بيان (2): كتب صدقي خليل: تعددت الخيارات والسيارة واحدة.. هكذا كان حال مهراجات الهند.. فخياراتهم الواسعة والمتعددة كانت حول كيفية الاستعمال.. اما السيارة وبالغرابة فكانت من صنف اغلى السيارات ، واكثرها رفاهية, وهي الرولز رويس فمنهم من اختارها لتصبح مطية لركوبه واخر اشتراها لنقل القمامة عليها اي الزبالة.. حقا انه اخر زمن.. رولز رويس لجمع القمامة.. وثالث جعلها فانتازا للحريق. ولكن ما هي قصة المهراجات مع السيارات وبالتحديد البريطانية واكثر تحديدا الرولز رويس؟ انها قصة مثيرة.. تحتاج الى تمهل لقراءتها. في عام 1907 رست على رصيف كولابا في بومباي سفينة تجارية بينيسولار وادرينتال وكانت تحمل على متنها ركابا من الهند وبريطانيا وبعض السيارات التي استوردها المهراجات من بريطانيا. وبعد نزول الركاب وتفريغ البضائع مرت قافلة السيارات المستوردة في بوابة الهند وتعتبر قوس نصر الهند وكأن رتل السيارات هذا يحتفى به مثلما يحتفى بقائد مغوار فاز بحرب ضروس. واصطف الجنود في الطابور وساد الهدوء والنظام وانساب ركب السيارات الرائعة الفخمة المرسلة من بريطانيا الى اغنى اغنياء العالم مهراجات الهند, حيث كان الحصول على سيارة في ذلك الوقت يعتبر مفخرة لصاحبها وكانوا في عجلة من امرهم عند شرائها وكذلك عند استلامها وبالذات لأن غالبيتها سيارات صنعت خصيصا لهم. وبالرغم من تبعية مهراجات الهند في ذلك الوقت للتاج البريطاني ظلت سلطاتهم الداخلية كاملة غير منقوصة فكانوا يمارسون كامل صلاحياتهم داخل ولاياتهم, ولم يكن بامكانهم اعلان الحرب على بعضهم البعض او على بريطانيا, ووطد البريطانيون سلطانهم ونشروا بينهم نمط معيشة بريطاني بهر الامراء والمهراجات. في البداية استقدم المهراجات مربين بريطانيين اقاموا معهم في قصورهم ولم تكن التربية عند هؤلاء المربين تتعدى حدا معينا يضطر بعده المهراجا للسفر الى بريطانيا مع كامل الحاشية لمتابعة تربية ابنائه وللانخراط في نمط الحياة الاوروبية. وكان البعض يقيمون في الفنادق مثل السافوي او الكلاريدج لفترات طويلة وكان مهراجا باتيلا مثلا عندما يذهب الى لندن يستأجر 35 جناحا اي طابقا بكامله في فندق السافوي ويستخدم عشرين سائقا يتواجدون طوال الاربع والعشرين ساعة, وكان يتسلم يوميا 3 آلاف وردة لزينة الغرف والاجنحة. اما مهراجا حيدر آباد ـ نظام ـ الذي كان يعتبر اغنى رجل في العالم بفضل ثروته التي جمعها من مناجم الالماس في جولكوند حيث قدرت كمية الألماس المستخرجة من هذا المنجم بحوالي 12 مليون قيراط. وحسب قول الصحافة البريطانية آنذاك اشترى المهراجا نظام مئتين وسبعين سيارة دفعة واحدة لاستعمالاته ويقال عنه انه كان يرسل ثيابه مع شركة penisular Oriental لتغسل وتكوى في باريس. والقاسم المشترك بين كل هؤلاء الأمراء والمهراجات ولوعهم بوسائل النقل الاوروبية التي خلبت ألبابهم فأمر بعضهم مثلا بصنع قاطرات بخارية خاصة بهم وعربات ملوكية كانت تشحن إليهم بطريق البحر برفقة المهندسين البريطانيين الذين لا غنى عنهم لرسم ومد السكك الحديدية, وتمتلك الهند شبكة سكك حديدية حسب النظام البريطاني تستخدم حتى اليوم وكانت تسير عليها القاطرات البخارية حتى وقت قريب. يذكر ان مهراجا جواليور الذي كان يمتلك العديد من القصور الفخمة وضع قطارا كهربائيا صغيرا على طاولة الولائم الموجودة في احد قصوره توضع الاطعمة والمشروبات فوق عرباته لتوزع الى الجالسين حول المائدة. أما مهراجا باتيلا فقد كان يمتلك اكبر عدد من سيارات الرولز رويس. وضم قصره القائم في منطقة موتي باج في شمال شرق الهند اربعين سيارة من هذا الطراز. وقد شيد قصرا جديدا بجوار قصره القديم ويمكن للسياح اليوم زيارة القصرين والتمتع بمشاهد البحيرات الجميلة التي تحيط بهما, وتضم مجموعة سياراته القديمة هذه سيارة فرنسية من ماركة كوتورو صنعت في مدينة ديجون في فرنسا.غريبة وقد أتى بعض المهراجات بتصرفات غير عادية احيانا منها مثلا ما قام بها مهراجا جواليور الذي امر عماله بأخذ مقدمة سيارة رولز رويس سيلفر جوست ووضعها على مقدمة القاطرة البخارية التي تجر عربات القطار الذي يجوب مزارعه المحيطة بالقصر. وهناك آخر لم يكن راضيا على شركة رولز رويس وعندما تسلم سيارته التي لم تكن حسب المواصفات التي أرادها قام بوضع السيارة تحت تصرف جامعي القمامة. وهناك آخر أمر بتحويل الجزء الخلفي منها الى ما يشبه سيارة نقل صغيرة ينقل فيها الخضروات والفواكه. وأغربها أيضا ما قام بها مهراجا بهافنجار الذي حول سيارة رولز رويس فانتوم الى صهريج اطفاء. ومنذ سنوات قام كاتب استرالي يدعى جون فزال يقيم في بريطانيا بفحص كل سجلات سيارات الرولز رويس التي صدرتها الشركة الى الهند وقد وضع سجلا كاملا يحوي كل التفاصيل الخاصة بالمحرك والهيكل وأرقام التصنيع وتاريخ الصنع والتصدير واسم الباخرة التي حملتها الى الهند وتابع كل سيارة حتى توصل الى مالكها الحالي. ولقد تفحص هذا الكاتب ما يقرب من 3500 خطاب وستة آلاف حافظة صور (فوتوغرافية) وحوى سجله ما يربو على ألف اسم وصورة منها 900 سيارة رولز رويس ومئة بنتلي وصلت الهند. ومن السيارات التي رصدها جون فزال مثلا سيارة نوع دولاهاي صنعت خصيصا عام 1939 للمهراجا بيراي مكاران جاه وتحتوي على اربعة عوادم Carburateurs ومحرك سعة 6 اسطوانات (سيلندر) وعداد سرعة يصل الى 170 كم في الساعة وعلبة تروس بها اربع سرعات للامام وأربع سرعات للخلف ولم تقطع سوى 28 الف كيلومتر وهي الآن على معرض خشبي في احدى حدائق جودهبور. وفي المنطقة نفسها تقف عند تاجر منوعات سيارة (تمبو) مهملة صنعت عام 1936 وكان يستخدمها الضباط الألمان وهي بمحركين, محرك في الأمام والثاني في الخلف ومزودة بعجلات تعمل بنظام الدفع الرباعي وهي من أولى سيارات الدفع الرباعي في العالم. سيارة لانسيا استورا موديل عام 1932 تعود ملكيتها الى (ام.بي.اس.جيل) وقد فازت بجائزة بالرامبور في سباق ستاتسمان Balampur Trophy at the Statesman Vintage Car Rally وهو سباق لمسافة 70 ميلا وقاد المتسابقون سياراتهم في الريف على منحدر يصعد بهم الى قرية سوهنا. مهرانة دار بهانجا تقود سيارتها وهي ماركة دوليناي بلفيل موديل 1905 في احدى قرى الهند. مجموعة من اغنياء الهند عائدة من حفل زواج جرى في ولاية آسام وهم في سيارة (أوستن 7) تعود لعام 1931. مهراجا جيابور بهواني سنج وهو لاعب بولو شهير يمتطي صهوة جواده المفضل وأمامه سيارته الفورد التي تعود الى عام 1933 وبعد ذلك اهداها الى مدرسة سياقة راجستان. مهراجا جودهبور كاج سنج يقف امام قصره المشيد باسم ادماد بهافن مع سيارته الرولز رويس التي تعود الى عام 1935 ولكنه اليوم يستعمل سيارة مرسيدس رياضية.