بيان (2): خرجت المشاكل العاطفية والعائلية من جحور الصمت والخوف, وعرفت طريقها الى صفحات الجرائد والمجلات, التي انتهزتها فرصة وفتحت أبواب صفحاتها على مصاريعها لاستقبال مئات المعذبين والمعذبات.. والحائرين والحائرات, وضمنت بذلك زيادة ملحوظة في التوزيع, طبقاً للمثل القائل (مصائب قوم عند قوم فوائد)..! ومن منطلق ان (من رأى بلوى غيره.. هانت عليه بلواه) فإن من ترى نفسها معذبة لأن حبيب قلبها هجرها منذ 3 شهور مثلا, ستهون عليها بلوتها عندما تقرأ مشكلة المعذبة الأخرى التي هجرها حبيبها من 6 شهور, أما الحائرة التي خانها زوجها مع سكرتيرته, فلا شك انها ستحمد ربها وستشكر زوجها الذي خانها مع واحدة محترمة ومتعلمة, بعكس الزوجة التي نشرت مشكلتها وتشكو من زوجها الذي خانها مع خادمة لا هنا ولا هناك..! وقبل أن تتعاطف مع قضية الزوجة التي تقول إن زوجها يضربها ويسيء معاملتها, وأن حياتها معه اصبحت لا تطاق, تذكر أنك لم تتح لك الفرصة لسماع وجهة نظر الطرف الآخر (الزوج) فقد يكون الوضع عكس ما قالت الزوجة, وقد يكون الزوج ــ كما جرت العادة ــ هو المضروب.. وهو الذي يشكو من سوء المعاملة, وبالتالي يكون هو الأحق بالقول إن حياته مع زوجته أصبحت لا تطاق..! ومن هنا فإن الاعتماد على رواية طرف واحد كما يحدث في زوايا (افتح لي قلبك) أو (أريد حلاً) أو (بريد القلوب) قد يكون ظالماً للطرف الآخر, وقد يكون تطبيقاً للمثل القائل: (ضربني وبكى.. وسبقني واشتكى)..! بعد الصحف والمجلات جاء دور القنوات الفضائية لتشارك في الوليمة العاطفية مصحوبة بالمؤثرات الصوتية التي تفتقدها الصحافة, وبدأ نشر الغسيل العاطفي والعائلي على الملأ, وراح خبراء وخبيرات الشئون العاطفية يصفون الدواء الناجع ويتوجهون بالنصح والارشاد, ومع ذلك ما زالت اعداد المعذبات والمعذبين في ازدياد, وما زالت مشاكل الحب والزواج تطغى على مشاكل السياسة والاقتصاد, وإن كان قد بدأ يظهر مؤخرا نوع جديد من المشاكل العاطفية السياسية.. أو السياسية العاطفية, فالحب.. والعشق.. و الهجر.. والسهد.. والغيرة.. والحيرة.. وسائر بلاوي العواطف الانسانية بدأت تغزو عالم العلاقات الدولية, وبدأ العشق السياسي.. والهجر الدولي... يتحكمان في مصائر الشعوب والبلاد..! الغريب ان (الدون جوان) في كل قصص العشق السياسي والدولي هو دائما في كل الحالات العاطفية (فالنتينو) عصره, المعروف باسم (العم سام), وكم من دولة سهرت الليالي وذرفت الدموع لأن حبيب القلب (سام) هجرها الى دولة اخرى, وكم من دولة أكلتها نار الغيرة وهي تشاهد حبيب القلب الأمريكي يغازل دولة اخرى, وكم من دولة باعت (اللي وراها واللي قدامها) لكي تقدمه قرباناً على مذبح الحب الى المحبوب الأمريكي دون ان تظفر منه بلمحة حب أو نظرة رضا, فهو غارق وسط العشرات من المعجبات الوالهات.. الراميات أنفسهن تحت قدميه, يقرب هذه يوماً.. ويبعد تلك أياماً, ومع ذلك فلا واحدة منهن جرؤت يوماً على مفارقته والبعد عن سحره وجاذبيته, كل ما استطاعته بعض العاشقات المهجورات هو الشكوى على صفحات الجرائد, أو ذرف الدموع على شاشات التلفزيون, في برامج سياسية عاطفية لا تختلف كثيراً عن أبواب (أريد حلاً) في الصحف والمجلات, والمعذبة الحائرة هي في كل الحالات دولة صغيرة.. نامية.. من دول العالم الثالث, معبودها الأول والوحيد هو الملياردير الجميل (سام)..!! (أريد حلاً).. أصبحت شعاراً للدول المغلوبة على أمرها.. المقهورة في حبها, ومشاكل الحب السياسي ــ من طرف واحد غالباً ـ طغت على مشاكل الحب الانساني, حتى حالات الطلاق.. والخيانة.. والهجر.. والخصام, انتقلت عدواها من العلاقات البشرية الى العلاقات الدولية, فهذه دولة نامية تركع تحت قدمي العم سام مرددة (يا ظالمني.. يا هاجرني.. وقلبي من لقاك محروم).., وهذه أخرى فاض بها الكيل فخاطبته قائلة (ما تصبرنيش بوعود.. وكلام معسول وعهود).. ودولة ثالثة يئست تماماً من حبه فصاحت فيه (أعطني حريتي أطلق يديا.. إنني أعطيت ما استبقيت شيئاً..)..! وسواء أكان الحب إنسانياً أو دولياً فالذي لا شك فيه أنه كما تقول المطربة أحلام (أكبر مصيبة), وحتى لو صح ذلك وكانت مصيبتنا هي الحب.. فأهلاً بالمصائب..!