات العصر يلقى سماحة الدكتور العلامة أحمد كفتارو المفتي العام للجمهورية العربية السورية حباً واحتراماً قل نظيرهما في العالم الإسلامي, فهو يسعى دائماً بدأب الشباب في الدعوة إلى الله جل شأنه مانحاً من نبع النبي الكريم صفاء الدين وألقه. وفي سبيل إعلاء كلمة الله عالياً أنشأ مجمع أبي النور الإسلامي في دمشق وجعله منارة ترسل بضيائها إلى كافة أصقاع المعمورة. كما جعله سكناً لطلاب العلم على اختلاف جنسياتهم. (البيان) التقت سماحة الإمام وطرحت بين يديه عدداً من القضايا الإسلامية وهاهي تقطف من دوحه العاطر إجابات لا تعتبر إشكالية بقدر ما تعتبر منهجاً وإسلوباً للدعوة وهاكم الحوار: * يقول تعالى في محكم تنزيله: (ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين). من هو الذي يدعو؟ وكيف هو؟ ولماذا هو؟ ـ الدعوة إلى الله تبارك وتعالى في المجال العام هي مسئولية كل مسلم ومسلمة, وهذا هو اعتبار القرآن الكريم في قوله تعالى: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني). وعلى هذا فكل من آمن بالله رباً وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً, وشهد وأقر واعترف أنه مسلم, ومن أتباع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل مسئولية الدعوة إلى الله. والدعوة إلى الله تبارك وتعالى تكون على مستويات مختلفة, إلا أنها تلتقي جميعاً في إيصال المعرفة الإسلامية إلى كل إنسان أخذاً من قول النبي صلى الله عليه وسلم (أُغدُ عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محباً ولا تكن الخامس فتهلك). فالعالم هو من ملك أدوات الدعوة؛ من علم وحكمة وتزكية للنفس, أخذاً من تحديد القرآن لمهمة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ( هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة). ثم الالتزام بما علم عملاً؛ لأن العالم هو وارث النبي, والنبي صلى الله عليه وسلم هو القدوة الحسنة في القول والعمل والأداء. (لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة). فإن لم يُقدَّر للمسلم أن يكون عالماً فليكن متعلماً, فيكون بذلك قد وضع نفسه على طريق العلم والمعرفة والعمل, فإن لم يمكنه ذلك فهو يستمع لأقوال العلماء وإرشادهم وتوجيهاتهم؛ فيتعلم بعض العلم, وتصلح نفسه, فيستطيع أن يوصل بعض ما سمع من خير وعلم إلى من وراءه من أهل وأصحاب, فنحن لو نظرنا كعلماء ومسئولين لمستوى الدعاة نرى تراجعاً وضعفاً في المستوى العام, ونحن لا ننكر ذلك ولا ندعي أن كل الدعاة أو العاملين في حقل الدعوة الإسلامية على المستوى المطلوب, ونحن بالفعل نعاني على مستوى الوطن العربي والإسلامي من عدم وجود الداعية الفقيه أو الداعية الموسوعي, لكن من الخطأ أن نعمم في أحكامنا هذه, فهناك والحمد لله الكثير من النماذج المشرفة, وهنا لابد لكل داعية من أن يطور نفسه وأدوات دعوته فكرياً وثقافياً بما يتناسب مع تطورات العصر الحديث. وأما الصنف الأخير: هو المحب للعلم والعلماء, ومن أحب شيئاً حرص على الاستفادة منه, ويستطيع بذلك أن ينقل هذا الحب ولو بالحد الأدنى إلى ارتباط المسلم بالعلم والعلماء. وبهذا يكون قد قام بالدعوة إلى الله على المستويين الذاتي والجماعي, فيكون قد دعا نفسه إلى الخير, ودعا من معه ولو بحجية العلماء. وأما الدعوة بمفهومها الخاص والتي هي مهمة العلماء العاملين, الذين حملوا أمانة الرسالة من خلال الوراثة, فلابد وأن تتوفر فيهم الصفات الثلاث: وهي العلم الصحيح أولاً, من مصادره الأصلية بالدراسة والبحث والتمحيص, ثم الحكمة, وهي فعل ما ينبغي على الشكل الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي ثانياً, ثم تزكية النفس وطهارتها بالإخلاص والصدق مع الله تبارك وتعالى, بحيث تكون الدعوة خالصة لا تخالطها المصالح والأغراض الشخصية, أو المكاسب المادية, أو الأهداف الدنيوية, انطلاقاً من قوله تعالى: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله). نعم إلى الله تبارك وتعالى, ولهذا فنحن نؤكد أن يكون القصد من العمل الدعوي هو (إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي). فاليوم أصبح العالم في عصرنا قرية كونية صغيرة أو مدينة واحدة ـ كما يقولون ـ بسبب التقدم العلمي المذهل في عالم الاتصالات وغيرها, والعقلاء من يستغلون هذا التقدم العلمي في نشر العلم النافع وفي غرس الفضائل وبث روح الإخاء الإنساني بين البشر, لذلك فإن توظيف وسائل الإعلام والاتصالات الحديثة لخدمة الدعوة الإسلامية واجب إسلامي لشرح مفاهيم الإسلام وتوضيح أحكامه للمسلمين وغير المسلمين, ومن أجل ذلك لابد أن نطور من وسائل الدعوة الإسلامية وأن نخلص النية في أعمالنا وأن تتكاتف جهود علماء الأمة الإسلامية مع جهود المسلمين أنفسهم في وسائل الاعلام لكي نؤدي واجبنا جميعاً نحو الدعوة إلى الله والدفاع عن الإسلام, فالدعوة أيضاً واجب وفرض على كل مسلم في حدود إمكاناته وعلى قدر استطاعته. * قال تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن). سماحة المفتي ما الحكمة ومن أهلها؟ وما الجدل بالذي هو أحسن ومن أهله؟ ـ لقد تعددت آراء العلماء في مفهوم الحكمة, ولكن في رأيي أخذاً من سياق النص فإن تعريفها بأنها (فعل ما ينبغي, على الشكل الذي ينبغي, في الوقت الذي ينبغي) لأن الحكمة هي مفتاح معرفة حقائق الأشياء ولهذا اعتبرها القرآن الكريم خيراً كثيراً, قال تعالى: (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً, وما يذكر إلا أولو الألباب). والحكمة هنا هي بداية الحوار وهي الإقناع عن طريق الأدلة العقلية وهي المرحلة الأولى, وأما الموعظة الحسنة فهي المرحلة الثانية في الحوار والدلالة على الخير, وتكون بالكلمة الطيبة والأسلوب الإيجابي المحبب البعيد عن الانفعال والعنف, وأما المرحلة الثالثة فهي الجدال بالتي هي أحسن, وهو الحوار المرن البعيد عن التعصب والتزمت. ومن أجل ذلك أنصح الدعاة بمعرفة المنهج الصحيح للدعوة الإسلامية وحالة المستقبِل لهذه الدعوة ثم الدعوة وفقاً لكل حالة على حدة. * قال تعالى: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني). نستجلي من فضيلتكم ما السبيل؟ وما البصيرة؟ ـ سبيل الله هو ما جاء في القرآن, وهذا توجيه من الله تبارك وتعالى لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم؛ بأن يبيّن للناس ـ كل الناس ـ سبيل الحق الذي جاء به من عند الله تعالى, ليبلغه للناس كافة, على بصيرة ـ أي وضوح من غير غموض ولا لَبْس ولا تأويل إلا بما يتطابق مع ظاهر اللفظ الحاوي للمعنى والمضمون ـ ونحن مطالبون بالمراد من البيان الإلهي, وأما التأويلات الفاسدة التي تُخرج النص عن سياقه ومعناه لأغراض دنيوية أو لغرض التخلص من المسئئولية والخروج عن حكم الدين؛ فلا نأخذ بها ولا نتبناها, وهذا هو منهج القرآن العظيم, الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, مضافاً إليه ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ تفسيراً أو بياناً, أو تقييداً لمطلق, أو تحديداً لمجمل, وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قد تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها...). * قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حُمْر النعم). ينساق كثير من المسلمين, رغبة في الأجر الذي عناه الحديث, في الدعوة إلى الله كيفما اتفق, دون زاد من علم أو فكر أو سلوك, ما قول فضيلتكم في هؤلاء؟ ـ هذا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو حق لا مرية فيه, ولكن ـ وكما أسلفنا القول ـ فإن الدعوة إلى الله تعالى إنما تكون على مستويات, فالمسلم الذي لا يملك علماً, إنما يملك عقيدة ومعرفة بأساسيات الإسلام, يستطيع أن يدعو إنساناً لا يصلي, فيجعله مقيماً للصلاة, يؤديها امتثالاً لأمر الله تبارك وتعالى, ولا يُطلب منه أكثر من هذا. فلو بلّغ كل مسلم ما علمه حقيقة صحيحة من إسلامه, وبالشكل الذي قلت, يكون قد أدى مهمة الدعوة إلى الله. ولو استطاع آخر أن يقنع مدمناً وشارباً للخمر بأن يتركها؛ لأن الله حرمها, ووفقه الله في ذلك, يكون قد أدى أيضاً مهمة الدعوة إلى الله تعالى, وهكذا بالنسبة لكل المحرمات. فالتوبة والعمل الصالح هداية, والداعي لهما له أجره, وهذا الأجر من حُمْر النعم. وأما من ملك زمام العلم ظاهراً, وطهارة الروح حقيقة, فيمكنه أن يعمل في مجال الدعوة على مستوى الجميع؛ من درس وخطبة على منبر وجميع وسائل الاتصال المعاصرة, ليوصل حقائق الإسلام إلى قلوب وعقول الناس, فهذا أعظم وأوسع, وله أجره. وأما أن يخوض الجاهل في مسائل الحلال والحرام, ويفتي الناس بغير علم, فهذا حرام, ولا يجوز, وعليه من الوزر والإثم الشيء الكثير, فهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟ وما المشاكل التي تحيط بالمسلمين اليوم إلا لانقسامهم واختلافهم وعدم فهمهم لحقائق الإسلام. لذلك يجب أن يتوفر بالداعي إلى الله, علم في البداية, وعمل إلى النهاية, للوصول إلى الحقائق والمسلمات التي تبني ولا تهدم, وتجمع ولا تفرق. * ما هو منهج سماحتكم في الدعوة إلى تقريب المذاهب (التوفيق بين الخلافات المذهبية)؟ ـ إن ما ورد في القرآن والسنة من نصوص, هي إما قطعية الدلالة, لا مجال للاختلاف فيها, وإما ظنية الدلالة, تحتمل الاختلاف, وحصول الاجتهاد ـ الذي هو نتاج فكري علمي ـ يكون للوصول إلى الحقيقة, لذلك كتب الله للمجتهد إن أخطأ أجراً واحداً, وهو أجر الاجتهاد, وإن أصاب الحق فله أجران, للاجتهاد واحد, ولإصابة الحق واحد, ومن هنا نشأت الخلافات المذهبية في الجزئيات لا في الكليات, وعلى هذا فالمذاهب هي مدارس فقهية اجتهادية, يمكن الأخذ بها من غير تفريق أو تمييز, والمذاهب في الواقع هي صيدليات تملك أدوية العلاج حسب الحالة لحل مشاكل الناس في كل عصر وزمان, فحين تعرض مشكلة كالرضاع مثلاً, أو الطلاق, فإن وجدنا حلاً عند مذهب ما أخذنا به, فإن لم نجد ذهبنا إلى الصيدلية الأخرى وهكذا, ونحن نقول: وكلهم من رسول الله ملتمس غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم فأنا أنظر إلى الخلافات المذهبية من هذه الزاوية, وعلينا أن نهتم الآن بما هو أعظم وأجدى خاصة وقد تكالبت علينا الإحن, ونحن نعوذ بالله من أن نكون ممن يتعلم العلم للمماراة أو للمجادلة كما قال صلى الله عليه وسلم: (من طلب العلم ليماري به السفهاء أو يكابر به العلماء أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار). إن الحوار بين العلماء بصورة خاصة يجب أن يتميز بالموضوعية وروح التفاهم والورع وتقوى الله عز وجل لأن رائدهم جميعاً التوعية والتوجيه والذود عن محارم الله عز وجل وابتغاء وجه الله. * يعتبر مجمع أبي النور الإسلامي منارة أهدت, ولا تزال, الكثير من الرواد, هلاّ حدث النور (الضياء) عن غدق المجمع على من يريد الدعوة إلى الله؟ ـ مجمع أبي النور الإسلامي بدمشق هو مركز دعوة إسلامية عالمية, يدرس فيه (6500) طالب وطالبة من (56) جنسية, ومن القارات الخمس, ويتوزعون على المؤسسات التعليمية التالية: ـ المعهد الشرعي الإعدادي والثانوي للدعوة والإرشاد بفرعيه الذكور والإناث. ـ المعهد التأهيلي لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها بفرعيه الذكور والإناث. ـ كلية الدعوة الإسلامية بفرعيها الذكور والإناث. ـ كلية أصول الدين بفرعيها الذكور والإناث. ـ كلية الدراسات الإسلامية المفتوحة بفرعيها الذكور والإناث. ـ قسم الدراسات العليا لتخصصات كلية الدعوة الإسلامية وكلية أصول الدين, وكلية الشريعة. ـ دار تحفيظ القرآن الكريم بفرعيها الذكور والإناث. ـ دور سكن الطلبة بفرعيها الذكور والإناث. ـ مطاعم الطلبة بفرعيها الذكور والإناث. ـ قسم الدراسات التأهيلية للأئمة والخطباء غير العرب. ـ قسم فروع المعاهد الشرعية خارج سوريا. إضافة إلى نشاطات إسلامية أخرى... والدراسات في المجمع مجانية, وتقوم جمعية الأنصار الخيرية بدمشق بالإنفاق على جميع نشاطات مجمع أبي النور الإسلامي؛ العلمية والتربوية والدعوية, ومصادر تمويلها من تبرعات المحسنين من أهل الخير, الذين يحرصون على الدعوة الإسلامية, وعلى النهوض بها في أرجاء العالم, ليتحقق الوعد الإلهي بإظهار هذا الإسلام على الدين كله, وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار....). وفي ذلك الفلاح لكل المتعاونين على نشر الإسلام, مصداقاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدّال على الخير كفاعله). * عبّرتم ـ بالأمس ـ عن تفاؤلكم بوجود صحوة إسلامية, وقلتم: إن التفاؤل غير الأمنية, إذ هو يقوم على معطيات واقعية ملموسة, بينما الأمنية ففيها ـ أحياناً ـ كثير من الوهم. هل نفهم فضيلة الشيخ, أن وضع المسلمين عامة إلى الأحسن؟ ـ نعم أنا أؤكد أن المستقبل للإسلام, وهناك صحوة إسلامية في العالم الإسلامي, ونحن نجد اليوم رجالاً ونساءً من العلماء والفلاسفة وأصحاب الفعاليات الفكرية من غير المسلمين قد دخلوا في الإسلام, فهذا دليل واضح على أن الإسلام قادم لا محالة, وأن العالم اليوم يبحث عن الإسلام, ولابد له من الوصول إليه والتعرف عليه. والأمة الإسلامية اليوم تعيش مرحلة المخاض, وفيها من الصعوبات والمشاكل والآلام الشيء الكثير, ولكن النتيجة والنهاية هي الخير والسعادة, والفرح بالمولود الجديد, وهو الإسلام, نعم الإسلام. وأما كيف ومتى؟ فمتروك لفضل الله تبارك وتعالى, ولكن البشائر تلوح في كل مكان, (ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم).