(أوان الورد).. قنبلة موقوتة ضد التعصب بيان (2) : تستطيع ان تقتل شخصا وان تعذب شعبا, ولكنك لا تستطيع ان تغتال فكره, خصوصا اذا كانت مغلفة برؤية تبحث عن رومانسية اختفت تحت الجلد.. او تقتحم بجرأة اماكن محظورة.. وما أكثر المحظورات في عالمنا العربي. والاكثر اثارة ان تصحبك الفكرة لتزيل (برقع الحياء) عن ثالوثنا الشهير (الدين, الجنس, السياسة) لنكتشف ان في اعماقنا تطرفا اكثر مما هو معروف.. وان داخل بعضنا ديكتاتورية متشددة تدعو الى مزيد من الكبت.. وان ملامح حياتنا مازالت مليئة بالتناقضات, وان عمرنا يسرقنا او يسرقه الاخرون منا قبل ان يأتي بالفعل.. (اوان الورد). و(اوان الورد) عنوان لمسلسل صاعق كتبه وحيد حامد في تجرؤ صادم على غير المألوف, اخذنا معه في فترات بدايته ونهايته مخرجه (سمير سيف) ليقذف بنا داخل موسيقى تنعش اوتار القلب.. صاغها مؤلفها (خالد احمد) برومانسية, عذبة سهلت الانقضاض على عصرنا.. وقلبت اوراق حاضرنا بأصابع الزمن الماضي. وكعادة (وحيد حامد) الدخول لمناطق لم يسبقه اليها احد من خلال الدراما, ويشهد له في ذلك اعمال كثيرة.. في السينما (اللعب مع الكبار, الارهاب والكباب, وطيور الظلام) وفي التلفزيون مسلسل (العائلة). وقد سجل مسلسل (اوان الورد) واقع الحياة الاجتماعية المشتركة للمسلمين والمسيحيين على ارض مصر.. وتناول العديد من جوانبها في مزج بين الرومانسية القديمة والواقعية المستوحاة من الحياة اليومية. ورغم تداعيات المسلسل الاكثر سخونة.. وتوابع ما احدثه من تفجيرات, يبقى الخط الفاصل بين الموافقة والرفض سببا يحمي احيانا العمل كدراما رائدة تتناول قضية شائكة.. وفي احيان اخرى يعرض الفكرة ومؤلفها ومخرجها لغضب المسلمين والاقباط, وبين هذا وذاك فتح بعض النقاد النار (للوقاحة الفجة) على حسب تعبيرهم, التي لم يقترب منها مقص الرقيب. ومما لا شك فيه ان الطرح الذي قدمه المسلسل.. والصدمة التي قدمها (وحيد حامد) في سيناريو بدأ قويا, ووصل الى الذروة قبل ان يتوه ويتحول الى عمل بوليسي في حلقاته الاخيرة.. سيدفع بالآخرين من كتاب السيناريو للمطالبة بنفس مساحة الحرية.. وسيعملون على الا تقل اعمالهم عن ما قدم في (اوان الورد). ومن دون ريب هذه النقطة تحسب للمسلسل وكاتبه.. الذي تعمد في الحوار التخلص من التوريات والتلميحات المعتادة, من قبل, ونقل ما يدور على السنة الناس في تفاصيل يومياتهم.. فالجنس اسمه جنس والطائفية تعني (مسلمون ومسيحيون) والسلطة ركزها بكل ابعادها في شرطة, ومباحث ومسئولين. والفن الصادق من وجهة نظري هو الصادم للمتلقي.. لذا ارى ان ما تناوله (وحيد حامد) في قضية العلاقة بين المسلمين والمسيحيين بسيط ولا يستحق كل هذه الضجة, وهناك حالات اشد قسوة واكثر مرارة من زواج (روز) المسيحية من مسلم خارج الاراضي المصرية.. فنحن يوميا نسمع عن حكايات مشابهة لشبابنا الذي تزوج في الغربة من اوروبيات وامريكيات ذات ديانة مسيحية, بعضهن اسلم وبعضهن بقي على ديانته.. لكن هناك قصص وحالات استثنائية وانسانية داخل مصر.. مازال يعاني اطرافها من تعصب المسلمين والمسيحيين على حد سواء, ولو تم تناولها وعرضها لشكل ذلك ضغطا له ابعاد دينية على الصعيدين.. ويمكن ان يهم ذلك, ان لم يتم تناوله بدقة وذكاء, في ايجاد شرخ حقيقي لحالة التعايش والاندماج التامين بين ابناء هذا البلد منذ آلاف السنين. ولأن ما قدم هو اول بادرة ويشكل ايضا استثناء في تناول علاقة المصاهرة, بين المسلمين والمسيحيين فمن الطبيعي (ان قذف حجر في مياه راكدة مهما كان درجة ضعفه او قوته لابد وان يحركها, وهذا ما حدث بالفعل وجعل المسلمين والاقباط يتبادلون علامات الاستفهام.. ويوجهون الاتهامات (لوحيد حامد) و(سمير سيف), وامثلة والتأرجح بين ما هو لصالح او ضد المسيحي والمسلم كثيرة. فالاقباط يتساءلون: لماذا لم يجعل وحيد حامد الزوج مسيحيا والسيدة هي المسلمة؟ لماذا تطرق لمسألة العذرية على لسان (ايناس مكي) المسيحية, ولم يعرضها على لسان بطلة العمل (يسرا) المسلمة؟ لماذا جعل الصديقة المسيحية اكثر تحررا وارتداء للفساتين المكشوفة؟ والمسلمون ايضا يتساءلون: لماذا مشاهد الغرام الخاصة بالعروسين وثياب البحر التي تكشف اكثر مما تخبئ؟ لماذا حوارات الجنس الفاضح والاشارة الى عمليات اعادة غشاء البكارة؟ لماذا يظهر الضابط (هشام عبدالحميد) طوال المسلسل وهو يشعل السيجارة كل لحظة.. وفي معظم المواقف المحرجة وغير المحرجة, نجد انه يمكن حذف السيجارة من المشهد تماما ولا تؤثر على سير الاحداث؟ وعلى هامش كل هذه الاسئلة لم يسلم المؤلف والمخرج من رفع دعاوى قضائية لمسيحيين وصل عددها حتى كتابة هذه السطور الى (ثلاث) وبقية الزوابع مازالت في الطريق. ومشكلتنا الحقيقية هي في طريقة تفكير الناس التي تدفعهم الى الانحياز والتعصب دون النظر للحقائق الموضوعية.. وبتجاهل تام لفكر ورؤية من ابدع.. وفي احيان كثيرة اتهامه بأمور لم تكن في حساباته عندما مسك القلم وقرر ان يمشي على الاشواك.. وأرى ان هذا كله اثر على (وحيد حامد) الذي وجدته فجأة في الحلقات السبع الاخيرة للمسلسل يترك الخيط الرئيسي لفكرة العمل وكأنه قرر التنازل عن القضية وحول المسلسل الى اثارة بوليسية للكشف عن الطفل المخطوف.. الذي يعتبر بالفعل رمزا ومعنى قويا لتدعيم اواصر الوحدة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين. وفي نهاية اشبه بالافلام الهندية ينتهي (اوان الورد) على ايدي (ساقطة) للاسف كان اداء من قامت بدورها ضعيفا جدا لدرجة ان الجمهور لم يقتنع بتنازل يسرا (ام الطفل) عن اتهامها لها بالسرقة.. اوترك الضابط (والد الطفل) للعمل بالشرطة ليتفرغ للدفاع عن المظلومين الذين تسبب تنفيذ القانون في ظلمهم. ورغم (ثغرة) النهاية التي فجعنا بها مسلسل (اوان الورد) وكأنه امتداد للنهاية الباهتة في مسلسل فاتن حمامة (وجه القمر) الا ان مساحات المتعة والسعادة في العمل كانت كثيرة, ومنها براعة المخرج سمير سيف في تقديم مسلسل متماسك في صورته وايقاعه.. وجعلني اشعر وكأنه فيلم سينمائي متميز اكثر منه مسلسلا تلفزيونيا. وليس هناك شك في ان دور سميحة ايوب (روز) في مقدمة الادوار التي اداها الفنانون باقتدار.. كما ان (ايناس مكي) انطلقت بدورها في هذا المسلسل الى الامام.. وكذلك حسن عبدالحميد المستشار وعبدالرحمن ابو زهرة رئيس المباحث, اما دور (امل) فأحداً ما كان يستطيع القيام به بتمكن مثل ما فعلت يسرا. اما دور ضابط المباحث الذي قام به هشام عبدالحميد فاننا نعتبره ميلادا جديدا لهذا الفنان الذي زادت اسهمه ونتوقع منه الكثير خلال الفترات المقبلة. (اوان الورد) مسلسل بقدر ما فيه من شاعرية الا انه استطاع الدخول في مواجهة مع قضية حساسة ظلت الدراما التلفزيونية تهرب منها لسنوات طويلة.. او فلنقل انه (قنبلة موقوتة) ضد القلق والخوف والحزن على ما مضى.. وعلى ما تسرب من بين اصابع ايدينا دون ان ندري بسبب التعصب الاعمى الذي جعلنا نفقد اجمل ما فينا! اســامـة عســل