بيان (2) : مثلما لدولتنا الفتية في ظل قيادتها الرشيدة ثروة نفطية وغازية وسمكية وزراعية وتجارية فان رجالها كبار السن هم خير ثروة قياساً بالثروات الأخرى لانهم ينطقون كشاهد عيان لتاريخ الأمة, ويذكرون الأجيال الحاضرة والقادمة بالماضي البعيد والمعاناة المريرة من أجل كسب لقمة العيش الأمر الذي يجعل شباب اليوم أكثر استمساكاً وعضاً بالنواجذ على المكاسب العظيمة التي تحققت بفضل المسيرة الاتحادية المباركة. ولعل من حسن الحظ ان كبار السن لاسيما الاجداد لا يزالون بين ظهرانينا وبكامل وعيهم وعقلهم وبالتالي فهم يتذكرون كل شيء ولا يبخلون بقول كل شيء طالما انه حديث للذكريات. الوالد سالم بن أحمد المهبوبي هو نموذج حي للجيل السابق الذين أنجبتهم هذه الأرض الطيبة فكانوا نعم الرجال الأشاوس العاضين بالنواجذ على عقيدتهم والأوفياء لبلادهم وقادتهم. ولد في يوم يجهل هو نفسه تاريخه ولكن تدل تضاريس الوجه انه تخطى التسعين من سنوات العمر وان بدا صلب العود وحاضر الذاكرة. وقال: لاشيء يدفعنا للاهتمام بتاريخ الولادة خلافاً لما هي عليه الحال الان حيث يتعين على الانسان ان يكون ملماً بيوم ولادته لانه سيسأل عنه ان أراد التعليم أو العمل أو العلاج وكذلك الزواج والموت. وأضاف: كل الظروف مواتية الآن لكي يكون الانسان ملماً بتاريخ مولده فالآن حين يولد في المستشفى تكون شهادة الميلاد في انتظاره متى ما أراد الحصول عليها. وأما بالنسبة لنا في ذاك الوقت فأن المهم هو ان يخرج الانسان من بطن أمه بسلام. عندما جاء الوالد المهبوبي الى الحياة كانت أسرته تسكن قرية تقع الى جوار الجبال تعرف باسم (الخمد) وهي تتكون من 15 بيتا وجميع سكانها ينحدرون من منبت أسري واحد. كبير العيلة وقال في هذا الخصـوص بالنسـبة لي فأنا كبير والداي ومن بعدي اخواني وأختان وحين أبصرنا جميعاً نور الحياة وجدنا والدنا يكابد مشاقاً جمة من أجل كسب قوت الأسرة فيما كانت والدتنا تتولى مهمة توفير الرعاية لنا واطعامنا الأكل القليل وهو عبارة عن التمر الذي يعجن حتى يصبح ناعماً وهذه العملية تعرف باسم (تحنيك) ثم تسقينا حليب الماعز الطازج. ولكن بالرغم من انشغال الأم بالمهام الأسرية فهي لا تبخل على زوجها بالمساعدة في أعماله حيث تقوم بين الفينة والأخرى بتقديم يـد العـون والمســاعـدة للوالـد خاصة في المشاغل الزراعية وتربية الحيوانات. معركة الحياة ويمضي قائلاً: بحكم وجودي في مقدمة اخواني فانه كان يتعين علي أن ألج معركة الحياة مبكراً وهذا بالضبط هو الذي حدث فبعد ان صرت يافعاً أقيم لي ما يعرف بعرس الختان الذي يقام فيه وليمة كبيرة ويشارك فيه أبناء القبائل كلها. وأشار الى ان الختان يعني بمفاهيم الناس في ذاك الوقت بأنه مرحلة جديدة من عمر الطفل قد بدأت وهي مرحلة الرجولة. وقال: بالطبع فأنا أعرف هذا الأمر جيداً وهو يعني البدء في تحمل المسئولية الأسرية حتى وان كنت ما زلت طفلاً يافعاً, وكما هي الحال بالنسبة للآباء فقد عمد والدي الى تعليمي كيفية التأقلم في المجتمع الذي نعيش فيه والعادات والتقاليد ومعاملة الآخرين كباراً أو صغاراً وأيضاً التحلي بصفات الصبر والشجاعة والخصال الحميدة. واضاف: بعد هذا كله فقد دفع بي والدي الى ساحة العمل لمساعدته في أداء اعمال محددة مثل رعي الماعز وجمع الحطب. ومع مرور الوقت اكتسب الوالد المهبوبي خبرة وتمرسا على الاعمال كلها حتى ان والده صار يعتمد عليه في اداء اعمال لا تخلو من المشقة. المهارات أهم ويروي في هذا الصدد بان مهارات الانسان وامكاناته البدنية هي الاساس لتصريف امور الحياة في ذلك الوقت الذي لا وجود فيه للآلة نهائيا. ففي الزراعة يعتمد الناس في ري المحاصيل على الامطار او الرقوق حيث تستخرج منها المياه بواسطة الدلو المصنوع من جلد الماعز. وعندما يرغب في حرث الارض فهو يعتمد آلة خشبية تعرف باسم الهيس يربطها وسط جسمه بحبل قصير بينما تكون اسنانها مغروسة بالارض وعندما يحرك المزارع جسمه تبدأ عملية الحراثة. اما زراعة الحبوب فهي تكون عقب تجهيز (الوعب) حيث تبذر حبوب القمح او الشعير وخلال ثلاثة اشهر تقريبا تصبح جاهزة للقطف. ويقول الوالد المهبوبي ليس امام المزارعين من وسيلة يعتمدون عليها بعد قطع اغصان القمح سوى الامساك بعودين والضرب لفصل الحب عن الاغصان. ونظرا لعدم وجود مكائن طحن حديثة كالمجودة اليوم فان حبوب القمح تنقل الى البيوت لتتولى النساء عملية طحنها بواسطة الرحا وهما قطعتا حجر دائرتا الشكل. ويذكر الوالد المهبوبي ان الخبز الذي يصنع من القمح يعرفه اهل البادية باسم خبز سفاع وهو يؤكل مع السمن البلدي والعسل كما يفيد حب البر في صناعة مأكولات اخرى مثل المقطع واللكش والسخونة. الجبل الصديق عاش الوالد المهبوبي طوال سنوات عمره المديدة وهو لم يشأ الابتعاد عن الجبال التي يصفها بانها الصديق الودود الذي لا غنى عنه لاهل البادية. ويقول: صحيح ان الجبال هي عبارة عن احجار توجع الاقدام الحافية ولكن اهل البادية يعشقونها ويتغنون بها وهم يدينون لها بالفضل الكبير في حياتهم حيث كانت في الماضي لهم عبارة عن ساتر حصين يقي الناس وديارهم وحيواناتهم من الاعداء اضف الى ذلك فان الجبال تساهم في دفع مياه الامطار بغزارة الى الوديان ليستفاد منها في الزراعة وهي كذلك توفر الاحجار لبناء البيوت وفيها تنمو الاشجار المثمرة مثل التين والاعشاب المفيدة كدواء لكثير من الامراض وفيها خلايا النحل المملوءة بالعسل. ويضيف الوالد المهبوبي: ولكن بالرغم من كل هذا فان التعامل مع الجبال يتطلب الخبرة والحيطة والحذر فهي تماما كالبحر لا تخلو من الاخطار المباغتة التي تجلب التهلكة للانسان فالحيوانات المفترسة مثل النمور والذئاب وكذلك الثعابين والعقارب تتواجد في مخابئها الجبلية. ويقول حين تعجز الحيوانات المفترسة من الوصول الى الانسان فانها تتهدد الماعز ولذلك فنحن كنا نسعى دائما على محاربتها اعتمادا على السلاح المعروف باسم التفق وقد وفقني الله ذات مرة في اصطياد نمر خلوي احدث ازعاجا مرعبا للاهالي والتهم الكثير من الماعز قبل قتله. وتطرق الوالد المهبوبي الى حياة الاهالي التي كانت قائمة على التعاون حيث ذكر ان (النفير) هو الشعار الذي كان سائدا انذاك فمثلا حين يرغب شخص في بناء مسكن فان اهل الفريج يتولون الامر بكامله وبلا مقابل حيث يجمعون الاحجار ويجهزون الخشب ومن ينفذون عملية البناء بكاملها وكذلك الحال ينطبق على جميع المشاغل الحياتية الاخرى. العلاج بالاعشاب وبالنسبة للظروف الصحية والامراض السائدة قبل عشرات السنين فقد تطرق اليها الوالد المهبوبي مبينا ان الاهالي كانوا بمنأى عن هذا الكم الهائل من الامراض التي تداهم الناس في وقتنا الحاضر. وقال كانت شكاوى المرضى تتركز في اوجاع بالبطن والرأس وحكة بالجلد ونتيجة لعدم وجود اطباء ومستشفيات فان العلاج يكون بالنار وعسل النحل وآيات من القرآن الكريم كما يستفاد من بعض الاعشاب التي تنمو بالجبال في علاج كثير من الامراض وكمثال على ذلك السدر واليعده والقبقاب والسقل. والخناصير. وبالرغم من مشقة الانتقال بالمناطق حيث الطرق الوعرة تعيق الحركة الا انه طبقا لما ذكره الوالد المهبوبي فقد كان الناس يتحركون على نحو مستمر جماعات وفرادا. وقال: كنا نقطع مسافات بعيدة مشيا على الاقدام الحافية اوراكبين ظهور الحمير والركاب. وقد كانت دبي اهم الاماكن التي نقصدها لبيع الماعز حيث كانت تستغرق الرحلة اليها مدة ثلاثة ايام. كما كنا نتوجه الى مناطق الرمس والمعيريض ورأس الخيمة لبيع ما لدينا من انتاج زراعي وحيواني وحطب ثم نعود الى بيوتنا بالمواد الغذائية مثل العيش والسكر والشاي والقهوة والهيل والملح اضافة الى الملابس والحلي للحريم. واوضح ان الحطب الذي الذي يجمع من الاشجار كان يمثل دخلا مهما لسكان الجبال لانه كان مصدر الطاقة الوحيد في ذلك الوقت فهو يستخدم في عمليات الطهي والتدفئة. وقـال: عنـدمـا توقـد اســرة النـار فـان أهل الفريج يتكالبون عليها لأخذ جمرات منها تساعدهم على إشـعال النار في بيوتهم. وبالرغم من توفر الطاقة الكهربائية الا ان ذلك لم يمنع الاهالي من اللجوء إلى أساليب التخزين لحفظ الطعام. وحسب ما جاء على لسان الوالد المهبوبي فان الأسرة كانت تلجأ الى نظام التخزين بالتمليح لحفظ اللحم والأسماك. ثقافة الماضي وتناول الوالد المهبوبي عادات وتقاليد أهل الديرة التي وصفها بأنها راسخة ومورثة جيل عن جيل ومن أبرزها المجالس الجماعية التي تجمع أهل الفريج في حلقات للحديث عن التجارة والرعي وسماع الشعر وتعلم أمور الدين ومنـاقشـة هموم المجتمع. والى جانب ذلك ورث المجتمع عادات الصيد والفروسية والفنون الشعبية وسباق الهجن والرقصات الشعبية التي أهمها العيالة التي ترمز إلى الفروسية والشجاعة والقوة. وأبدى الوالد المهبوبي استغرابه الشديد للاهمال الذي يتعرض له الآباء كبار السن من أبنائهم وأسرهم. وقال: لقد سمعت بأسف وحزن شديدين ان آباء معاقين وكبار السن تركهم ابناؤهم لدار رعاية المسنين في شعم. وكشف الوالد المهبوبي انه حينما كان شاباً في عنفوانه أسندت اليه مهمة رعاية جده الذي انكسرت ساقه حيث قام بحمله 15 عاماً على كتفه دون أن يشعره ولو لمرة واحدة بضجر أو ملل. وقال: شعوري بأنني أنفذ عملاً يرضي الله هو الذي جعلني أشعر بالارتياح والسعادة وأنا أحمل جدي على ظهري سنوات عديدة.