بيان (2) : أنا رجل (بيتي) بمعنى أنني أحب أن أعيش في بيتي أكثر الوقت, وأنام في فراشي, وأكل طعام البيت, وبالطبع هذا نتاج سنوات الشارع الطويلة. وأذكر أن صديقا ونحن في بدء الشباب، أتى إلى بيتنا ليسأل عني, فقالوا له انني لست موجودا. ولما كان يريد أن يراني لسبب هام كما يظن فلقد ألح في السؤال عن الساعة التي أعود فيها. وعندئذ أطلت أمي إليه وقالت له: يا ولدي اسأل عن اليوم الذي يعود فيه, وحتى هذا لا نعرفه! وفي اثناء عملي صحفيا وكان ذلك من نهايات الدراسة الى ما بعدها دعيت الى حفل استقبال في احدى السفارات الشرقية وهناك يلحون في مشاركتهم الانتخاب, واستجاب أحد الزملاء لهذا الالحاح, فما أن انتهت الحفلة حتى كان في حالة لا تسر عدوا ولا حبيبا. ورأيت أنه من دواعي المروءة أن أذهب به الى بيته. وبالطبع لم أكن املك سيارة. والمدهش انني لم أكن أعرف بيته. ولما وصلنا عند الفجر أقسم أن أبيت معه. وكان القسم كافيا لأن أغمض عيني واستغرق في نوم عميق. وعندما استيقظت كان نور الصباح يملأ الدنيا, وثلاثة أشخاص لا أعرفهم يحيطون بي يتساءلون في دهشة عمن أنا. وعرفتهم بنفسي فلم يعرفوني فطلبت أن يوقظوا زميلي. لكن الزميل كان مطلوبا في الشهادة أمام المحكمة, فاستيقظ مبكرا. واشفق علي فتركني نائما دون أن يخبر أهله. وكان موقفا شديد الحرج. وبعد حياة حافلة بالتسيب وكراهية الجدران, وقعت في غرام البيت. ولذلك عندما أسافر لا أكاد أنام مهما كانت فخامة الفنادق. وتتصل بي زوجتي لتسألني أول ما تسأني هل أكلت؟! وبعد أن تحولت هذا التحول من النقيض الى النقيض, فوجئت بكم هائل من الدعوات هذا العام تدعوني اما على الافطار أو على السحور حتى لقد أطلقت عليها موائد الرحمن. وموائد الرحمن ظاهرة تبدو خيرا لكنها تصيبني بقلق غامض, لإحساس انها لا تقصد في بعض الأحيان وجه الله, انما هي تعبير عن التفاخر, وأحيانا عن غسيل السمعة أسوة بغسيل الأموال. على أي حال استقبلت الدعوات وأخذت أرتبها, وكانت فعلا في حاجة للترتيب. فأحيانا تكون هناك أكثر من دعوة في الوقت نفسه. وكان علي أن اختار حسب اعتبارات كثيرة. وتلقيت دعوات من حزب الوسط وحزب الكرامة الناصري والاخوان المسلمين والكنيسة الانجيلية وانتظرت أن أتلقى دعوة من الماركسيين, لكن لم تصلني دعوة منهم. وخشيت أن يكون ذلك عن قلة تدين منهم كما يشاع عنهم, فاتصلت بصديق ماركسي أحثه على الدعوة للإفطار فقال لي انهم فكروا في ذلك فعلا, ولكنهم اكتشفوا ان التكاليف كثيرة, والعين بصيرة, واليد قصيرة! ثم اتصل بي بعد عدة أيام ليدعوني على الافطار. وبالطبع لم أذهب. وفي الغالب لم استجب الا لدعوات قليلة. وكانت أجمل الدعوات ولم لا نقول الدعوة الوحيدة الجميلة, كانت عند زميلنا في (البيان) الأستاذ محمد الخولي في بيته الأنيق المطل على (نادي الصيد) وبالطبع كان من أفضل المزايا أنه على بعد خمس دقائق من بيتي. ولكن أبرز المزايا كانت محمد الخولي نفسه الذي قدم لنا سهرة من موسيقى وأغاني عبدالوهاب قادها مع صديق يكاد يصل الى مستوى الاحتراف. وفوجئت أن محمد الخولي خبير في الموسيقى والغناء كما أنه خبير في السياسة والثقافة. وحلل أغاني وموسيقى عبدالوهاب كما لم يحللها أحد. وفي اليوم التالي كنت ضيف سهرة على الهواء في التلفزيون, ومن اخطائي الدائمة انني لا اسأل قبلها عن موضوع اللقاء على اعتبار انهم لن يسألوني عن زراعة البطيخ أو الولادة القيصرية أو دور البورصة في سوق المال. وفوجئت أن الموضوع هو محمد عبدالوهاب. وبسرعة استعدت آراء محمد الخولي وأخذت أقولها بوقار شديد. وأنا أتمنى ألا يكون ضيوف الافطار يشاهدون التلفزيون حتى لا يكتشفون النهب الذي قمت به, وعندما عدت الى البيت قالت لي زوجتي انه كان برنامجا جميلا وانها سجلته لي, ونحن نادرا ما نفعل هذا. وأصابني ضيق شديد, فها هو دليل بالصوت والصورة على أنني اقتبست آراء محمد الخولي. وانتهزت الفرصة في صباح اليوم التالي, وسجلت على الشريط برنامجا للأطفال! وباقي الدعوات كانت على عكس هذا تماما. بعض الدعوات في فنادق كبرى. لكن المسئولين على هذه الفنادق يعرفون أنك (زبون) بلا قوة. فأنت لا تدفع بل يدفع عنك حزب أو هيئة أو جمعية وأنك أتيت لتشارك لا لتأكل. وأنك ستخجل لو فكرت في الشكوى. وعانيت أنا وعبدالرحمن الأبنودي في البحث عن أي شيء يؤكل. وصاح صيحة هائلة كأنه أرشميدش: لديك فول! لكنني اكتشفت انه طبق لحم مقطع وكان اللحم كبقية الطعام ليس للأكل. وفي دعوات رمضان لا يمكن أن تقسم نفسك في مكانين ولكني اضطررت أن أفعل هذا ذات مرة عندما صمم أحد الأحزاب على حضوري, وفي الوقت نفسه صمم صديق لي على دعوتي على الافطار في الوقت نفس. وقلت ساخرا: آكل هناك.. وآكل الحلوى هنا! ومن الطريف ان هذا ما حدث. وما كدنا نأكل حتى دق التليفون وإذ بصاحبي يصيح بي أن (أم علي) تكاد تبرد. وانهيت الطعام بسرعة. وتسللت الى الخارج وكان الافطار في أحد النوادي المقامة على النيل. وقابلني أحدهم وسألني الى أين أذهب, فصارحته انني اتسلل الى الخارج. وبدت عليه دهشة كبيرة. وقال لي: ــ كيف وأنت أحد المتحدثين؟ ولم أكن أعرف أن الأكل سيعقبه حديث, وهي الظاهرة التي سادت الدعوات. واضطررت أن أتكلم دقيقة واحدة, حتى أسرع فألحق بموعدي الآخر. وأحسست بالسعادة وأنا أجد صديقي وحده. معنى هذا أنه لن تكون هناك كلمات. وانها ستكون جلسة لطيفة بين صديقين. وبدا فعلا انها كذلك حتى انتهت (أم علي) فإذا به يعتدل في مقعده ويقول: نتكلم في الشغل الآن! وأنا من الذين يحبون شهر رمضان جدا, لكنني أظل ممعودا طول الوقت نتيجة الطعام. ولذلك أدركت الحل في نهاية الشهر, وهي أن أمثل دور الأكل. فإذا عدت الى البيت أفطرت بجد! ولكن يبدو أن الفكرة لن تصلح الا لرمضان القادم. ورمضان بالنسبة لي هو جهاز قياس الزمن أعرف به أن عاما قد مضى وأن عاما آخر قد مضى وأن عاما آخر بدأ, مثله في ذلك مثل عيد ميلادي, ومثل أول نسمات الصيف, وأول زخات المطر, وتقلب من كنت تظنه لن ينقلب عليك أبدا.